حين نتحدث عن إعادة بناء السودان، يتجه الذهن فوراً إلى السياسة والتحالفات والانتقال المدني. لكن التجارب الحديثة تقول شيئاً أبسط وأعمق: الدولة التي لا تُحسن إدارة موسمها الزراعي لا تُحسن إدارة انتقالها السياسي.
السودان ليس بلداً فقيراً في الموارد، بل فقير في انتظام القرار. ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، تنوع مناخي يمتد من السافانا إلى النيل، ثروة حيوانية ضخمة، ومياه جوفية وسطحية واسعة. ومع ذلك ظل الأمن الغذائي هشاً، لأن الزراعة لم تُدار كمنظومة تشغيل متكاملة، بل كمواسم متقطعة.
التحول الحقيقي يبدأ حين نُعامل الزراعة كمنظومة إنتاج، لا كحقل منفصل.
المنظومة تبدأ من البذرة. نوع البذرة، توقيت توزيعها، ملاءمتها للبيئة المحلية.
ثم يأتي الماء: حصاد مياه الأمطار، إدارة القنوات، صيانة الطلمبات، تخطيط الري الصغير.
ثم الإرشاد: نقل المعرفة من المختبر إلى المزارع، لا عبر ورقٍ رسمي، بل عبر فرق ميدانية.
بعد ذلك تأتي الحلقة التي غالباً ما تُهمل: السوق.
الإنتاج بلا سوق يعني انهيار السعر. والسوق بلا تخزين يعني خسارة المحصول.
لذلك فإن أي سياسة زراعية جادة يجب أن تتضمن: تحسين سلاسل القيمة، مخازن محلية صغيرة، تنظيم النقل، وفتح مسارات تصدير إقليمية.
في جانب الثروة الحيوانية، المسألة ليست أعداد رؤوس فقط، بل إدارة صحية.
برنامج تحصين منتظم يقلل النفوق ويزيد القيمة السوقية.
تنظيم المراعي يحمي البيئة ويمنع النزاعات.
الربط بين المنتج والأسواق الإقليمية يحول الحيوان من عبء بيئي إلى رافعة اقتصادية.
أما الغابات، فهي ليست مجرد أخشاب. هي خط الدفاع البيئي الأول ضد التصحر.
سياسة تشجير بسيطة حول القرى والمزارع يمكن أن تغير مناخ الإنتاج خلال سنوات قليلة.
كل ذلك لا يحتاج معجزة مالية، بل يحتاج انتظاماً إدارياً.
تحديد مسؤوليات واضحة. جداول زمنية ثابتة. تقارير متابعة قصيرة ودورية. قرار لا يتغير مع تبدل المزاج السياسي.
الزراعة ليست قطاعاً ثانوياً.
إنها شبكة تخلق وظائف للشباب، وتمنح المرأة الريفية دوراً اقتصادياً حقيقياً، وتعيد الخدمات إلى المناطق التي غادرتها الدولة.
حين تتحرك دورة الإنتاج، تتحرك معها الطرق الصغيرة، الكهرباء، الأسواق، التمويل المحلي.
الأهم أن الزراعة تُعيد الثقة. الثقة بين المواطن والدولة. الثقة بين المنتج والسوق. والثقة بين السودان وشركائه.
الخروج من عقلية الإغاثة يبدأ من هنا. لا نطلب تمويلاً للاستهلاك، بل تمويلاً للإنتاج. لا نبحث عن مساعدات موسمية، بل عن استقرار تشغيلي.
حين يُدار الموسم الزراعي بانضباط، يصبح الحكم المدني ممارسة يومية لا شعاراً.
لأن الدولة التي تنجح في إدارة الأرض والماء والقطيع، قادرة على إدارة السياسة أيضاً.
السودان الجديد لن يولد من خطاب سياسي وحده، بل من حقلٍ يُزرع في موعده، وقطيعٍ يُحصَّن في زمنه، وسوقٍ يعمل بعدالة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة