يقف السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي، تتجاذبه رياح الأزمات السياسية، والصراعات المسلحة، والانقسامات الاجتماعية، في مشهد يثير قلق كل من يحمل في قلبه ذرة انتماء لهذا الوطن الممتد بتنوعه وتاريخه العريق. وبينما تتفاقم التحديات، يبرز سؤال مصيري: إلى أين تتجه السفينة السودانية في ظل تصاعد خطابات الكراهية والعنصرية؟ وهل ينجح السودانيون في التوافق من أجل الوطن، أم يتفكك السودان بأيدي أبنائه؟ لطالما عُرف السودان بتنوعه الثقافي والعرقي والديني، وهو تنوع كان يمكن أن يكون مصدر قوة وإثراء حضاري، غير أنه تحول في محطات كثيرة إلى سبب للتنازع والصراع. منذ الاستقلال في عام 1956، تعاقبت الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية، واندلعت الحروب الأهلية التي أرهقت البلاد وأضعفت مؤسساتها. وكانت أبرز تلك المحطات انفصال جنوب السودان عام 2011، حين أُعلن قيام دولة جنوب السودان بعد استفتاء شعبي، ليُطوى فصل مؤلم من تاريخ السودان الموحد، لكنه لم يكن نهاية للأزمات، بل بداية لتحولات جديدة أكثر تعقيدًا. لقد شكّل انفصال الجنوب جرس إنذار مبكرًا لما يمكن أن تؤول إليه الأمور إذا استمرت الانقسامات وتغلبت لغة الإقصاء على لغة الحوار. ومع ذلك، يبدو أن الدروس لم تُستوعب بما يكفي. فخطابات الكراهية والعنصرية لا تزال تجد من يغذيها، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في بعض المنابر السياسية والإعلامية، مما يعمق الشروخ بين مكونات المجتمع. وفي خضم الصراع الدائر بين القوات المسلحة السودانية و مليشيات الدعم السريع منذ عام 2023، ازدادت حدة الاستقطاب، وأخذت بعض الخطابات منحىً خطيرًا يقوم على التصنيف العرقي والجهوي. هذا المسار لا يهدد فقط النسيج الاجتماعي، بل يفتح الباب أمام احتمالات التفكك والانهيار. إن استمرار الحرب في العاصمة الخرطوم وامتدادها إلى أقاليم أخرى، خاصة في إقليم دارفور، يعيد إلى الأذهان سنوات الألم التي عاشها السودانيون في مطلع الألفية، حين تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات دامية ذات أبعاد إثنية خطيرة. إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الرصاص والقذائف، بل الكلمات التي تُزرع في العقول لتغذية العداوة والانتقام. فالكراهية تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى خطاب، ثم إلى فعل قد يصعب احتواؤه. وإذا لم تُواجه هذه الظاهرة بوعي مجتمعي وموقف وطني جامع، فإنها قد تمهد الطريق لانقسامات أعمق من تلك التي أفضت إلى انفصال الجنوب. غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فقد أثبت السودانيون في محطات مفصلية قدرتهم على التوحد خلف مطالب وطنية جامعة، كما حدث في الحراك الشعبي عام 2019 الذي أطاح بنظام عمر البشير. يومها خرج الملايين من مختلف الأقاليم والانتماءات، رافعين شعار الحرية والسلام والعدالة، ومؤكدين أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم. ذلك المشهد يعكس أن الروح الوطنية لا تزال حية، وأن الأمل في التوافق ممكن إذا توفرت الإرادة الصادقة. إن المشكلة السودانية، في جوهرها، ليست مستعصية على الحل، لكنها تحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وإرادة حقيقية لبناء دولة المواطنة. دولة تُساوي بين أبنائها دون تمييز على أساس العرق أو القبيلة أو الجهة، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق ويحدد الواجبات. فلا يمكن لوطن أن يستقر إذا شعر جزء من أبنائه بالتهميش أو الإقصاء. الوحدة ليست شعارًا عاطفيًا يُرفع في المناسبات، بل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا يتطلب إصلاحًا عميقًا في بنية الدولة ومؤسساتها. يتطلب نظامًا عادلًا لتوزيع الثروة والسلطة، وتنمية متوازنة تشمل الأطراف كما تشمل المركز، وتعليمًا يعزز قيم التعدد والتسامح، وإعلامًا مسؤولًا يرفض التحريض ويعلي من شأن الحقيقة. كما أن على القوى السياسية أن تدرك أن الصراع على السلطة، مهما كانت مبرراته، لا ينبغي أن يكون على حساب بقاء الدولة نفسها. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب التي فشلت في إدارة تنوعها انتهى بها المطاف إلى دويلات متناحرة أو إلى صراعات طويلة الأمد. والسودان، بموقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية وتاريخه العريق، يستحق مستقبلًا أفضل من دوامة الحروب والانقسامات. إن الحفاظ على السودان بشكله الحالي مسؤولية جماعية. لا يمكن تحميلها لطرف واحد، ولا يمكن انتظار معجزة من الخارج. المجتمع الدولي قد يقدم دعمًا أو وساطة، لكن القرار النهائي يبقى في يد السودانيين أنفسهم. فإما أن يختاروا طريق التوافق والحوار، أو يتركوا المجال لخطابات الكراهية لتقود السفينة نحو المجهول. لقد فقد السودان جزءًا عزيزًا من جسده بانفصال جنوبه، وكان ذلك نتيجة تراكمات طويلة من الفشل في إدارة الاختلاف. واليوم، يقف أمام اختبار جديد: هل يتعلم من الماضي، أم يعيد إنتاجه بصورة أكثر مأساوية؟ إن التمسك بالوحدة لا يعني إنكار المشكلات، بل مواجهتها بجرأة. ولا يعني تجاهل المظالم، بل معالجتها ضمن إطار وطني جامع. السفينة السودانية لا تزال قادرة على النجاة، لكنها تحتاج إلى قبطان حكيم، وطاقم متعاون، وبوصلة تشير إلى مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فإذا تغلب صوت العقل على صوت السلاح، وصوت المواطنة على صوت العصبية، يمكن للسودان أن يعبر هذه العاصفة ويبدأ فصلًا جديدًا من الاستقرار والبناء. أما إذا استمرت الانقسامات وتغذت الكراهية، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، بل لوطن بأكمله. إن الخيار ما يزال متاحًا، لكن الوقت يضيق. فالوطن ليس مجرد حدود على الخريطة، بل هو ذاكرة وتاريخ وأحلام أجيال. وحمايته تبدأ من كلمة مسؤولة، وموقف شجاع، وإيمان راسخ بأن السودان يتسع للجميع، وأن قوته في وحدته، وضعفه في تشرذمه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة