إخوان السودان دشّنوا عهدهم المظلم الذي بدأ في 30 يونيو 1989 بالكذب؛ فقد كذبوا على الشعب السوداني منذ اليوم الأول، واستمروا في كذبهم طوال سنوات حكمهم البائس. الكيزان القتلة الأشرار انقلبوا على ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الذي وقّعته القوى السياسية والنقابية والطلابية والنسائية وقوات الشعب المسلحة عقب انتفاضة مارس–أبريل 1985. لم يكن ذلك الانقلاب مجرد وصول إلى السلطة، بل كان اختطافاً كاملاً لحق الشعب في تقرير مصيره، وفتح الباب أمام ثلاثة عقود من العبث والفوضى مورست فيها السلطة بلا وعي ولا ضمير ولا أخلاق. عُطّلت الحياة السياسية، وطورد السياسيون والناشطون، وامتلأت السجون بالشرفاء من أبناء وبنات السودان، وارتُكبت فظائع خطيرة مثل اغتيال الشهيد د. علي فضل في بيوت الأشباح، وإعدام 28 ضابطاً في رمضان بدم بارد، وممارسة التعذيب والإخفاء القسري، وتدمير الخدمة المدنية والمؤسسات الوطنية. ورغم رفع شعارات مثل “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”، كان الواقع انهياراً اقتصادياً شاملاً وفشلاً ذريعاً في كل مناحي الحياة، وسقوطاً أخلاقياً غير مسبوق في الممارسة السياسية والاجتماعية. أسوأ ما في حكم الإخوان كان استغلال الدين؛ فقد غُسلت عقول البسطاء بشعارات دينية منافقة، بينما كانت الممارسات تناقض كل القيم التي يدّعون تمثيلها. تحوّل الدين إلى أداة للهيمنة وإلى خطاب غوغائي سُمّي “التوجه الحضاري”، بينما كان الواقع تدميراً للحضارة وتخريباً للوعي وإفقاراً للروح. عاش الشعب في أوهام صنعتها سلطة لا ترى في الدين إلا وسيلة للسيطرة، ولا في الوطن إلا غنيمة، ولا في المواطن إلا تابعاً. إن الجرائم التي ارتُكبت ضد الشعب السوداني جعلت التخلص من إرثهم ضرورة وطنية، لتحرير إرادة الشعب السوداني واستعادة الدولة المختطفة، حتى يعيش بكرامة ويبني دولة لا مكان فيها للاستبداد أو القداسة السياسية. إن استغلال الدين سياسياً هو أخطر أشكال الاستبداد، كما يرى سبينوزا، لأنه يرتدي عباءة القداسة ويغلق باب النقد ويحوّل الحاكم إلى ظلٍّ لله والشعب إلى رعية لا مواطنين. وعندما تُستخدم النصوص الدينية لإلغاء التفكير الحر، كما يحذّر كانط، يصبح المجتمع قابلاً للانقياد وتصبح السلطة فوق المساءلة. أما جون لوك فيؤكد أن شرعية السلطة تأتي من رضا المحكومين لا من ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وأن أي سلطة تزعم أنها تمثل الله على الأرض تُغلق الباب أمام التعددية وتفتح الباب أمام الاستبداد. بناء الدولة الحديثة لا يتحقق إلا عبر عقد اجتماعي يجعل الشعب مصدر السلطة والحاكم موظفاً عاماً لا مالكاً للدولة، فالحرية حق أصيل وليست منحة من السلطة، والعدالة أساس الاستقرار وليست مجرد قوانين بل مؤسسات مستقلة وقضاء نزيه وتوزيع عادل للثروة. والدولة الحديثة تُبنى على الحرية والعلم والمعرفة لا على الشعارات، وعلى مؤسسات قوية لا على الولاءات، وعلى احترام التعددية باعتبارها مصدر قوة لا تهديداً. إن تعافي السودان يبدأ بالتخلص من إخوان السودان، أي “الكيزان”، واستعادة الدولة من قبضة الاستبداد، وبناء مستقبل يقوم على الحرية والمعرفة والعدالة. فالشعب الذي استعاد ثورته أكثر من مرة قادر على أن يستعيد دولته ويصنع مستقبله حين يتحرر من إرث الاستغلال السياسي للدين ومن كل أشكال الطغيان التي كبّلت إرادته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة