حينما تُعرّي الحرب أخلاقياتنا… نصبح متآلفين مع سرديات القتل كتبه مختار العوض موسى

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-24-2026, 11:08 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-23-2026, 08:35 PM

مختار العوض موسى
<aمختار العوض موسى
تاريخ التسجيل: 01-31-2026
مجموع المشاركات: 11

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
حينما تُعرّي الحرب أخلاقياتنا… نصبح متآلفين مع سرديات القتل كتبه مختار العوض موسى

    08:35 PM February, 23 2026

    سودانيز اون لاين
    مختار العوض موسى-Sudan
    مكتبتى
    رابط مختصر





    بعد عودة عددٍ من السكان إلى كثيرٍ من القرى التي هُجّروا منها إثر هجوم الأوباش عليها، تغيّرت أخلاق قلةٍ منهم إلى الأسوأ، وبدأت تتلاشى قيم التوادّ والتراحم والتعايش بينهم؛ ما أدى إلى بروز سلوكيات غير محمودة: غشّ، كذب، تخوين، وشجار لأتفه الأسباب، وترصّد للغدر والانتقام في وضح النهار «على عينك يا تاجر». كما تفشّى خطاب الكراهية الذي يُفضي إلى جرائم لم تكن مألوفة في مفردات حياتنا المجتمعية قبل الحرب. فأصبحنا نسمع عن أفعال يندى لها الجبين، وكأننا في غابة يسودها «قانون البلطجة»، حيث القوي يفترس الضعيف، وفي كل خلاف تنشأ بين اثنين تتردد عبارة «مارقني الخلا» بقوة.

    هل نحن على موعد مع انزلاقات سلبية تنذر بكوارث وخيمة؟
    إلى متى سنظل في حلقة متجددة من أنماط انتقامية وأخطار جسيمة تنهش نسيجنا الاجتماعي؟
    هل تغيّرت قيمنا الإنسانية تحت الضغط؟ وكيف يمكن إعادة ضبطها دون الانزلاق إلى الفوضى المدمرة؟ وكيف نواجه الأخطار الناتجة عن التركة المثقلة للحرب؟

    قبل التعمق في هذه الأسئلة، يجدر بنا أن ندرك أن الحروب ليست مجرد صدامات عسكرية، بل اختبارات أخلاقية قاسية تُعرّي القيم، وتضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع هشاشة سلوكياته. هذه العاصفة التي كادت أن تنحسر ليست حدثًا عابرًا، بل زلزالًا يعيد تشكيل وعينا الجمعي، ويُحدث خللًا في قدرتنا على التمييز بين الصواب والخطأ. وقبل أن نتساءل: «ماذا خسرنا؟» ينبغي أن نسأل: «كيف أصبحنا؟».
    هل ما نعيشه من تبدلات سلوكية هو انهيار أخلاقي حقيقي، أم مجرد «فقاعة صابون» سرعان ما تتلاشى دون أن تترك أثرًا دائمًا؟

    قد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل تتغير القيم تحت الضغط؟
    وفقًا لمفهوم الفلسفة الأخلاقية، القيم لا تُخلق في الأزمات بل تُختبر. غير أن نظرةً متعمقة في المشهد السوداني تُظهر أن الضغط المستمر لا يختبر القيم فحسب، بل يعيد ترتيب أولوياتها. وحين تصبح المصلحة الشخصية شاغلًا أول—even إن أضرّت بالآخرين—تتفاقم الأنانية وتتراجع قيم الرحمة والنزاهة والتضامن الإنساني، تحت وطأة الخوف من الجوع، وتخوين الآخر، وتفشي الأحقاد والضغائن، ما يُخلّ بالمنظومة الأخلاقية قبل القانونية.

    ولعل أخطر ما تفرزه الحروب ليس العنف ذاته، بل الاعتياد عليه. فعندما تتراجع المنظومة القانونية، يتقدّم الفرد محكومًا بمنطق «أنجو أولًا ثم أفكر لاحقًا»، فيدخل منطقة رمادية يصبح فيها التحايل مهارة، والصمت فضيلة، والقسوة وسيلة، واللامبالاة درعًا نفسيًا. ليس لأن المجتمع فقد أخلاقه تمامًا، بل لأن الأخلاق لم تُدعَم بنظام عادل يحميها. وهكذا تتسع مساحة الشر في العقل الباطن، ويفقد الفعل الإجرامي رهبة نظرة المجتمع.
    إن أخلاق ما بعد العاصفة ليست كما قبلها؛ ومن الخطأ أن نحاول استعادة ما «كان» كما «كان». فما مضى لن يعود بالوتيرة نفسها، لأن أخلاق ما بعد المحنة هي أخلاق بشر جُرّبوا في أقسى الظروف، ومن الطبيعي أن تنعكس آثارها على سلوكهم.

    السؤال الحقيقي ليس: هل تغيّرت قيمنا؟ بل: هل نملك الشجاعة لإعادة بنائها بوعي، أم سنتركها تتشكل عشوائيًا تحت وطأة التعب؟

    في السودان، لا نحتاج إلى أخلاق جديدة بقدر ما نحتاج إلى شروط تجعل الأخلاق ممكنة دون خوف أو تبرير. ففوضى الحرب لا تنتهي عند توقف الرصاص، بل تمتد إلى داخل النفوس، فتطبع الإنسان مع العنف وتجعله سلوكًا عاديًا إذا تُرك الحبل على الغارب. الفرد الذي يعيش طويلًا في بيئة يسودها الخوف والقتل والانهيار قد يرى في العنف أداةً مشروعة لتصفية الحسابات، حتى الاغتيالات التي كانت منبوذة تتحول تدريجيًا إلى مشهد مألوف. وهنا يكمن الخطر: حين تتراجع قدرة الإنسان على ضبط انفعالاته، وتصبح بوصلة مشاعره سريعة الانحراف نحو انزلاقات تنذر بتفشي العنف، خصوصًا إذا استُبدل قانون الغاب بالمنظومة العدلية.

    ولا يمكن إغفال الأثر النفسي العميق للحرب: مستويات مرتفعة من القلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والشعور المزمن بعدم الأمان. فمَن يحمل هذا الثقل قد يتفاعل مع استفزاز بسيط كما لو كان تهديدًا وجوديًا، فتأتي ردود فعله حادة وربما مدمرة. وهذا لا يعني دائمًا تغيّرًا أخلاقيًا بقدر ما يشير إلى تشوهات نفسية وسلوكية نتجت عن تصنيفات «نحن/هم» التي غذّتها الحرب.

    كذلك أدت الحرب إلى تفكك منظومات الضبط التقليدية: سلطة القانون، ودور الأسرة الممتدة، ومكانة القيادات المجتمعية، والأعراف الراسخة. وعند عودة السكان إلى قراهم، يجدون فضاءً لم تعد قواعده واضحة كما كانت، فينشأ فراغ سلوكي يجعل أي خلاف بسيط قابلًا للتصعيد.

    ولا ننسى الإحباط المتراكم بسبب فقدان الأحبة والممتلكات وسبل العيش والشعور بالظلم؛ فكل ذلك يولد غضبًا كامنًا قد ينفجر في شجار عابر يتحول فجأة إلى عنف شديد.

    الحرب تعيد تعريف القيم بصورة غير مباشرة؛ فقد يتراجع معنى الحياة في سلّم الأولويات، ويغدو الموت حدثًا اعتياديًا، وتضعف مفاهيم التسامح والصبر وضبط النفس تحت ضغط التجارب القاسية.

    علينا أن ندرك أن ما بعد الحرب قد يكون أخطر من الحرب نفسها. فالسلاح قد يصمت، لكن العقل لا يعود فورًا إلى السلم. وإذا لم تُعَد صياغة المعايير، تبدأ الفوضى الأخلاقية، ويغيب الاحتكام إلى القيم المشتركة، ويصرّ كل فرد على منطقه—even إن كان خاطئًا.

    إن إعادة ضبط الأخلاق لا تتم بالوعظ ولا بالقمع، بل عبر ثلاثة مسارات متوازية:

    أولًا: الاعتراف قبل المحاسبة
    لا يمكن بناء أخلاق جديدة فوق إنكار جماعي. لا بد من الاعتراف بما حدث، وبأن الجميع تضرر بدرجات متفاوتة، فذلك خطوة أولى نحو التحرر من سرديات القتل.

    ثانيًا: تحويل القيم من شعارات إلى ضمانات
    أي قيمة لن تصمد ما لم يحْمِها قانون عادل ومؤسسات فاعلة. فالعدالة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل شرط لبقاء بقية القيم.

    ثالثًا: إعادة الاعتبار للأخلاق اليومية الصغيرة
    لسنا بحاجة إلى بطولات استثنائية، بل إلى الصدق في المعاملات، والرحمة في العلاق
    Image

    ات، والنزاهة في التفاصيل الصغيرة. فالمجتمعات لا تتعافى بالتعالي على الآخر، بل بقبوله والاعتراف به، حتى مع اختلاف التوجهات.

    إن التعافي ليس قدرًا محتومًا، لكنه خيار ممكن إذا توفّر الوعي والإرادة. فإعادة الإعمار المادي لا تكفي دون دعم نفسي حقيقي، وإحياء للأعراف الإيجابية، وتعزيز للحضور القانوني، وخطاب إعلامي واجتماعي يُعيد الاعتبار لقيمة الحياة وضبط النفس. لأن أخطر ما بعد الحرب ليس الدمار المادي، بل «تطبيع العنف». فإذا لم تُعالَج هذه التركة المثقلة، قد يستمر العنف أسلوبَ حياة حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.

    الحرب قد تغيّر البشر، لكن الوعي بهذه التغيّرات هو الخطوة الأولى نحو استعادة التوازن الأخلاقي والاجتماعي.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de