في الأزمات الكبرى، لا تُقاس مكانة الدول بما تملكه من أدوات قوة فحسب، بل بقدرتها على التحدث عن نفسها بوضوح، وتعريف مصالحها، والدفاع عنها في المحافل الإقليمية والدولية. وفي الحالة السودانية، تكشف الحرب الجارية عن مشكلة تتجاوز الميدان العسكري والكارثة الإنسانية، لتصل إلى مستوى أعمق (غياب الصوت السياسي والدبلوماسي القادر على تمثيل الدولة بفاعلية). منذ اندلاع الصراع، تتابعت المبادرات وتكاثرت المنصات وتعددت البيانات، لكن هذا الحضور الكمي لم يتحول إلى تأثير نوعي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا! هل المشكلة في ضعف الاهتمام الدولي، أم في عجز الداخل عن تقديم خطاب وطني متماسك يمكن التعامل معه بجدية؟
الفقر الدبلوماسي لا يعني ضعف الأداء البروتوكولي أو محدودية العلاقات الخارجية فقط، بل يعكس خللًا أعمق في بنية السياسة الداخلية. فالدبلوماسية ليست نشاطًا منفصلًا عن الداخل، بل امتداد طبيعي له. وحين تتفكك السياسة، ويتعدد من يدّعي التمثيل، تصبح الدبلوماسية مجرد صدى للتناقضات، لا أداة لصياغة المصالح الوطنية وحمايتها. في السودان، لم تنشأ هذه الأزمة مع الحرب الأخيرة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا وحدّة معها. فغياب التوافق السياسي، وانقسام مراكز القرار، وتداخل العسكري بالمدني وتقديم مصالح الكيانات علي المصالح الوطنية، كلها عوامل أضعفت قدرة الدولة على تعريف نفسها خارجيًا. ونتيجة لذلك، بات السودان يُقدَّم في كثير من المحافل الدولية كأزمة إنسانية وأمنية تُدار خارجياً ، لا كدولة تفاوض وتقرر.
مقارنة إقليمية
ليست تجربة السودان فريدة في المنطقة. فقد أظهرت تجارب دول مثل ليبيا بعد 2011، والصومال خلال العقدين الماضيين، هذه الدول افتقدت حدًا أدنى من الإجماع السياسي الداخلي، من ما خسرت تدريجيًا قدرتها على التأثير في مسارات الوساطة الدولية، حتى عندما كانت المعنية الأولى بنتائجها. في ليبيا، أدى تعدد الحكومات والميليشيات إلى تحكم قوى إقليمية ودولية في مفاصل المفاوضات، بينما بقي صوت الدولة ضعيفًا ومجزأً. في المقابل، أظهرت تجربة جنوب السودان بعد الاستقلال أن وجود خطاب سياسي موحد، ولو في ظل صراعات داخلية، مكّن الدولة من فرض بعض أولوياتها، أو على الأقل حماية خطوطها الحمراء في المحافل الإقليمية والدولية. هذا الدرس الإقليمي المجاور واضح للسودان، بحيث ان غياب صوت وطني موحد يجعل الدولة طرفًا ضعيفًا في كل مفاوضات السلام، ويحد من قدرتها على حماية مصالح شعبها.
الترجمة العملية للفقر الدبلوماسي في السودان، أظهرت فقرا و آثاراً دبلوماسيا و عمليا مباشرا، تعدد مسارات التفاوض دون أن تفضي إلى تسوية قابلة للاستمرار، إدارة ملف المساعدات الإنسانية بمعزل عن رؤية سياسية شاملة، مناقشة قضايا مصيرية خارج البلاد دون مشاركة سودانية فاعلة، و تآكل تدريجي لمفهوم السيادة الوطنية لصالح ترتيبات استخباراتية مؤقتة! ورغم ذلك، وما يوسفني اكثر، يَسود أحيانًا تصور خاطئ مفاده أن ضعف الدبلوماسية قد يخفف الضغوط الخارجية أو يحد من التدخل الدولي. غير أن التجربة الإقليمية والدولية تشير إلى العكس، غياب الصوت الوطني لا يمنع التدخل، بل يجعله أقل انضباطًا وأبعد عن الأولويات المحلية. فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا، بل يُملأ بتقديرات الآخرين ومصالحهم. الأخطر أن تعدد مظاهر الفقر الدبلوماسي، ضعف الدولة، تشرذم القوى السياسية، وارتهان بعض الفاعلين للدعم الخارجي، أنتج حالة تُدار فيها الأزمة بدل أن تُحل. فلا سلام مستدام يُبنى، ولا مسار سياسي واضح يتشكل، بينما تستمر الكلفة الإنسانية والسياسية في التصاعد.
دعوة لصنّاع القرار
بالنسبة لصنّاع القرار في السودان، لا يكمن التحدي اليوم في تحسين صورة الدولة خارجيًا بقدر ما يكمن في إعادة إنتاج السياسة داخليًا على أسس واضحة. فالدبلوماسية لا يمكن أن تعوّض غياب الرؤية، ولا أن تخفي الانقسام، ولا أن تحل محل التوافق الوطني. بل استعادة الصوت السوداني والتي تبدأ بخطوات محددة، أولّهما تحديد من يتحدث باسم الدولة، وبأي شرعية، وعلى أي أولويات، ثانيهما فصل الدبلوماسية عن الاستقطاب الداخلي والصراعات الفئوية، ثالثهما الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء مسار سياسي يسمح بترجمة الموقف داخليًا وخارجيًا بثقة ومصداقية
في عالمنا اليوم تتزايد فيه النزاعات وتتنافس فيه أولويات المصالح الدولية، فلا يُصغي المجتمع الدولي إلا للدول التي تعرف ماذا تريد، وتستطيع أن تقوله بصوت واحد. إذا أراد السودان استعادة مكانته وتأثيره، فهو لا يحتاج إلى مزيد من البيانات أو الوسطاء، بل إلى سياسة وممثلين يستحقون أن يكون لهم صوت، وصوت يستحق أن يُسمع.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة