لم يكن لقاء التاسع عشر والعشرين من فبراير في عنتبي مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كان لحظة اختبار لفكرة ظلت غائبة عن السودان طويلاً: استقرار القرار.
السودان لم ينهكه السلاح وحده، بل أنهكه التردد. كم من رؤية أُعلنت ثم تراجعت؟ وكم من مشروع بدأ بقوة ثم أوقفته الحسابات الضيقة؟ المشكلة لم تكن في غياب الموارد، بل في غياب القرار الذي يثبت على مساره.
في عنتبي بدا السؤال مختلفاً: هل نملك هذه المرة قراراً مستقراً؟
طوال عقود تمركزت السلطة في الخرطوم، وتكدس القرار في يد المركز، بينما ظلت الأطراف تنتظر. لكن الحقيقة الاقتصادية كانت دائماً واضحة: في الأطراف توجد الأرض والمياه والماشية والغابات والإنسان المنتج.
السودان الموحد لا يُعاد بناؤه من مركز استهلكته الصراعات، بل من أطراف تملك مقومات الحياة. حين يُحسم الاتجاه نحو لامركزية فعلية، فإن الدولة تبدأ من حيث يوجد الإنتاج، لا من حيث تُحتكر السلطة.
اللقاء في أوغندا حمل بعداً جامعاً. لم يُطرح كتحالف ضد أحد، بل كرؤية لبناء مسار جديد. إعادة التموضع الأفريقي تعني أن السودان يمكن أن يستعيد توازنه عبر شبكة علاقات عملية لا عبر محاور صراع.
الحديث عن فتح مكتب في كمبالا – إن تم تثبيته رسمياً – لا ينبغي أن يُقرأ كعنوان رمزي، بل كأداة تنفيذ. قيمته في قدرته على دعم البرامج التنموية، وعلى رأسها برنامج الانطلاق الزراعي، لا في زخمه السياسي.
الاختبار الحقيقي لاستقرار القرار يبدأ من الميدان. الزراعة ليست مجرد قطاع، بل دورة استقرار: إنتاج، طعام، دخل، سوق، خدمات، وثقة. إذا بدأ الموسم في موعده، وإذا وُزعت المدخلات بعدالة، وإذا أُديرت الموارد بشفافية، فإن الحكم المدني يبدأ عملياً.
أول أبريل ليس تاريخاً فنياً فحسب، بل لحظة اختبار للجدية. إن انطلق العمل بثبات، فهذا يعني أن القرار قد استقر. وإن تعثر تحت ضغط التردد، فنحن لم نغادر الحلقة القديمة.
الدولة المدنية تُبنى في الإدارة الرشيدة، في توزيع عادل للموارد، وفي رقابة شفافة. حين تستقر الأسواق يستقر المجتمع، وحين يستقر المجتمع تتماسك الدولة.
السودان لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى قرار ثابت يُنفذ خطوة بعد خطوة. وعندما يستقر القرار، ينهض الوطن من أطرافه الحية.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد قيادي مؤسس في تحالف تأسيس التاريخ: ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا [email protected]
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة