هذه كارثة أخرى بعد فضيحة زيارة كامل ادريس للمملكة العربية السعودية ولم يقابله ولي العهد وهتافه الهستيري أمام رئيس اريتريا .
الجميع في هذا المحفل الدولي الكبير كان ينتظر من كامل ادريس أن يقدم أطروحته المتماسكة بشأن أزمة الحرب في السودان وكيفية حلها ، ولكن بعد حديثه المطول عن التاريخ والعظمة أنكر وجود الخصم من اساسه ، أنكر وجود الدعم السريع باعتبار تم حلها ! فنفى وجود كيان قانونيًا ، بينما يُعترف به عمليًا كطرف تفاوض في جدة والمنامة وجنيف وواشنطن ؟
هذا الإنكار لا يصمد أمام الواقع ولا أمام الحد الأدنى من المنطق ، لأن السياسة لا تدار بالانكار ، والدبلوماسيون لا يتعاملون مع الإنكار اللفظي وإنما يتعاملون مع الوقائع الميدانية خاصة ان المجتمع الدولي يفرّق بين الشرعية القانونية والفاعلية الواقعية .
بعيدا عن منطق السياسة ، قوات الدعم السريع أُنشئت بقانون أجازه البرلمان ، وبالتالي فإن إلغاءها — من حيث المبدأ — يتطلب أداة قانونية مكافئة في القوة والمرتبة . غياب البرلمان لا يمنح السلطة التنفيذية تلقائيًا سلطة إلغاء قوانين صدرت بتشريع ، إلا ضمن إطار دستوري استثنائي واضح ومعلن ومحصّن قانونيًا .إذا لم يصدر نص تشريعي مكافئ أو إعلان دستوري مكتمل الأركان ، فالكيان الذي أُنشئ بقانون لا يُلغى بخطاب سياسي فقط ، في سياق دولة تعيش فراغًا دستوريًا وحربًا وصراع حول الشرعية ، لذلك تصبح كل القرارات ذات طبيعة استثنائية ، لكن الاستثناء لا يلغي الحاجة إلى اتساق قانوني واضح ، خاصة عندما يُطرح الخطاب في محافل دولية .
في الفقه القانوني الدولي هناك فرق بين نزع الشرعية (Delegitimization) وبين إنكار الوجود (Denial of factual existence). الأول ممكن سياسيًا ، أما الثاني فينهار أمام الواقع . لذلك مثل هذه الخطابات لا يمكن أن تكون مقنعة في المحافل الدولية . في المنتديات الدولية الدبلوماسيون يتعاملون مع الوقائع الميدانية لا مع الإنكار اللفظي لأن المجتمع الدولي يفرّق بين الشرعية القانونية والفاعلية الواقعية . وأي تناقض بين الخطاب والممارسة يُضعف المصداقية فورًا . حين تقول إن كيانًا “غير موجود”، بينما أنت تتفاوض معه، فأنت تقدم رسالة مزدوجة . وفي الدبلوماسية ، الرسائل المزدوجة تُقرأ عادة كضعف أو ارتباك أو محاولة للاستهلاك الداخلي .
أن أزمة السودان اليوم هي أزمة مصداقية واتساق . فالعالم يختبر التناسق بين القول والفعل ، ويقيس جدية الطرح بقدرته على ملامسة الواقع ، لان إنكار وجود طرف فاعل في ساحة الصراع لا يلغيه ، ولكن يضعف الثقة ويهز صورتك أمام المجتمع الدولي . الدبلوماسية مجال لإدارة الوقائع بواقعية قانونية وسياسية واضحة خاصة في ظل الحرب وتآكل الشرعية والفراغ الدستوري . فالسودان اليوم يحتاج إلى خطاب يعترف بالواقع ويعمل على تغييره بأدوات دستورية وقانونية متماسكة ، لأن المصداقية في زمن الأزمات هي رأس المال الذي لا يحتمل المغامرة .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة