إن قوام أي نهضة، وركيزة أي بناء، هي وجود مؤسسات راسخة، تُدار بمنهج واضح، وتأطير محكم للصلاحيات. فمؤسسات الدولة، على تنوعها، تحمل في جعبتها إرثاً من التراكم التاريخي والخبرات، وتعمل في كفة شفافية، مما يجعل النفاذ إليها بالفساد ضرباً من المستحيل. وكما يقول المثل السوداني: "البيت المبنِي على أساس، ما تهده رياح". هذه المؤسسات هي الأساس الذي يصد عواصف الفساد.
أما إذا أردت لخدمة رديئة أن تسري في أوصال الوطن كالسّمّ، وإذا أردت للفساد أن يعشعش في كل زاوية، فما عليك إلا أن تلجأ للجان المؤقتة. فحينها سترث فساداً مستحكماً، ومشاريع دون مستوى الكفاءة والجودة، وستتحول العطاءات إلى غنيمة تتقاسمها "الشللية" الضيقة. وإذا ما ظهرت عطاءات للوجود، فإنها تمارس فيها "الجوكنة" - تلك اللعبة الخبيثة - لتمرير المشاريع لمصلحة النافذين، لا لمصلحة الوطن. وهذه حال اللجان التي تعمل خارج السياج، وكما يقال: "الحرامي ما بيسرق من البيت الخالي"، فاللجنة غير المؤطرة هي البيت الخالي الذي يجد فيه الفساد ضالته.
أما مؤسسات الدولة، فلها نظامها الدستوري الذي ترتكن إليه، وفيه تُراجع القرارات قبل نزولها، وتُحاسب بعد تنفيذها، عبر آليات دقيقة تمكّن ديوان المراجعة من أداء واجبه. ألا يحضرنا هنا مثال تلك اللجنة التي شُكّلت في عهد "الإنقاذ" لطريق الغرب، تلك اللجنة التي أكلت من أموال المواطنين وجهدهم، فلم تصل لا طريق ولا بُنيَ أمل. وأين ذهبت أموال الشعب؟ لا أحد يدري. وانتهت القصة عندما قال أحد المسؤولين في نهايتها: "خلوها مستورة"! وكأن إخفاء الحقيقة هو المطلوب. ولكننا اليوم، وبعد هذه التجارب، نقول: لا نريد لعتمة "المستورة" أن تعود ثانية. فمن الواجب أن يعلم الشعب أين يذهب كل مليم، وكيف تم فرز العطاءات، وهل يستحق المبلغ الذي دُفع مقابل ما أُنجز. هذه هي الشفافية التي لا تقبل مساومة.
لهذا، فإن أي لجنة تنشأ خارج السياق التنفيذي الرسمي، مهما كان من يترأسها كفؤاً، ينبغي أن تُحَل. فالوثيقة الدستورية الحاكمة قد حددت بدقة اختصاصات مجلس السيادة والوزراء، وجعلت المرجعية واضحة لا لبس فيها.
فحين يُسأل مسؤول عن فساد، أو يُطلب من وزارة المالية والتنمية العمرانية توضيح بشأن صفقة صيانة كبرى بعد توقيع العقد، أعتقد أن الأجدر والأكثر نُبلاً أن يكون السؤال والرقابة قبل التوقيع، وأن يتم التعاقد عبر الآليات المتبعة، لا بعد فوات الأوان. فكما يقول المثل: "الضبة ما بتخلق في الغابة"، أي أن النظام والمتانة لا ينشآن من العشوائية، بل من المؤسسة الراسخة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة