لا يستقيم بناء الأجهزة التنفيذية في الدولة إلّا بإرساء مبدأ الاختصاصات الواضحة بين مستويات الحكم كافّة. فالمسؤولية إذا تشعّبت ضاعت، وكما يقول المثل السوداني: "اليد اللي بتشتغل كتير بتغلط، واليد العطلانة بتشيل البلد". فلا بدّ أن يكون لكل سلطة اختصاصها الحصري الذي تمارس من خلاله صلاحياتها في إصدار القرار، ليضحى ممكناً تتبّع مسار المسؤولية والمراجعة.
إن مسألة تشكيل اللجان ذات الأغراض المحدّدة ينبغي أن تتم عبر الأجهزة التنفيذية المختصة، وأن تضم في عضويتها الوحدات ذات الصلة المباشرة، حتى يتسنى لديوان المراجعة القيام بدوره في تقصّي الحسابات وأوجه الصرف. فإذا ما خولج الأمر، ودخل في التركيبة من لا شأن له بالاختصاص، صار المراجعة مستعصية والفساد مرجوّاً. وصدق من قال: "اللي ما يعرف الصقر بشويه".
لجنة تهيئة المناخ لعودة المواطنين إلى الخرطوم، وإن كانت خطوة مشكورة تستحق التقدير، إلّا أنّها مع غياب الشفافية وتداخل الآليات تصبح مراجعة حساباتها، بل الطعن في قراراتها، ضرباً من المستحيل؛ فهي لجنة صدر قرار تشكيلها من سلطة أعلى من مجلس الوزراء. والمنطق السليم يقضي، طالما يرأسها عضو مجلس سيادي، أن يكون المقرّر هو رئيس الوزراء، وتضم في عضويتها الوزارات المعنية، فتجتمع الكفاءة وتنتظم المساءلة.
أمّا ما يجري اليوم من عمليات الصيانة، وأخصّ بالذكر ما أُعلن عن عطاء صيانة كبري حلفايا بمبلغ أحد عشر مليون دولار من دون فتح العطاءات أو الإعلان عنها، فإنّه ليُحزن أن يُدار المال العام بهذا الغموض. فمثل هذه الملفات تحتاج إلى أقصى درجات الشفافية والمحاسبة، وإلّا فإنّ إعادة العمار التي نتطلع إليها ستظل حلماً بعيد المنال. فكما يقول المثل: "السر في الميزان مش في كتر اللحم".
ولا يخفى على ذي بصيرة أن تداخل مستويات الحكم، وتجاوز الأطر الدستورية، يفضي إلى إضعاف المؤسسات وخلل هيكل السلطة، ويولّد أزمات متفاقمة ويُحفّز الفساد، إذ تغيب الرقابة ويصعب التمييز بين الصلاحيات. لقد شهدنا تدخلات متكرّرة من المجلس السيادي في الشأن التنفيذي، وهو ما يستوجب العودة الصارمة إلى نصوص الوثيقة الدستورية، واحترام توزيع الأدوار الذي حدّدته.
وفي غياب البرلمان، الذي يقع على عاتقه سنّ القوانين ومحاسبة الأجهزة التنفيذية وتقويم اعوجاجها، تبقى الأولوية الكبرى هي الإسراع في تكوين برلمان انتقالي تكتمل به أركان الدولة. فهو السبيل الوحيد لوضع أساس متين للمؤسسات، وتهيئة المشهد الوطني لما بعد الحرب، والاضطلاع بمهام التشريع وتمثيل نبض الشعب. فـ "ما بِنِي على غير أساس.. هوّار".
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة