في زمنٍ يتفطر فيه القلب على أرض تمتص الرصاص بدل المطر، وتحت سماء تئن من أزيز الطائرات لا تغريد العصافير، وصل صوتٌ كالصاعقة إلى عضو المجلس السيادي إبراهيم جابر: تقارير مؤلمة تحدثت عن أيادٍ تمتد لعقود إيجار بالدولار، في وقت يتضوّر فيه الجرحى علاجاً، وينتظر الشهداء كفناً، ويبيت النازحون تحت ظل الفضاء بعد أن سرقت الحرب منهم سقوف البيوت.
سأل جابر رئيس الوزراء بلهفة المُستَفهم: «أأنت من أجّر؟». قال: «لا». كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تحيل الملف إلى التحقيق، لأن الوطن اليوم – كما قال – يحتاج كل دولار، وكل قرش، بل كل مليم يابس.
المؤسف حقاً أن الخطاب صدر عن مجلس الوزراء نفسه، عن شخصٍ كبير، ووزيرٍ يُمثل أرفع سلطة تنفيذية. وهنا يصدق المثل السوداني: «العيب منك لو كان فِيك، والا العيب مني لو كان فيَّ». لكن العيب هنا بيّن، والخطأ مكشوف، والضمير الوطني يُستفز.
في وقت يقتات فيه السودانيون على فتات الأمل، ويعبرون الحدود حفاة، وتكتظ معسكرات الإيواء بالأطفال الثكالى والأرامل المكلومات، يقبع من يرفلون في عقود رفاهية كأنهم في برج عاجي لا تصل إليه أصوات المدافع ولا أنين الجرحى. أليس في هذا ما يستدعي قول المأثور: «إذا أكل الفاسد من مال العامة، أكل العام من لحم الفاسد غداً»؟
على الحكومة اليوم أن تمسك بزمام المسؤولية بيد من حديد، أن تُرَشِّد كل قرش، وتُحصي كل عقد، وتُوقف أي صرف لا يخدم المجهود الحربي، ولا يعين القوات المسلحة والمشتركة والقوات الساند لها، ولا يرعى أسر الشهداء الذين ضحوا بدمائهم رياءً لهذا التراب.
لا يجوز أن تمر هذه الحادثة كغيرها من «أخطاء الإدارة». إنه ليس خطأ، بل تجاوز للثقة، وخيانة للأمانة. ومن حق الشعب أن يعرف: أي وزارة ارتكبت هذا الإثم؟ من وقّع العقود؟ مَن أجّر العقارات بالدولار؟ ليُنشر التقرير للرأي العام، فتكون الفضيحة رادعة، وتكون العبرة صارخة، وتكون الإقالة درساً لكل من تسوّل له نفسه التلاعب بمال الشعب.
هنا يصدق المثل السوداني: «النار ما بتنسى حريقها»، ولن ينسى السودانيون من خانهم في زمن المحنة.
بل إن المطلوب أكثر من ذلك: أن تعيد الدولة النظر في كل مظاهر الترف الرسمي. يكفي أن نرى أسطول السيارات الفارهة، سيارات الدفع الرباعي، وهي تجوب شوارع الخرطوم بورتسودان العاصمة الإدارية في مهماتٍ لو جرت على ظهور الحمير لتمّت. فليكن الشعار اليوم: كورولا لكل وزير، والدفع الرباعي للمهام الميدانية القصوى فقط. فكل مليم يُقتصد اليوم هو قوت غد، وعونٌ لإعادة الإعمار، ودعم لخدمات الكهرباء والتعليم والصحة وإصحاح البيئة، التي انهارت كما انهارت البيوت.
ما أحوجنا اليوم إلى حكومة تأكل مما يأكل منه المواطن، وترتدي مما يرتدي، وتسكن مما يسكن. حكومة تخاف الله في الفقير قبل الغني، وفي الشهيد قبل الحي. حكومة تقول بضمير حي: إن كان لابد أن يُرفع سقف إيجار فليكن لسقف مستشفى، أو فصل دراسي، أو دارٍ تؤوي نازحاً.
ختاماً، قالوا في المأثور: «الدنيا دولاب»، وسيدور هذا الدولاب، وسيسأل كل منا عن مليم واحد صرفه أو وفّره. وفي ساحة المحاسبة العادلة، سيكون الفقراء هم الشهود. فلنعمل جميعاً كي لا نكون في زمرة الظالمين.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة