((مقاربة في ضوء الحرب الأهلية الأمريكية و"جمهورية المعاناة
خامسًا: قوات الدعم السريع — بين الجريمة والبنية التاريخية لا يجوز مقاربة قوات الدعم السريع اختزالًا في إدانةٍ أخلاقيةٍ مجرّدة، كما لا يجوز—في المقابل—تسويغ الجرائم التي ارتُكبت باسمها ومن منسوبيها بحجج سياسية أو ظرفية، خاصة في سياقٍ يتّسم اليوم باستقطابٍ إثنيّ حادّ، غذّته دعاية الفلول وخطابات التعبئة والكراهية من جهة، وبصدمة التجربة المباشرة للحرب من جهة أخرى. فانتقال العنف إلى مناطق كان يُظنّ أنها بمنأى عنه، ولأول مرة في تاريخ الصراع الحديث، جعل الحرب تمسّ الجميع على نحوٍ شخصي ومباشر، وتكسر وهم "المسافة الآمنة" بين المركز والهامش. وفي هذا السياق المشحون بالخوف والغضب والذاكرة الجريحة، تصبح المقاربة الأخلاقية الانفعالية، سواء في اتجاه الإدانة المطلقة أو التبرير الانتقائي، عائقًا أمام الفهم السياسي الرصين وبناء عدالة مسؤولة. فالمقاربة التحليلية الموضوعية تفرض معيارًا مزدوجًا لا مهرب منه: مساءلة جنائية صارمة عن الأفعال الإجرامية، وتحليلًا بنيويًا عميقًا للشروط التاريخية والسياسية التي أنتجت هذه القوة داخل الدولة السودانية. والسؤال الجوهري الذي تطرحه المقاربة التاريخية–الفلسفية، كما تُعلّمنا درو غيلبين فوست في جمهورية المعاناة، لا يتوقف عند: من ارتكب الجريمة؟ بل يتقدّم إلى سؤال أشدّ إزعاجًا وضرورة: أيّ دولة تجعل الجريمة أداةً من أدوات الحكم؟ بهذا المعنى، لا تظهر قوات الدعم السريع بوصفها "ميليشيا منفلتة" فحسب، بل بوصفها تجسيدًا مكثّفًا لمنطق دولة فشلت تاريخيًا في أن تكون دولة قانون ومواطنة، فتحوّلت إلى نظامٍ مؤسّس لتفويض العنف. دولة تستدعي السلاح من الهامش، وتعيد توظيفه لحماية المركز، وتمنحه الشرعية حين يخدم توازنات السلطة، ثم تفقد السيطرة عليه عندما تتغيّر الشروط. هذا التشخيص لا ينطوي على أي تبرير أخلاقي، بل يُحدّد المسؤوليات بدقّة: الأفراد يُحاسَبون، والبنية تُفكَّك—بنية الدولة نفسها. هنا تكتسب المقارنة بالحرب الأهلية الأمريكية أهميتها، لا بوصفها تشابهًا سطحيًا، بل باعتبارها درسًا تاريخيًا كاشفًا. فالعبودية في الولايات المتحدة لم تكن "سلوكًا منحرفًا" يمكن إدانته ثم تجاوزه، بل نظامًا اقتصاديًا–قانونيًا–ثقافيًا متكاملًا: طبقة مصالح، وسرديات تبرير أخلاقي، وآليات ضبط اجتماعي. أسقطت الحرب الشكل السياسي لاتحادٍ كان يسمح بالعبودية، لكنها لم تُسقط تلقائيًا البنية التي غذّتها؛ لذلك ظهرت بعد الهزيمة تنظيمات الإرهاب الأبيض والميليشيات الجنوبية، وفي مقدمتها جماعات مثل Ku Klux Klan بوصفها أدوات لإعادة إنتاج الهرم القديم بالقوة حين فشل في العودة عبر الدستور. أي أن الهيمنة، حين تُهزم سياسيًا، قد تُهاجر إلى الشارع والسلاح والعصبيات. غير أن التجربة الأمريكية تكشف في الوقت ذاته مفارقة حاسمة: تحت ضغط الهزيمة التاريخية، اضطرّ بعض أبناء الجنوب—بمن فيهم من ارتبطوا بالنظام القديم—إلى القبول بتعديلات دستورية أعادت تعريف الدولة والمواطنة. لم يكن ذلك طهرًا أخلاقيًا، بل إعادة تموضع قسرية داخل نظام جديد. وفي المقابل، ظل قطاع واسع يناور ويقاوم ويتحايل، ما يؤكد درسًا بالغ القسوة: الهزيمة العسكرية لا تُنتج شرعية جديدة تلقائيًا، بل تفتح صراعًا طويلًا على معنى الدولة وحدود المواطنة. وعند إسقاط هذا الدرس على السودان، يتبدّد وهم الثنائية المريحة: "الدعم السريع شرٌّ مطلق" في مقابل "الدولة القديمة بريئة أو قابلة للإصلاح". فالواقع يقول إن الدولة السودانية نفسها ومؤسساتها—تاريخيًا—أدارت العنف بوصفه سياسة حكم: عبر حروب الأطراف، والتسليح الأهلي، وتفويض المليشيات، ثم شرعنة بعضها بالقانون والرتب والمخصصات. في هذا السياق، لا يكون الدعم السريع - قبل تأسيس- حادثة طارئة أو انحرافًا معزولًا، بل نتاجًا مباشرًا لمسار طويل من تسييس السلاح وإدارة العنف بالوكالة. ومن ثمّ، فإن مساءلة الدعم السريع عن جرائم أفراده ليست انتقائية ولا استثناءً، بل واجب قانوني وأخلاقي مطلق. فمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية يسري عليه—كما على أي قوة مسلحة واولها الجيش السوداني—دون حصانات أو استثناءات، وفق القوانين العسكرية والقانون الجنائي. هذا المبدأ غير قابل للمساومة، وهو شرطٌ لازم لردّ الاعتبار للضحايا، وكسر ثقافة الإفلات من العقاب. لكن هذا المستوى—على أهميته—غير كافٍ. إذ توازيه مسؤولية الدولة عن جريمةٍ أعمق وأسبق: جريمة إنشاء المليشيات، وتفويض العنف، وتقنينه. فالدولة تُحاسَب سياسيًا وتاريخيًا لأنها صمّمت سيادةً مركزية احتكارية، وحوّلت الاقتصاد إلى اقتصاد حرب ونهب، وجرّدت المواطنة إلى مراتب غير معلنة. إن محاسبة الأفراد دون مساءلة الدولة التي صنعت شروط الجريمة لا تُنهي العنف، بل تُعيد إنتاجه بأشكال وأسماء جديدة. لهذا، تفرض العدالة التاريخية—كما تتبنّاها قوى تحالف "تأسيس"—تمييزًا صارمًا بين مستويين متلازمين لا يجوز الخلط بينهما: ١/ المساءلة الجنائية الفردية: تُنسب الجرائم إلى فاعليها، وتُوثّق، وتُلاحق، وتُعاقَب بلا تبرير ولا مساومات. ٢/ المعالجة التاريخية البنيوية لا تنطلق من سؤال "المليشيا" بوصفها ظاهرة معزولة، ولا من منطق الاصطفافات والانحيازات الآنية، بل من سؤال الدولة نفسها: كيف تشكّلت "دولة الغلبة" تاريخيًا؟ وكيف بُنيت على احتكار السلطة والثروة والعنف في المركز، وعلى تهميش الأطراف وتجريدها من الحقوق والفرص؟ وكيف جرى تحويل الهامش، عبر سياسات الإقصاء والحروب والتنمية غير المتوازنة، إلى خزّانٍ دائم للدم والسلاح، ثم جرى لاحقًا تحميله المسؤولية الأخلاقية عن العنف الذي صُنع في شروطه؟ بهذا المعنى، لا تبحث هذه المقاربة عن شماعة تُعلّق عليها الجريمة، بل تفكّك المنظومة التي أنتجتها، وتُعيد توجيه السؤال من إدانة الضحية إلى مساءلة البنية التي صنعت الجريمة ووفّرت لها أسباب الاستمرار. في اللحظة السودانية الراهنة، تتضاعف خطورة تجاهل هذا التفريق. فإقصاء الدعم السريع أخلاقيًا، من دون تفكيك الدولة التي أنجبته، قد يمنح النخب راحة خطابية مؤقتة، لكنه عمليًا يُبقي المصنع قائمًا: مصنع العنف القادر على إنتاج نسخ جديدة بأسماء وأزياء وخطابات مختلفة. وهنا تتقاطع هذه القراءة مع روح "جمهورية المعاناة": الموت وحده لا يُنتج معنى. المعاناة لا تتحول إلى تاريخ إلا حين تُربط بمشروع تأسيسي يعيد تعريف الدولة والإنسان معًا. فالخصم الحقيقي ليس ميليشيا بعينها، بل منطق الدولة الذي يجعل الميليشيا ممكنة ومجدية سياسيًا. والفاعلون الموضوعون أسفل الهرم ليسوا خارج التاريخ: بعضهم يُستَخدم لإدامة الهيمنة، وبعضهم يشارك في تفكيكها، وبعضهم ينفلت حين تغيب دولة عادلة تُعيد الإدماج بعقد مواطنة متساوية. في هذا السياق، تكتسب نصوص ميثاق ودستور "تأسيس" أهمية تأسيسية مضاعفة، لا من حيث مضمونها المعياري فحسب، بل من حيث دلالتها السياسية العملية. فتنصيصها الصريح على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وربطها المساءلة بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة التاريخية والمواطنة المتساوية، يضع جميع الأطراف—من دون استثناء—أمام اختبار تاريخي واحد. ويأتي انضمام قوات الدعم السريع إلى تحالف "تأسيس" وتوقيعها على ميثاقه بوصفه نقلة نوعية جادة في بنيتها السياسية وخطابها المعلن، إذ ينقلها—نظريًا—من موقع القوة الخارجة عن المشروع الوطني إلى موقع الطرف الملتزم بإطار تأسيسي جامع. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تُقاس بمجرد التوقيع، بل بمدى الالتزام العملي بما تم التعهّد به، على قدم المساواة مع بقية القوى. فالمعيار هنا واحد: لا عدالة بلا محاسبة، ولا محاسبة مكتملة من دون تفكيك البنية التي أنتجت العنف، وتحويل الالتزامات الدستورية إلى ممارسة سياسية وقانونية ملموسة.
الخلاصة التأسيسية – مقاربة قانونية مقارنة تتجاوز وهم "التدخل" إلى درس التعلّم التاريخي (الحرب الأهلية الأمريكية نموذجًا) تكشف القراءة المتأنية للحظة السودانية الراهنة اختلالًا بنيويًا في مقاربة الحرب: انزلاقًا واسعًا نحو الانفعال، واستدعاءً لخطابات الثأر والعنصرية، وخلطًا بين الألم الشخصي والتحليل السياسي. هذا التفاعل—على مشروعيته الإنسانية—لا يصلح أساسًا لتأسيس موقف وطني أو لبناء عدالة مستدامة. فالحرب في السودان ليست قطيعة مفاجئة، بل امتدادٌ تاريخي لعنفٍ مُؤسّس لم يتوقف منذ الاستقلال؛ وما أصاب مدن المركز مؤخرًا هو الوجه ذاته لما عاشه الهامش لعقود. إدراك هذه الاستمرارية شرطٌ أوليّ للانتقال من إدارة الصدمة إلى بناء المعنى. من هنا، لا يكون الرهان المسؤول على التدخل الخارجي بوصفه حلًّا جاهزًا، بل على التعلّم العميق من التجارب التاريخية المقارنة التي تُظهر كيف يمكن للحروب الأهلية—إذا أُحسن التعامل معها—أن تتحوّل من مآسٍ متكررة إلى لحظات تأسيس. والتجربة الأمريكية لا تُستدعى بوصفها نموذجًا يُستنسخ، ولا دعوةً لتدويل الحل، بل مختبرًا تاريخيًا يعلّم ما لا يمكن للتدخل المباشر أن يعلّمه: كيف تُبنى العدالة من الداخل، وكيف يُعاد تعريف الدولة بعد أن تنكشف حدودها الأخلاقية والقانونية. تُظهر الحرب الأهلية الأمريكية أن العدالة المستدامة لا تولد من الإدانة الأخلاقية المجردة، ولا من تسويات سياسية تتجاوز القانون بحجة "الاستقرار"، بل من معمار قانوني مزدوج يجمع بين المساءلة الجنائية الفردية والمسؤولية البنيوية للدولة. فإلغاء العبودية، رغم كونه قطيعة تاريخية، لم يكن كافيًا بذاته؛ إذ ظلّت العدالة ناقصة ما لم تُقرَن بملاحقة الجرائم الفردية، وبإعادة تعريف الدولة والمواطنة عبر التعديلات الدستورية التي حمّلت الدولة مسؤولية حماية الحقوق لا مجرد إعلانها. القانون—لا التدخل—هو الذي حوّل المعاناة إلى أفق صراع طويل من أجل المواطنة المتساوية. وعليه، تفرض المقاربة القانونية المقارنة منطقًا واضحًا في الحالة السودانية: تُواجَه قوات الدعم السريع قانونيًا بوصفها جريمة وبنية في آنٍ واحد—جريمة من حيث أفعال أفرادها تُلاحَق بلا حصانات، وبنيةً من حيث كونها نتاج دولة أنشأت شروط العنف وشرعنته، ما يستوجب مساءلة الدولة وأجهزتها عن فعل الإنشاء والتفويض والتقنين، لا الاكتفاء بمحاكمة المنفّذين. هذا المنطق لا يستبدل العدالة بالسياسة، ولا السياسة بالأخلاق، بل يربط المحاسبة بإعادة التأسيس: محاسبة الأفراد تمنع الإفلات من العقاب وتردّ الاعتبار للضحايا، ومساءلة الدولة تفكّك شروط تكرار العنف وتمنع عودته بأسماء وأزياء جديدة. ومن دون هذا الربط، تظل العدالة مبتورة، وتبقى الدولة القديمة قادرة على الارتداد تحت أقنعة مختلفة. الخلاصة القانونية المقارنة أن التعلّم من التاريخ—لا الارتهان للتدخل—هو الطريق الأجدى للسودان. فالعدالة بعد الحرب ليست استيراد حلول، بل بناء داخلي صارم: إمّا أن تُؤسَّس على مبدأ عدم الإفلات من العقاب ومسؤولية الدولة، فتفتح أفقًا لدولة المواطنة المتساوية، أو تُختزل في إدانة انتقائية وتسويات فوقية، فتُعاد صناعة العنف وتُدوَّر المعاناة بلا معنى.
خاتمة: من الهامش المُسلَّح إلى الكتلة التاريخية—لماذا يُمثّل السودان الجديد أفق الخلاص إن قراءة تاريخ قوات الدعم السريع، وطبيعة تكوينها الاجتماعي، ومسارات صعودها داخل بنية الدولة السودانية، تكشف حقيقة مركزية طالما جرى طمسها: هذه القوة لم تنشأ من قلب الامتياز، ولا من طبقات الدولة المهيمنة، بل خرجت—في بنيتها الاجتماعية—من مجتمعات الهامش التي عاشت طويلًا تحت التهميش الاقتصادي، والإقصاء السياسي، والإفقار المنهجي، وغياب التنمية والتعليم والخدمات. لقد وُلدت في فضاءات لم تعرف الدولة إلا بوصفها أداة قمع وتجنيد وحرب، لا بوصفها إطار حقوق ومواطنة. في هذا السياق، لم يكن انخراط أبناء هذه المجتمعات في المليشيات تعبيرًا عن خيار حرّ، بل نتاجًا لبنية قهرية: دولة أغلقت أبواب المواطنة، ثم فتحت أبواب السلاح؛ صادرت الحق في الحياة الكريمة، ثم أغرت بالامتياز المؤقت؛ جرّدت الهامش من التنمية، ثم استخدمته وقودًا لحروب المركز. وهكذا تحوّل التهميش البنيوي إلى مورد عسكري، وتحولت الهشاشة الاجتماعية إلى أداة حكم. غير أن هذا التفسير البنيوي لا يلغي المسؤولية الجنائية، ولا يبرّر الجرائم، بل يضعها في سياقها التاريخي الصحيح: سياق دولة صنعت الهشاشة، واستثمرت فيها، ثم فقدت السيطرة عليها. ومن هنا، فإن الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر الإدانة المجردة، ولا عبر إعادة إدماج الهامش في المنظومة ذاتها التي همّشته، بل عبر القطيعة مع نموذج الدولة الذي حوّل الفقر والإقصاء إلى سياسة. في هذا الأفق، يكتسب مشروع السودان الجديد معناه العميق بوصفه مشروعًا لتفكيك التهميش البنيوي لا لإدارته. فهو يقوم على ركائز واضحة: المواطنة المتساوية، والعلمانية بوصفها ضمانة لحياد الدولة، والديمقراطية التعددية، واللامركزية الحقيقية في السلطة والثروة، وبناء جيش وطني جديد مهني وغير مسيّس، والاعتراف بحق تقرير المصير كآلية أخلاقية وقانونية لإنهاء القهر القومي والثقافي. هذه المبادئ لا تمثّل برنامجًا سياسيًا مجردًا، بل تعبّر عن المصلحة التاريخية الموضوعية لمجتمعات الهامش، ولعناصر الدعم السريع، ولكل القوى التي دُفعت طويلًا إلى هامش الدولة القديمة. فهي وحدها التي تنهي منطق "المرتبة"، وتسقط الامتيازات الدينية والثقافية، وتنقل القرار والموارد إلى الأقاليم، وتُنهي تحويل أبناء الهامش إلى وقود لحروب النخب. وهنا يكتسب تحليل أنطونيو غرامشي حول "الكتلة التاريخية" أهميته الحاسمة في فهم لحظة "تأسيس". فغرامشي لا ينظر إلى التغيير بوصفه مجرد تحالف سياسي عابر، بل بوصفه بناءً طويل الأمد لتحالف اجتماعي–ثقافي–سياسي جديد، يوحِّد قوى متفرقة حول مشروع هيمنة أخلاقية وفكرية بديلة للنظام القديم. أي أن الثورة لا تنتصر بالسلاح وحده، بل بتشكيل وعي جديد، ومصالح مشتركة، وخطاب جامع، ومؤسسات بديلة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم تحالف "تأسيس" بوصفه محاولة لبناء كتلة تاريخية سودانية جديدة، تضم قوى الهامش، والحركات المسلحة، والقطاعات المدنية الديمقراطية، والمنتجين، والمثقفين العضويين، والمتضررين من دولة الغلبة. وهي كتلة لا تقوم على المحاصصة، بل على مشروع تأسيسي يعيد تعريف الدولة والسلطة والشرعية. في هذا الإطار، فإن انتماء قوات الدعم السريع—سياسيًا—إلى مشروع السودان الجديد لا يُفهم كمناورة تكتيكية، بل كإعادة تموضع داخل كتلة تاريخية بديلة: انتقال من موقع الأداة في دولة الهيمنة إلى موقع الفاعل في مشروع تحرّر وطني شامل؛ من اقتصاد الحرب إلى أفق الدولة؛ ومن منطق المليشيا إلى منطق المواطنة. وينطبق الأمر ذاته على سائر قوى الهامش. فمصالحها الحقيقية لا تتحقق في تحالفات مؤقتة مع المركز، ولا في إعادة تدوير أنظمة الامتياز، بل في الاندماج الواعي داخل كتلة تاريخية قادرة على تفكيك الدولة القديمة وبناء بديلها. كتلة لا تمنح امتيازات ظرفية، بل تؤسّس حقوقًا دائمة. إن الرهان على السودان الجديد، في ضوء غرامشي، هو رهان على الانتقال من "حرب المواقع" داخل منظومة فاسدة إلى "حرب المواقع" لبناء هيمنة ديمقراطية جديدة: هيمنة تقوم على العدالة، والمعرفة، والشرعية الشعبية، لا على السلاح والزبائنية. وعليه، فإن التقاء العدالة التاريخية مع نظرية الكتلة التاريخية يوضح أن تفكيك الدولة القديمة وبناء دولة المواطنة والعلمانية والديمقراطية واللامركزية والجيش الوطني الجديد ليس مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل شرطًا استراتيجيًا لبناء توازن اجتماعي–سياسي مستقر. فالخيار المطروح أمام الهامش، بما فيه الدعم السريع، ليس بين الحرب والسلام فقط، بل بين موقعين تاريخيين: إمّا البقاء في هامش مُسلَّح داخل دولة غلبة، أو التحوّل إلى ركيزة مركزية في كتلة تاريخية تُعيد تأسيس الوطن. وهنا تكمن الخلاصة النهائية: السودان الجديد ليس مشروع نخبة، بل مشروع إعادة تركيب المجتمع والدولة معًا. ومن دون انخراط واعٍ لقوى الهامش في هذه الكتلة التاريخية، ستظل الدولة القديمة قادرة على إعادة إنتاج نفسها. أما بانخراطهم فيها، فإن الهامش يتحوّل من موضوعٍ للاستغلال إلى ذاتٍ فاعلة في صناعة المستقبل—ويصبح الوطن، لأول مرة، ملكًا لجميع أبنائه. النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة