النتّيقة! كلفة استمرار الحرب تفوق أي مكاسب متوهمة! د. أنور شمبال* يوجد في فيافي بلادنا العزيزة أنواعٌ عدة من الفئران، من بينها فأر الجربوع. وهو فأر صغير الحجم، خفيف وسريع الحركة، يقفز قفزاً؛ ساقا رجليه الخلفيتان طويلتان، كما له ذنب طويل ذو صوف كثيف عند نهايته، أشبه بذنب الثعلب، يستخدمه للتمويه وتضليل من يريد البطش به أو اللحاق به، وهو يسابق الريح. ومن صفاته أنّه لا يأمن صروف الحياة، لذلك تجده في انتباه وحذر دائمين، حتى وهو داخل جحره؛ إذ يجعل للجحر أكثر من مخرج سري، أو باب طوارئ غير المدخل الرئيسي. فبعد بلوغ الجحر عمقه وتنظيم غرفه، يعود من الجهة الأخرى ليقترب من سطح الأرض من غير أن يُحدث أثراً على سطحها. وعندما يتعرض لأي مخاطر من جانب المدخل الرئيسي، ينتق من باب الطوارئ الذي أعدّه لنفسه، ويهرب من مفترسه أو صائده. "النتق": يُعرف باب طوارئ الجربوع هذا في التراث السوداني بـ"النتيقة"؛ لاعتبار أنه ينتق منها نتقاً، ويولي هارباً. ولذلك تجد الأطفال يحاولون كشف حيلته عندما يعثرون على جحر له، فيكون لهم مشغلة، ويبتهجون ويتسامرون بتصرفاته، ويسمونه فأر "أب نتيقة". فسبحان الله، "النتق" كلمة عربية فصيحة، وردت في معجم المعاني بمعنى انتفض، والزعزعة، والرفع، والجذب بشدة؛ يقال: نتق الشيء ينتقه وينتقه، أي جذبه واقتلعه. وكل شيء قلعته من موضعه فرميت به. ويقال للمرأة ناتِقٌ لأنها ترمي بالأولاد رمياً. وفي الحديث الشريف: (عليكم بالأَبكار من النساء فإنهن أَطيب أَفواهاً وأَنْتَقُ أَرْحاماً وأَرْضى باليسير). نَتَقْنَا الْجَبَلَ: قال تبارك وتعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴿170﴾. جاء في التفسير الميسر لهذه الآية: أنّ الجبل (جبل الطور) نتق، أي قُلع وارتفع، وصار فوق بني إسرائيل كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ (سحابة)، وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، وقيل لهم: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ، أي بجدٍّ واجتهاد، وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ دراسةً ومباحثةً، واتصافاً بالعمل به، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إذا فعلتم ذلك. والقرآن يفسر بعضه بعضاً، ويقرب المعاني والدلالات؛ إذ وردت ذات القصة في أكثر من موضع، وفي سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿93﴾. حيث استخدم لفظ الرفع، بدلاً عن النتق. وكان سبب نتق أو رفع جبل الطور هو عناد بني إسرائيل، ونقضهم للعهود والمواثيق، وقولهم لنبيهم: سمعنا وعصينا. وهو تصوير دقيق لموقف عصيب لأمة، وأظنه موقف أشبه بواقع السودان، مع فارق الوجهة والفكرة. استخدام النتيقة: لم يتبقَّ لمن يمثلون أنّهم قادة لهذه البلاد، بعنادهم وعدم استجابتهم لنداء وقف الحرب وإحلال السلام، إلا استخدام "النتّيقة" ـ إن كانت لهم "نتيقات" ـ لينتقوا منها نتقاً، ويهربوا إلى مصيرٍ مجهول، (القفز من المركب). بعد أن حاصروهم، ليس من أطفال يلعبون، بل من مخابرات دول عظمى، ودول جوار السوء، و"مبادرات مصالح". فهم فقط في انتظار سماع صيحة صاح: يا (...) النتّيقة!. وبذلك توقع البلاد والعباد في مصيدة تلك الأجهزة المخابراتية غنيمة سهلة الهضم. وهناك نماذج كثيرة في التاريخ السياسي الحديث شاهدة على ذلك. ونسأل الله تعالى ألّا ينتق علينا جبلاً، كما انتقه فوق قوم موسى عليه السلام، أو كسفاً من السماء، عافى الله بلادنا من كل سوء. مكاسب متوهمة: أما المخرج الآخر، وهو المخرج الأخلاقي والأصعب لهم والأسلم للبلاد، ويتطلب جرأةً وعزيمة رجال (رجالٌ رجال)، وإرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف كافة. ويتمثل في العودة إلى المبادرات الوطنية الخالصة، ومعالجة الأمر من داخل البيت السوداني، وإبعاد كل ما هو أجنبي، بعد الاعتراف بالأخطاء، وتسليم الأمر للشعب، وإعادة مركزية المدنيين في عملية السلام، والعمل السياسي. وهي الدعوة التي ناديت بها مع بدايات اشتعال نار الحرب في 2023م؛ ولم أزل على رأي وأبشر به؛ لأن هذه الحرب لا يمكن أن تُحسم بالضربة القاضية ما دام هناك تسلل ودعم دولي فيها. فالتجارب القريبة والبعيدة تثبت أن الحروب الداخلية لا تتوقف بالضغط الخارجي، ما لم يقترن ذلك بقناعة داخلية، وأن كلفة الاستمرار تفوق أي مكاسب متوهمة. سلطة للساق: فقد نفدت كل تبريرات وحيل الخائنين خيانة عظمى لبلادهم، من استخدام العنف، والعناد، ونقض العهود والمواثيق، ومكر السوء الذي يحيق بأهله، للوصول إلى مبتغاهم، ثروات البلاد والتحكم في رقاب الشعب السوداني، والوصول إلى السلطة بأي ثمن؛ عملاً بقاعدة المثل الدارفوري (سلطة للساق، ولا مالاً للخناق). الشراك محكم: لا جرم أنّ شِراك مخابرات الدول العظمى قد أحكمت حلقاتها، مع توسيع دوائرها لا تضييقها، بالمبادرات الإقليمية، وأنشطة الدبلوماسيين، والوعود الدولية الكاذبة، والتي لا يمكن الفكاك منها هذه المرة بحيل قديمة مجرّبة، أو بتبديل الجلود كما تفعل الحرباء والثعابين والحيّات. فالمعالجة البائنة في الأفق، والأفضل، والأخلاقية هي التوافق الداخلي وعلى المستوى القاعدي. مع وضع الاعتبار للتغيرات الديمغرافية التي جدثت وتحدث. وحواء السودان ولود، نتوق. أو اجبار أولئك ويضطرون استخدام "النتيقة" ذات الكلفة العالية على البلاد والعباد. توسيط الخطاب: لقد بلغت الحرب دائرتها الرابعة من دوائر التآكل والتدمير، وهي دائرة الاحتراق الذاتي، التي يتأثر بها الساسة ومشعلو الحرب أنفسهم بصورة مباشرة. وإن بدأت هذه الدائرة بشكل شبه هادئ وبطيء، إلا أنها ستكون من أبشع موجات هذه الحرب، إن لم يُتدارك الأمر، وتُستخدم فيها خيارات الرجال ذوي العزيمة، مع تحييد أو توسيط الخطاب الإعلامي، ومعالجة جذور الأزمة، والقبول بتفاهمات سودانية خالصة، من غير أي وسيط خارجي، أيّاً كان نوعه. ترميم الهوية: إذن، باتت الحاجة ملحّة لخطاب إعلامي موضوعي لترميم الهوية، وردم الهوة الفكرية والثقافية، وتحشيد للمصالحة، وتعزيز السلام والاستقرار المجتمعي. ولا يكون ذلك إلّا بقبول الآخر، ودمج الثقافة والتراث ضمن استراتيجيات التحول القادم، وتفعيل قاعدة الحديث الشريف: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"، والمسلمون عند شروطهم، فصنائع المعروف تقي مصارع السوء. وهو شرطٌ لضمان نجاح العملية وبناء مستقبل أكثر إشراقاً للمجتمع السوداني. جبر الضرر: كما أن العدالة الانتقالية وجبر الضرر من أساسيات المعالجة المنشودة؛ لأن تجاوز الانتهاكات الجسيمة من غير محاسبة يُبقي ذاكرة الجراح مفتوحة. لذلك يقول تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿179﴾، أي إن في تشريع القصاص وتنفيذه يهيء حياةً آمنة للناس. ولذلك فالعدالة ليست نقيض السلام، بل شرطه الأخلاقي والسياسي. anwarshambal@hotmail.com * صحفي وأستاذ الصحافة بكلية الآداب/ جامعة الفاشر
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة