وسط الدخان وأنقاض المؤسسات المحترقة ، تنشط فئة منتفعة من الكيزان ، إذ جعلوا من الحرب موسم ذهبي للربح السريع والنهب المنظم . هؤلاء هم أثرياء الحرب ، تلك الفئة حولت رمال الخراب إلى ذهبٍ مصفى تحت وطأة الفساد والصمت المؤسسي وانهيار الرقابة .
يُشير مفهوم ( أثرياء الحرب ) إلى تلك الشبكات من رجال الأعمال والسياسيين والمقاولين الذين يستغلون الفراغ المؤسسي لتحويل عقود الإغاثة وإعادة الإعمار إلى مغانم شخصية . هؤلاء يبنون إمبراطورياتهم المالية على أنقاض الدولة المنهارة . والأخطر من الثراء الحرام ذاته هو ما يخلفه من أثر أخلاقي عميق على المواطن الذي أدرك أن استعادة حياته تبدأ بسرقة ، فتتهاوى معه الثقة بكامل المنظومة التي تحكم .
في الدول المستقرة ، تخضع كل مشروع لعين الفحص للمنافسات المفتوحة والمساءلة والإعلام المستقل ، لكن هذه الحرب التي أشعلها الكيزان تركزت حول نهب المال العام حيث أصبحت أجهزة الرقابة الموالية لهم مشلولة تماما ، فتجاوزوا كل إجراء قانوني فكانت النتيجة تضخيم تكاليف المشاريع إلى أضعاف قيمتها الحقيقية ، وتحويل عقود الصيانة إلى صفقات استثمارية مربحة لأطراف بعينها .
لنتأمل في هذه المقارنة الصارخة التي تكشف حجم الكارثة . في الأوروغواي ، أنفقت الحكومة ما بين عشرة ملايين إلي أحد عشر مليون دولار لبناء جسر ( لا غوا غارزون ) الحديث ، وهو الجسر الدائري الوحيد في أمريكا الجنوبية . هذا المبلغ أنتج بنية هندسية متطورة بتصميم فريد ، واستخدام كميات محددة من الفولاذ والخرسانة والكابلات المخصصة ، وعوائد تنموية وسياحية واضحة للمجتمع المحلي . والأهم من ذلك كله التمويل كان واضحا ، والحسابات منشورة ، والرقابة فعّالة . في المقابل ، نجد أن صيانة جسر ( الحلفاية ) بلغت فاتورة الصيانة المقدمة ( أحد عشر مليون دولار ) ، هذا المبلغ الذي يُفترض أنه لترميم جسر قائم ، يضاهي تكلفة بناء جسر حديث بالكامل . هذه الفجو تفسَّر أن المنظومة الكيزانية برمتها فاسدة تستغل الفوضى التي صنعوها بحرب الإذلال . مما يزيد من ضرر اقتصاد الحرب فوق الخسارة المالية الفورية ، ليمتد إلي جوهر بناء الدولة .
الكفاءات فرت هرباً من الجوع والعنف والتصنيف العنصري والجهوي ، وأصبح القطاع الخاص مرتبطا بعقود المحسوبية بعيدا عن المنافسة النزيهة ، وحين يستسلم المواطن للفساد كحتمية وجودية ، تتآكل الطبقة التي يقوم عليها أي مشروع وطني . وتصبح إعادة الإعمار في ظل هذه المنظومة هي إعادة تدوير للحرامية الذين لفظهم الشعب بثورته العظيمة .
أخطر ما ينتجه اقتصاد الحرب بجانب الخسارة المالية هو تقويض فكرة الدولة ذاتها ، حيث صار المال العام خزينة مفتوحةً أمام شبكات النفعية ، وغياب المساءلة حيث تتشكل في أذهان الناس معادلة خطيرةً مفادها أن الدولة مصدر للسلب والنهب . وهذا الانهيار القيمي هو ما يجعل الخروج من دوامة الحرب أصعب من الدخول فيها . إن مواجهة الكيزان هي معركة وجودية لاستعادة فكرة العدالة والمساءلة ، ولإثبات أن الإنسان يستحق دولةً تحميه وتحرس مقدراته .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة