يبدو أن بيان وزارة الخارجية السعودية الأخير لم يكن نتاج قراءة دقيقة للمشهد السوداني، بل نتيجة رواية مضللة نجح إخوان السودان في تمريرها، مستغلين لحظة ارتباك سياسي إقليمي، ومستخدمين أساليبهم القديمة في صناعة الانطباعات وتوجيه المواقف. وهذا يطرح سؤالاً ضرورياً: كيف يمكن أن تُبنى مواقف تجاه السودان على سردية يقدمها طرف ظلّ تاريخياً في موقع الخصومة مع المملكة، بينما يتم تجاهل طرف آخر كان جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي وساهم في حماية الخليج من أخطر التهديدات؟ فالخطر الحقيقي الذي واجهته المملكة لم يكن يوماً صادراً من قوات الدعم السريع، بل من مشروع إقليمي واسع تمدد عبر أذرع متعددة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ولا سيما الحوثيين الذين شكّلوا التهديد الأكثر مباشرة لأمن المملكة. وفي مواجهة هذا التمدد، كانت قوات الدعم السريع جزءاً من الجهد الإقليمي الذي وقف في وجهه، وقدمت تضحيات في إطار التحالف العربي، ولم تُعرف عنها أي مواقف عدائية تجاه المملكة أو دول الخليج. أما جماعة الإخوان في السودان، فقد كانت تاريخياً الطرف الأكثر عداءً للمملكة. هاجموا رموزها علناً، وناصبوا سياساتها العداء، وظل خطابهم السياسي مشحوناً بالخصومة رغم محاولاتهم اللاحقة الظهور بمظهر الحليف. أرادوا سوداناً يحتكرونه وحدهم، دولة مغلقة على مشروعهم، لا دولة تتسع للجميع. وحين أشعلوا الحرب الأخيرة، لم يكن هدفهم حماية الوطن، بل استعادة السلطة التي فقدوها، ولو على حساب استقرار السودان والمنطقة. وتذكير المملكة هنا ضرورة، فإخوان السودان — في رؤيتهم وممارساتهم وتحالفاتهم — لا يختلفون كثيراً عن أذرع إيران في لبنان والعراق واليمن. جميعهم ينتمون إلى منظومات أيديولوجية مغلقة، تسعى إلى اختطاف الدولة، وتوظيف الدين والسياسة لخدمة مشروع ضيق لا يعترف بالتعدد ولا يقبل الشراكة. وكما شكّلت تلك الأذرع تهديداً مباشراً لأمن الخليج، فإن إخوان السودان كانوا الوجه الآخر للمشروع نفسه داخل الخرطوم، وإن اختلفت الشعارات وتبدلت الواجهات. قوات الدعم السريع، في المقابل، ليست حركة أيديولوجية ولا تنظيماً عقائدياً. ليست لها أجندة فكرية تسعى لفرضها على المجتمع، ولا مشروع سياسي مغلق تريد احتكار الدولة من خلاله. رؤيتها تقوم على بناء وطن يسع الجميع، وطن لا يُدار بعقلية الإقصاء ولا يُختطف باسم الدين أو التاريخ. وهذا الفارق الجوهري يجعل تصوير الدعم السريع كعدو للمملكة قراءة غير منصفة، بينما تجاهل تاريخ الإخوان في العداء للمملكة قراءة غير دقيقة. إن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الانطباعات اللحظية، بل على تراكم التجارب، وعلى معرفة من وقف معك ومن وقف ضدك، ومن قدّم التضحيات ومن أشعل الحرائق. ومن هنا تأتي ضرورة التذكير بأن العدو الحقيقي للمملكة لم يكن يوماً قوات الدعم السريع، بل جماعة الإخوان في السودان، التي لم تتردد في مهاجمة المملكة ورموزها، والتي ظلت تعمل على تقويض مصالحها، بينما كانت قوات الدعم السريع جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي التي استفادت منها المملكة نفسها. وتبرز اليوم أهمية الدور الذي تقوم به المملكة في محيطها الإقليمي، خاصة في ظل التحول الكبير الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، صاحب المشروع التحديثي الواعد الذي يعيد صياغة موقع المملكة في القرن الحادي والعشرين. مشروع يقوم على رؤية واضحة للمستقبل، وعلى بناء دولة حديثة تستند إلى الكفاءة والانفتاح والابتكار، ومن المنتظر أن يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، ولا سيما في السودان الذي يرزح تحت حرب قاسية تحتاج إلى مواقف دقيقة وقراءة واعية للتحالفات. ولعل من أهم ما يجب التذكير به أن قوات الدعم السريع قدّمت تضحيات كبيرة دفاعاً عن المملكة، وشاركت في عمليات التحالف العربي، وسقط لها شهداء وهي تقف في الصفوف الأمامية لحماية أمن الخليج. وهذه حقائق لا ينبغي أن تغيب عن الذاكرة، لأن المستقبل لا يصنعه التردد، بل وضوح البوصلة، وصدق قراءة التاريخ، ودقة إختيار الشركاء. الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والاصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة