سابعًا: الضغط الدولي ولحظة الانكشاف — حين تُجبر السلطة العسكرية على النزول من وهم السيادة إلى وحل الواقع تُظهر تجارب النزاعات المعاصرة أن الواقع الجيوسياسي لا يترك مجالًا طويلًا للأوهام الفردية، ولا يسمح للقيادات العسكرية المعزولة بأن تُدير الحروب وفق منطق الإرادة الشخصية أو النزعة الانتقامية. فالحروب الداخلية، مهما بدت "شأنًا سياديًا"، سرعان ما تتحول إلى ملفات دولية، تُدار عبر شبكات ضغط اقتصادية، ودبلوماسية، وأمنية، تجعل استمرارها مكلفًا إلى حدٍّ لا يُحتمل، وهذا ما نعاصره اليوم. في الحالة السودانية، يتشكّل هذا الضغط أساسًا عبر دور الولايات المتحدة الأمريكية، وشركائها الإقليميين والدوليين، وعبر مؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، إلى جانب شبكات التمويل الدولية، والآليات العقابية، ونظم العزلة الدبلوماسية. وقد تبلور هذا الدور في ما يُعرف بمسار "الرباعية"، الذي لا ينطلق من اعتبارات أخلاقية فقط، بل من حسابات استقرار إقليمي، وأمن الملاحة، والهجرة، والإرهاب، وانعكاسات الحرب على النظام الدولي. في هذا السياق، لا يُطرح وقف الحرب بوصفه "نصيحة سياسية"، بل بوصفه مسارًا شبه مفروض، يتضمن: ١/ ترتيبات أمنية مرحلية. ٢/ مسارًا تفاوضيًا ملزمًا. ٣/ إعادة هندسة للسلطة. ٤/ تقاسمًا واقعيًا للنفوذ. ٥/ إعادة دمج السودان في الاقتصاد الدولي بشروط. وهذه المنظومة لا تترك هامشًا واسعًا للمناورة الخطابية حول "السيادة" أو "القرار الوطني"، لأن أدوات الضغط—العقوبات، تجميد الأصول، حظر السفر، وقف المساعدات، العزلة السياسية—قادرة على خنق أي سلطة لا تستجيب. ١/ منطق الإكراه في إدارة النزاعات تُبيّن دراسات فضّ النزاعات أن كثيرًا من القادة العسكريين في السياقات السلطوية لا يستجيبون للمنطق العقلاني : Coercive Diplomacy أو للحسابات الإنسانية، ما لم يتعرضوا لما يُسمّى بـ"الإكراه المركّب" الجمع بين الضغط الاقتصادي، والعزلة السياسية، والتهديد بفقدان الشرعية الدولية. في هذا النموذج، لا تُبنى التسوية على الاقتناع، بل على كسر كلفة الرفض. فالسلام لا يصبح خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة للبقاء السياسي. وهذا ما ينطبق إلى حدٍّ كبير على نمط قيادي مثل عبد الفتاح البرهان، الذي أظهر في محطات متعددة أن استعداده للمراجعة لا ينبع من قراءة عقلانية للمصلحة العامة، بل من تغيّر ميزان الضغط عليه. . ٢/ وهم السيادة في مواجهة منظومة الهيمنة الدولية يرتكز الخطاب العسكري في السودان على استدعاء مكثف لمفهوم "السيادة الوطنية"، غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع أن الدولة، في وضعها الحالي، تعتمد بنيويًا على: - المساعدات الخارجية. - النظام المالي العالمي. - الاعتراف الدبلوماسي - شبكات التجارة الدولية. - الشرعية القانونية العابرة للحدود. وبالتالي، فإن "السيادة" هنا ليست سلطة مطلقة، بل وضعًا تفاوضيًا هشًا، يمكن تقويضه بسهولة حين تتعارض خيارات القيادة مع مصالح القوى المؤثرة. ومع تصاعد الضغوط، يجد القائد العسكري نفسه، عمليًا، مُجبرًا على النزول من منصة الخطاب السيادي إلى "وحل الواقع:: واقع الاقتصاد المنهار، والعزلة، والانقسام الداخلي، والارتهان للمساعدات المشروطة! ٣/ البرهان بين العناد والارتهان نفسيًا وسياسيًا، يواجه البرهان معضلة كلاسيكية في علم النفس السياسي للسلطة: - بالتسوية يعني اعترافًا ضمنيًا بفشل مشروع "الحسم"، وانكسار صورة "القائد المنتصر" - الاستمرار في الحرب يعني استنزافًا وجوديًا، يُفقده الموارد، والحلفاء، والدعم الدولي، وربما المؤسسة نفسها هذه المعضلة لا تُحلّ عادةً عبر التفكير العقلاني، بل عبر لحظة انكسار في ميزان القوة. وعند هذه النقطة، تتحول "المرونة" السياسية إلى ضرورة قسرية لا خيارًا طوعيًا. ٤/ لماذا لا يستجيب هذا النمط القيادي إلا بالضغط؟ تُظهر التجارب المقارنة أن القيادات العسكرية ذات البنية السلطوية–النرجسية لا تميل إلى التعقّل الذاتي، لأنها تفسّر التنازل بوصفه هزيمة وجودية. ولهذا، لا تدخل مسارات السلام إلا حين: - تُسدّ أمامها قنوات الدعم. - تتآكل مواردها. - تتقلّص شرعيتها الخارجية. - يلوّح لها بخسائر شخصية مباشرة. عندها فقط، يتحول السلام من "خيانة" في خطابها، إلى "خيار واقعي" في ممارستها! ٥/ من وهم السيطرة إلى الإذعان المرحلي في هذا الإطار، لا يبدو مستقبل البرهان مرتبطًا بقدرته على فرض شروطه، بل بمدى قدرته على التكيّف مع ما يُفرض عليه. فميزان القوى الإقليمي والدولي لا يسمح بحرب مفتوحة بلا نهاية، ولا بدولة فاشلة في قلب الإقليم. ومع تراكم الضغوط، ستجد القيادة نفسها—مهما طال العناد—مضطرة للتمرّغ في واقع التسوية، والقبول بتنازلات كانت تصفها سابقًا بـ"الخط الأحمر" خلاصة الامر هنا: إن مسار الضغط الدولي لا يستهدف "إقناع" البرهان، بل كسره سياسيًا إلى الحدّ الذي يجعله يقبل بالسلام. فمثل هذه الشخصيات لا تنتقل من منطق الحرب إلى منطق السياسة عبر الحوار، بل عبر استنزاف خياراتها. وبهذا المعنى، فإن وقف الحرب في السودان لن يكون ثمرة وعي مفاجئ، بل نتيجة عملية إكراه طويلة، تُجبر القيادة العسكرية على الاعتراف بأن استمرار العنف لم يعد ممكنًا، وأن السلطة بلا شرعية دولية وبلا اقتصاد وبلا أفق سياسي ليست سيادة، بل عزلة في هيئة حكم.
ثامنًا: مقارنات تاريخية — حين تنهار "أسطورة المختار" أمام منطق التاريخ لا تُدار السياسة الحديثة بمنطق النبوءة ولا بفكرة "الزعيم المخلّص"، بل بمنطق المؤسسات والشرعية المتحوّلة وقراءة التحولات الاجتماعية. ومع ذلك، يتكرر في تاريخ الدول الهشّة—خصوصًا في سياقات ما بعد الاستعمار—نمط واحد: قائد يتوهّم الاصطفاء، يراهن على القوة وحدها، ويظن أن السلاح قادر على تجميد الزمن. لكن النهاية تكاد تكون واحدة: فالسلاح لا يصنع دولة، والقمع لا ينتج شرعية، والمجتمع لا يعود إلى الوراء. في يوغسلافيا السابقة، مثّل سلوبودان ميلوشيفيتش نموذج الزعيم الذي استثمر في الأسطورة القومية وحرب الهوية، قبل أن تقوده سياسة القوة إلى عزلة دولية وتفكك داخلي وسقوط مدوٍّ. وفي ليبيا، قدّم معمر القذافي مثال "أسطرة الذات" إلى أقصاها: دولة تُختزل في شخص، فتنهار بانهياره، ويظهر "الاستقرار" المزعوم قشرة فوق هشاشة عميقة. وفي نماذج إفريقية عديدة، أعادت عسكرة الدولة ومنطق الامتيازات إنتاج التمرد، لأن "النصر العسكري" لا ينهي الحرب ما لم تُزال أسبابها البنيوية الخلاصة التاريخية واضحة: ليست العبرة بكيف تنتهي كل سيرة فردية، بل بأن نمط الزعامة الذي يضع نفسه فوق المجتمع—ويستبدل الدولة بالشخص—يصل حتمًا إلى لحظة انكشاف؛ حين يغدو العنف أضعف من الواقع، وتثقل الأسطورة على الدولة، ويصبح القائد أسير صورة لم يعد قادرًا على العيش خارجها...
تاسعًا: قائد خارج اللحظة التاريخية — عندما يتأخر الوعي عن زمنه كل لحظة تاريخية تفرض "شروطها الموضوعية": أي المتطلبات البنيوية التي لا يمكن تجاوزها بخطاب السيادة أو ادعاء الوطنية. ولحظة السودان الراهنة—بعد انهيار عقد اجتماعي قديم، وتفكك مركز الهيمنة، وولادة سلطات متعددة على الأرض—تفرض مهام تأسيسية واضحة لا يمكن القفز فوقها: ١/ دولة علمانية مدنية تُعيد تعريف السلطة بوصفها عقدًا لا غلبة. ٢/ جيش مهني جديد يُعاد بناؤه على عقيدة وطنية، خاضع للسلطة المدنية، لا لاعبًا سياسيًا. ٣/ عدالة انتقالية/تاريخية تُعالج الجراح العميقة وتكسر دورة الإفلات من العقاب. ٤/ تفكيك المركزية وإعادة توزيع السلطة والثروة، لأن المركزية هي محرك الحروب لا مجرد “خلل إداري. ٥/ عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والتعدد واللامركزية. في هذا السياق، يظهر عبد الفتاح البرهان كقائد لم يستوعب شروط اللحظة، لأنه ما زال يتحرك ضمن نموذج "الزعيم العسكري المنقذ": نموذج يفترض أن الدولة تُنقذ بالقوة، وأن الشرعية تُستعاد بالنصر، وأن المجتمع يُدار بالخوف. غير أن هذا النموذج—بحسب درس التاريخ العالمي—انتهى لأنه يفشل في الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها المجتمعات الحديثة: كيف تُحكم دولة متعددة؟ كيف تُبنى شرعية بلا إقصاء؟ كيف تُحيد المؤسسة العسكرية؟ وكيف تتحول الدولة من جهاز سيطرة إلى مجال حقوق؟ الفكرة الجوهرية هنا أن المشكلة ليست فقط في "شخص" البرهان، بل في الزمن الذي ينتمي إليه عقله السياسي. إنه يتصرف كما لو أن السودان ما زال قادرًا على العودة إلى دولة ما قبل الحرب: مركز واحد، جيش واحد بمعناه القديم، وشرعية واحدة تُفرض من فوق. بينما الواقع يقول العكس: الدولة القديمة تتفكك، ومراكز القوة تتعدد، والمجتمع لم يعد يقبل سردية "المركز وحده"، والتاريخ لا يعود إلى الوراء. ولهذا، فإن بقاء البرهان أسيرًا لهذه الرؤية لا يعني مجرد سوء تقدير، بل يعني أنه يتحرك خارج الزمن التاريخي. وعندما يتحرك القائد خارج زمنه، لا يغيّر التاريخ؛ بل يسحقه التاريخ: عبر الاستنزاف، والعزلة، وتآكل السيطرة، حتى يصبح مضطرًا—في النهاية—للإذعان لشروط اللحظة التي أنكرها طويلًا. خاتمة: الهزيمة الأخلاقية والسياسية — حين يتحوّل القائد إلى عبء على وطنه لا يمكن فهم تجربة عبد الفتاح البرهان بوصفها مجرد تعثّر عسكري أو إخفاق إداري عابر، بل بوصفها نموذجًا مكتملًا لفشل القيادة في لحظة تاريخية مصيرية. فهي تجربة انتهت بإذلال الدولة بدل حمايتها، وتفكيك المجتمع بدل توحيده، واستنزاف الكرامة الوطنية بدل ترسيخها. وفي هذا المعنى، لا تُختزل أزمة البرهان في خسارة معركة أو تعقيد ظرف، بل في عجز بنيوي عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية. لقد قاد بلاده إلى واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخها الحديث، دون رؤية واضحة، ودون مشروع وطني جامع، ودون استعداد حقيقي لتحمّل كلفة القرار. وتحت شعارات "السيادة و"الحسم"، تحوّل السودان إلى ساحة خراب مفتوح: مدن مدمّرة، مجتمع ممزّق، اقتصاد منهار، ملايين النازحين، وكرامة وطنية منتهكة أمام العالم. وهكذا، بدل أن يكون القائد حارسًا للدولة، أصبح شاهدًا على انهيارها، بل أحد مهندسي هذا الانهيار. من منظور علم النفس السياسي، لا تعود هذه النتيجة إلى "سوء حظ" أو "مؤامرة خارجية"، بل إلى نمط قيادي عاجز عن النقد الذاتي، خائف من الاعتراف بالخطأ، أسير لصورة متخيّلة عن ذاته بوصفه "المنقذ". هذا النمط جعل من السلطة وسيلة للدفاع عن الأنا، لا أداة لخدمة المجتمع، ومن الحرب آلية لإثبات الوجود، لا خيارًا اضطراريًا محدودًا بزمن وأهداف. في المحصلة، أخفق البرهان على جميع المستويات الجوهرية للقيادة الحديثة: ١/ لم يحقق نصرًا عسكريًا يضع حدًا للصراع. ٢/ لم يبنِ شرعية سياسية مستقرة. ٣/ لم يؤسس دولة قادرة على البقاء. ٤/ لم يقد عملية انتقال أو مصالحة. ٥/ ولم يتحرر من أسر الأسطورة والزعامة الشخصية. وبدل أن يقود شعبه نحو أفق جديد، أعاده إلى منطق العصبية، والسلاح، والحكم بالقوة، في زمن كانت فيه المجتمعات تبحث عن القانون والمؤسسات والحقوق. انحاز إلى القبيلة في زمن الدولة، وإلى العنف في زمن التعاقد الاجتماعي، وإلى النبوءة في زمن العلم والعقلانية السياسية. فكانت النتيجة قيادة بلا أفق، وسلطة بلا معنى، ودولة بلا مستقبل. الهزيمة هنا ليست فقط هزيمة عسكرية أو سياسية، بل هزيمة أخلاقية وتاريخية. فقد أُهين الشعب عبر تعريضه لحرب عبثية، وأُذلّ الوطن عبر تحويله إلى ملف إنساني وأمني في أروقة الخارج، وأُفرغت السيادة من مضمونها حين أصبحت مرهونة بالضغط الدولي وبالاقتصاد المنهار وبالارتهان للسلاح. من هذا المنظور، يمكن القول إن البرهان لم يفشل في إدارة دولة فقط، بل فشل في فهم معنى الدولة نفسه: بوصفها عقدًا بين مواطنين أحرار لا غنيمة حرب وبوصفها مسؤولية أخلاقية، لا امتيازًا سلطويًا وبوصفها مشروعًا تاريخيًا، لا سيرة شخصية. وتبعًا لذلك، فإن هزيمته لم تبدأ في ساحات القتال، بل في داخله: حين عجز عن الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشرعية، ومن ثقافة السيطرة إلى ثقافة الخدمة العامة، ومن وهم القوة إلى وعي المسؤولية. هناك، تحديدًا، وقعت الهزيمة الأولى، ومنها تفرّعت كل الهزائم اللاحقة. وهكذا، يغدو البرهان—في التحليل الأخير—نموذجًا للقائد الذي لم يخذل مشروعًا سياسيًا فحسب، بل خذل فكرة الوطن نفسها. قائدٌ لم يصنع تاريخًا، بل استُهلك فيه، ولم يفتح أفقًا، بل أغلق أبواب المستقبل، فصار شاهدًا على زمن الانهيار، لا صانعًا لزمن الخلاص
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة