عبد الفتاح البرهان وتدمير الدولة: كيف قادت القيادة العسكرية السودان إلى الهاوية؟ 1-3 كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-03-2026, 08:46 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-06-2026, 12:41 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 239

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
عبد الفتاح البرهان وتدمير الدولة: كيف قادت القيادة العسكرية السودان إلى الهاوية؟ 1-3 كتبه خالد كودي

    11:41 AM February, 06 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    5/2/2026 خالد كودي، بوسطن

    مقدّمة: القيادة خارج منطق الدولة… حين يتحوّل الفشل إلى نمط حكم
    لا تُقاس كفاءة القيادات العسكرية في الدول الحديثة بعدد الرتب، ولا بحدّة الخطاب التعبوي، ولا باستدعاء مفردات "السيادة" و"الكرامة" في لحظات الأزمات، بل بمدى اندماجها البنيوي في مشروع الدولة المدنية، وبقدرتها على تحويل القوة المسلحة إلى أداة لحماية العقد الاجتماعي والمؤسسات الدستورية، لا إلى وسيلة لتعويض العجز الرمزي أو إشباع النزوات الفردية. فالجيوش الحديثة تُبنى على المهنية، والخضوع للقانون، والحياد السياسي، لا على الشخصنة، ولا على تمجيد الزعامة، ولا على منطق الغلبة.
    في هذا الإطار، تمثّل حالة عبد الفتاح البرهان نموذجًا كاشفًا لمفارقة عميقة: قائد جيش يعمل داخل سياق دولة معاصرة شكليًا، لكنه يُدار ذهنيًا بمنطق قبل–حديث، قائم على الأسطورة الذاتية، والزعامة الشخصية، والغرور الرمزي، و"العزة الزائفة" بوصفها آليات نفسية لتعويض هشاشة الشرعية وفقر المشروع. وهو، بهذا المعنى، لا يجسّد فقط أزمة قيادة، بل نموذجًا لقيادة فاشلة بنيويًا، عجزت عن تحويل القوة إلى دولة، والسلاح إلى استقرار، والسلطة إلى مسؤولية.
    تُعدّ علاقة الجيش بالدولة المدنية من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في المجتمعات الخارجة من الاستعمار أو الغارقة في نزاعات ممتدة، حيث يميل الجيش، في غياب المؤسسات الراسخة، إلى التحوّل من مؤسسة وطنية مهنية إلى فاعل سياسي مركزي، يتجاوز وظيفته الدستورية، ويعيد تشكيل المجال العام وفق منطق القوة لا منطق القانون. وفي هذه السياقات، تُستبدل الشرعية المؤسسية بشرعية السلاح، وتُختزل الدولة في إرادة القائد.
    في السودان، تجسّدت هذه الإشكالية بوضوح منذ عام 2019 في مسار عبد الفتاح البرهان، الذي مثّل نموذجًا لقائد عسكري يفتقر إلى رؤية وطنية حديثة، ويعتمد بدلًا من ذلك على شرعية شخصية هشة، ورمزية عسكرية متآكلة، وسرديات قدرية ذات جذور قبلية. وقد أفضى هذا المسار إلى فشل مزدوج: فشل في المساهمة في بناء دولة، وفشل في إدارة الحرب، وفشل في إنتاج أفق سياسي مستقر، بما حوّل القيادة إلى عبء على المجتمع بدل أن تكون رافعة له.
    يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الشخصية من منظور علمي–تحليلي، بعيدًا عن السجال الإعلامي والانفعال الأخلاقي، عبر دراسة تداخل البنية النفسية بالخيارات السياسية، وكيف أسهم هذا التداخل في إنتاج نمط قيادي مأزوم، عاجز عن استيعاب شروط اللحظة التاريخية، وأسير لمنطق ما قبل الدولة في زمن يفترض الانتقال إلى دولة المواطنة والمؤسسات.

    أولًا: شروط الدولة الحديثة ووظيفة الجيش النظامي… ثم اختبار البرهان في الواقع
    وفق النظرية السياسية الحديثة، منذ ماكس فيبر، تقوم الدولة لا على الرمز والخطابة بل على شرعية قانونية–عقلانية تُحوِّل القوة إلى قانون، وتُخضع أدوات العنف إلى مؤسسات محكومة بالقواعد لا بالأمزجة. وفي تقاليد دراسات الحكم الرشيد وبناء الدولة، يضيف منظّرون مثل فرانسيس فوكوياما أن جودة الحكم تُقاس بمدى "لا–شخصانية الدولة
    : (Impersonal State)
    أي قدرة الجهاز التنفيذي والأمني على العمل وفق معايير مهنية وإجراءات مستقرة، لا بوصفه امتدادًا لسيرة القائد أو شبكته. ومن منظور الاقتصاد السياسي المؤسسي، يشرح نورث/والِس/وينغاست كيف تفشل "النظم محدودة الوصول" حين يُدار العنف عبر ائتلافات قوة وامتيازات، فتتحول الدولة إلى ترتيب لإدارة العنف بين النخب بدل أن تصبح جهازًا عامًا لتقييد العنف وحماية المواطنين، والسودان خير مثال!
    في النموذج الحديث، لا يكون الجيش "قبيلة موسّعة" ولا "حاشية سيادية"، بل مؤسسة احترافية وظيفتها الأساسية: حماية الحدود، وتأمين الدستور، وردع التفكك، والامتناع عن الفعل السياسي بوصفه منافسة على السلطة. وقد صاغ صامويل هنتنغتون هذا المبدأ بصورة كلاسيكية حين ربط "السيطرة المدنية الموضوعية" بمهنية الجيش وإبعاده عن السياسة: فكلما تحوّل الجيش إلى لاعب سياسي، تدهورت مهنيته وانهارت فكرة الدولة كقانون. وبالمنحى نفسه، نبّه موريس جانويتز إلى أن "الجندي المهني" في الدولة الديمقراطية لا يكتمل تعريفه إلا بوصفه فاعلًا مقيدًا بالقانون، لا حاملًا لحقٍّ فوقيٍّ في تقرير مصير المجتمع.
    عند إسقاط هذا الإطار على السودان، تظهر حالة عبد الفتاح البرهان كاختبار حيّ لفشل الانتقال من منطق الحكم بالقوة إلى منطق الدولة بالمؤسسة. فسيرته السياسية منذ 2019 بوصفه قائدًا فعليًا للمرحلة الانتقالية، ثم انخراطه في انقلاب أكتوبر 2021 وإعادة إنتاج مركزية القرار العسكري، تكشف نمطًا من "شخصنة السلطة” أكثر مما تكشف مشروعًا لبناء جيش مهني تابع للدولة المدنية. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تَعرّى هذا النمط أكثر: فبدل أن ينتج قيادة عسكرية قادرة على تحقيق حسمٍ استراتيجي أو فرض مسار سلام واقعي، دخلت البلاد في حرب استنزاف طويلة، أظهرت حدود القدرة العملياتية واللوجستية، وتحوّل الجيش النظامي—بحسب توصيفات تحليلية متخصصة—إلى "صوت بين أصوات" ضمن ساحة قتال تتشظى وتنتشر فيها مراكز القوة.
    وتبرز هنا نقطة علمية حاسمة في تقييم الأداء العسكري للبرهان: فشل الحسم ليس توصيفًا دعائيًا، بل نتيجة يكررها محللون عسكريون/أمنيون في مراكز بحثية معروفة. ففي تحليل سابق لـ (الباحث مايكل جونز)، تُطرح أطروحة واضحة: حتى إن أُخرجت قوات الدعم السريع من أجزاء من العاصمة، فإن البرهان لا يمتلك—من حيث "القدرة واللوجستيات والقوى البشرية"—ما يؤهله لشن هجوم حاسم يغيّر ميزان الحرب على نطاق السودان، وأن الحروب السودانية نادرًا ما تنتهي بانتصار عسكري قاطع، وهو ما يجعل استراتيجية "النصر النهائي" أقرب إلى رغبة رمزية منها إلى خطة قابلة للتحقق. ويعزّز هذا التقييمَ توصيفٌ آخر للواقع الميداني بوصفه "ساحة معركة تتفتت" مع انتشار العنف وتعدد الفاعلين وتبدل الولاءات، ما يضعف قابلية أي مركز قيادة منفرد لفرض نهاية عسكرية نظيفة.
    ومع ذلك، بدل أن يقرأ البرهان هذه المحددات بوصفها دعوة إلى تسوية سياسية تحفظ الدولة وتوقف الكلفة البشرية، ظلّ يميل (Maximalist) إلى خطابٍ أقصى
    يربط السلام بـ"سحق" الخصم أو "استسلامه". وقد وثّقت مصادر متعددة هذا الموقف: ففي سياق مبادرات دولية، وضمن مسار "الرباعية" (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) التي طرحت خريطة طريق تتضمن هدنة إنسانية تعقبها عملية لوقف دائم للنار ومسار انتقال مدني، واجهت المبادرة رفضًا من قيادة الجيش في محطات أساسية. كما رُصدت تصريحات تُصرّح بمضمون واحد: لا سلام إلا بهزيمة الدعم السريع أو "إزالته"، أي تحويل التسوية إلى استسلام، وهو تعريفٌ للحل يطيل الحرب عمليًا لأنه يشترط ما لا تسمح به بنية الميدان.
    من منظور الحوكمة، هذا النمط ليس مجرد "تصلّب سياسي"، بل علامة على قيادة تُخطئ تعريف الدولة ووظيفة الجيش: فالدولة الحديثة، كما تُعلّمنا الأدبيات، لا تُقاس بقدرة القائد على إشباع "رغبة الاعتراف" عبر شعار النصر، بل بقدرته على تقليل العنف، وحماية المدنيين، وإعادة إخضاع السلاح لمنطق السياسة العامة. وعندما تتراكم الهزائم الاستراتيجية (أو العجز عن الحسم) وتُقابل بمزيد من العناد، يصبح الفشل ليس حادثًا عابرًا بل بنية قرار: قيادة تُعيد إنتاج الحرب لأنها عاجزة عن إنتاج معنى الدولة خارج الحرب. وفي هذا المعنى الدقيق—وبالاستناد إلى تقييمات بحثية متخصصة لطبيعة الحرب وحدود قدرة قيادة الجيش على الحسم—يمكن القول إن البرهان فشل عسكريًا في تحقيق هدفه المعلن بـ"الانتصار القاطع"، كما فشل سياسيًا في تحويل القوة إلى مسار سلام ممكن، فصار تمسّكه بشروطه المتعذرة جزءًا من آلية إطالة النزاع لا من أدوات إنهائه.

    ثانيًا: العقلية القبلية في ثوب الدولة — من البنية الاجتماعية إلى العنف السياسي
    تُظهر الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية والمعاصرة أن ما يُسمّى بـ"العقلية القبلية" لا يقتصر على شكل التنظيم الاجتماعي، بل يشكّل منظومة قيم وسلوكيات سياسية كاملة، تقوم على مركزية الشخص، وقداسة الزعامة، والربط العضوي بين الشرف والسلطة، وتحويل المجال العام إلى ساحة تنافس رمزي لإثبات التفوق والهيمنة. ففي المجتمعات التي لم يكتمل فيها الانتقال إلى الدولة المؤسسية، يبقى الانتماء الأولي—القبيلة، والعشيرة، والجهة—أقوى من الانتماء المدني، وتتحول السياسة إلى امتداد موسّع لصراعات المكانة التقليدية.
    يُبيّن إدوارد إيفانز بريتشارد في دراساته عن المجتمعات الإفريقية القائمة على القرابة أن السلطة في البنى القبلية تُمارَس بوصفها "رأسمالًا رمزيًا"، لا وظيفة قانونية، حيث تُستمد الشرعية من النسب، والحماية، والقدرة على الحشد، لا من القواعد المجردة. وفي الاتجاه نفسه، يوضح بيير بورديو أن المجتمعات التقليدية تعيد إنتاج الهيمنة عبر ما يسميه "رأس المال الرمزي"، أي المكانة والشرف والهيبة، التي تتحول إلى أدوات سلطة سياسية حين تغيب المؤسسات الحديثة. أما إرنست غلنر، فيربط بين استمرار العصبيات القبلية وضعف الدولة الحديثة، معتبرًا أن غياب البيروقراطية المحايدة يفتح المجال أمام عودة منطق العصبية في ثوب سياسي جديد.
    في السياق السوداني، تتخذ هذه البنية طابعًا أكثر تعقيدًا بسبب تداخل القبيلة بالسلاح، والهوية المحلية بالاقتصاد الحربي، ما أنتج خلال العقود الأخيرة أنماطًا من "القبلية المسلحة" التي لا تكتفي بتنظيم الولاء، بل تؤسّسه بالعنف. وقد تحوّلت النزاعات المحلية—في دارفور، وكردفان، والشرق، وأجزاء من الوسط—إلى فضاءات تتقاطع فيها العصبية، والسلاح، والامتياز، فتُعاد صياغة الانتماء القبلي بوصفه موردًا للسلطة والنجاة.
    ضمن هذا الإطار، لا تعود الدولة إطارًا قانونيًا محايدًا، بل تتحول إلى مسرح رمزي لإعادة توزيع المكانة بين الشبكات المسلحة والولاءات الشخصية. وتصبح مؤسساتها واجهات شكلية تُدار فعليًا بمنطق "الحماية مقابل الولاء"، لا بمنطق "الحقوق مقابل المواطنة."
    يعكس خطاب وسلوك وتحالفات عبد الفتاح البرهان حضور هذه البنية بوضوح. فهو لا يتصرّف، في كثير من المحطات، بوصفه مسؤولًا عامًا خاضعًا للمساءلة الدستورية، بل بوصفه "زعيمًا حاميًا" يتموضع داخل شبكة ولاءات عسكرية–اجتماعية، ويعيد تعريف الشرعية من خلال مفردات الشرف، والكرامة، والحسم، لا عبر القانون والمؤسسات. وتكشف تحالفاته المتقلّبة، وخطابه القائم على الاستقطاب، عن منطق سياسي قريب من منطق الزعامة القبلية: زعيم يرى نفسه "أبًا" و"راعيًا" و"مختارًا"، لا مديرًا مؤقتًا للشأن العام!
    من منظور الأنثروبولوجيا السياسية، تمثّل هذه الظاهرة انتقالًا غير مكتمل من "سلطة القرابة" إلى "سلطة القانون"، حيث تُلبس العصبية لباس الدولة، وتُمارَس الهيمنة القبلية بأدوات عسكرية وبيروقراطية حديثة. وبهذا المعنى، لا تُعدّ أزمة الحكم في السودان مجرد أزمة أفراد، بل تجلّيًا لبنية اجتماعية–سياسية لم تُفكَّك بعد، ما زالت تعيد إنتاج العنف، وتُحوّل الدولة إلى امتداد موسّع لمنطق القبيلة المسلحة، بدل أن تكون فضاءً جامعًا للمواطنة المتساوية.

    ثالثًا: الأسطورة العائلية ونبوءة السلطة — حين يتحوّل الخيال الرمزي إلى برنامج حكم
    تُظهر دراسات علم الأساطير وعلم النفس الثقافي أن الأسطورة لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل تظلّ فاعلًا مركزيًا في تشكيل وعي الأفراد والجماعات، خاصة في المجتمعات التي لم تكتمل فيها عملية العلمنة السياسية وبناء المؤسسات العقلانية. فالأسطورة، في معناها العميق، ليست خرافة بسيطة، بل "سردية تفسيرية" تمنح الوجود معنى، وتمنح الفاعلين شعورًا بالاختيار والرسالة والتميّز.
    في هذا السياق، تكتسب "النبوءة العائلية" المتداولة حول عبد الفتاح البرهان—ومفادها أن والده كان يؤمن بأنه سيحكم السودان—دلالة تتجاوز بعدها الشخصي، لتدخل في إطار ما يسميه علم النفس التحليلي بـ"الأسطورة الذاتية"، أي بناء سردية قدرية تدمج الهوية الفردية بمصير متخيَّل أكبر من الواقع.
    يبيّن كارل يونغ أن الأفراد، خاصة في سياقات الاضطراب الاجتماعي والسياسي، يميلون إلى استدعاء رموز اللاوعي الجمعي لصياغة صورة "البطل المختار"، الذي يرى نفسه أداة لتحقيق إرادة تاريخية أو كونية. في هذه الحالة، لا يعود القائد فاعلًا سياسيًا خاضعًا لشروط الواقع، بل يتحوّل إلى "شخصية رمزية" تفسّر نجاحها وإخفاقها بوصفه جزءًا من مسار قدري لا يجوز مساءلته.
    ومن منظور علم الأسطورة المقارن، يوضح جوزيف كامبل في تحليله لـ"رحلة البطل"
    (The Hero’s Journey)
    أن كثيرًا من السرديات البطولية تقوم على عناصر متكررة: النبوءة المبكرة، الاصطفاء، الاختبار، ثم الصراع مع "قوى الشر". هذه البنية تظهر في أساطير قديمة وحديثة، من الملاحم الإغريقية إلى السرديات القومية المعاصرة، وتُعاد صياغتها باستمرار داخل الخطاب السياسي، حيث يتحول القائد إلى "بطل مخلّص" لا إلى مسؤول عمومي.
    عند إسقاط هذه المقاربة على الحالة السودانية، يمكن فهم النبوءة العائلية بوصفها جزءًا من بناء رمزي أوسع، يُنتج ما يمكن تسميته بـ"الشرعية الأسطورية"، أي شرعية مستمدة من السرد لا من الإنجاز، ومن القدر لا من العقد الاجتماعي. وفي مثل هذا الإطار، تصبح السلطة امتدادًا للبركة، والنسب، والتاريخ المتخيّل، لا نتيجة لاختيار عقلاني أو تفويض ديمقراطي.
    تؤدي هذه السردية الأسطورية، نفسيًا وسياسيًا، إلى نتائج متكررة، أبرزها:
    ١/ تضخّم صورة الذات بوصفها "مكلّفة" بمهمة فوق–تاريخية
    ٢/ مقاومة النقد باعتباره تشكيكًا في "الرسالة" لا في الأداء
    ٣/ إعادة تفسير الفشل بوصفه مؤامرة أو امتحانًا قدريًا
    ٤/ تبرير العنف باعتباره ضرورة لتحقيق المصير الموعود
    وتتوافق هذه البنية مع ما توصّله علماء الأنثروبولوجيا السياسية حول المجتمعات ذات التنظيم القبلي أو شبه القبلي، حيث تُربط السلطة بالاصطفاء الرمزي، وتُفهم القيادة بوصفها امتدادًا لسلسلة من "المباركين" أو "المختارين"، لا وظيفة زمنية قابلة للمحاسبة. ففي هذه السياقات، لا تُفصل السياسة عن الميتافيزيقا الاجتماعية، ولا تُفصل الدولة عن المخيال الجمعي
    وهكذا، لا يمكن فهم اعتماد البرهان—صراحة أو ضمنًا—على سردية النبوءة إلا بوصفه تعبيرًا عن اندماج الذات القيادية في بنية أسطورية أوسع، تجعل من الحكم مسارًا قدريًا لا تجربة تاريخية قابلة للتصحيح. وبهذا المعنى، تتحول الأسطورة من عنصر ثقافي رمزي إلى آلية حكم غير معلنة، تُضعف العقلانية السياسية، وتُقوّض منطق المسؤولية، وتعيد إنتاج السلطة بوصفها "رسالة" لا "عقدًا اجتماعيًا"!
    نواصل في الجزء الثاني.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de