اتصل بي البروفيسور إسحق هدي، عميد كلية الآداب بجامعة الفاشر، مساء الثلاثاء الثالث من يناير الجاري، وطلب مني الحضور في الساعة الحادية عشرة من صباح الأربعاء – اليوم التالي – إلى جامعة أم درمان الأهلية، للوقوف على مكاتب إدارة الجامعة بأم درمان، وحضور توقيع اتفاقية تعاون ومقر بين الجامعتين. لم تنتهِ المحادثة عند هذه المعلومة؛ بل أردف هدي قائلاً: إنّ أملنا أن يحضر هذه المناسبة كل من ينتسب إلى جامعة الفاشر والموجود بولاية الخرطوم. وبتلك الإضافة كان يعلم يقيناً أنّه لن يتخلف أحد من أفراد الجامعة عن الحضور، مهما كانت الظروف، متى ما وصلته الدعوة. وتكفي مقابلة من فارقناهم قسراً لأكثر من ثلاث سنوات حسوماً، إثر هذه الحرب اللعينة، والتي أذهبت كثيراً من الزملاء إلى جوار ربهم راضين مرضيين، لهم الرحمة والمغفرة. ومنهم المصاب بالجراح وسقم الأمراض، نسأل الله لهم عاجل الشفاء. وآخرون لا يزالون في عداد المحبوسين والمفقودين، ردهم الله إلى ذويهم سالمين. وقد أذاقت هذه الحرب الكثير من الويلات، إلى جانب اللجوء والنزوح، وأخيراً نزحت معها الجامعة بذاتها. حقاً، إنّ يوم الرابع من يناير 2026م كان يوماً ليس كبقية الأيام لمن لبّى الدعوة من أسرة جامعة الفاشر أساتذة وموظفين وعاملين؛ فكان اللقاء لحمةً، وكان حضوراً نوعياً مشرفاً، وممثلاً لكل الجامعة. واختلطت فيه دموع الحزن بدموع الفرح، وضحك الفرح بضحك البلايا. وهو مزج صعب، لكنه موجود، وعاشه كل من حضر بلا استثناء. وهو إحساس إنساني يرد الروح (أي ينعش ويقوي الروح المعنوية)، وله فاعليته وتأثيره على الناس، وعلى نشاطهم وعملهم. وهذا ما نتوقعه في مقبل الأيام، رغم قهر الظروف وجور الأيام. لا أعتقد أن هذا اليوم جاء مصادفة، بل كان نتيجة جهد وابتكار، وتقليب آراء وأفكار، وحسابات وموازين، ممن هم في قيادة المؤسسة، وعلى رأسهم البروفيسور فيصل القاسم أحمد، مدير الجامعة، والبروفيسور حافظ جدوبة، أمين الشؤون العلمية، والدكتور عبد القادر أحمد حمدان، وكيل الجامعة، وعمداء الكليات، وأهل الشارة. وإن تأخرت الخطوة، فإنها برزت بقوة، ولها ما يتبعها، ولن يتجاهلها التاريخ. وهي تأتي بعد تجربة تعليم وامتحانات إلكترونية ناجحة، حدّ من فاعليتها عدم توفر المعينات الأساسية من طاقة، وشبكة اتصال مستقرة، وأجهزة ذكية لدى الطلاب. ووفق قول مدير الجامعة في حفل توقيع اتفاقية التعاون الأكاديمي والإداري، فإن اختيار المكان والمؤسسة جاء نتاج تمحيص، وعزمنا أن نكون على قدر التحدي، وأن تكون الاتفاقية النموذج المثالي الذي تحتذي به مؤسسات التعليم العالي. وأبدى نظيره، البروفيسور عبد الحافظ الطاهر أحمد البشير، مدير جامعة أم درمان الأهلية، استعدادهم لتوظيف إمكانيات الجامعتين كافة في خدمة التعليم ومخرجات الاتفاقية، في حالات الحرب والسلم. تقوم فكرة اتفاقية التعاون على أن تكون جامعتان في جامعة؛ أكاديمياً، وإدارياً، ومكانياً، في فترة الحرب هذه، وفي فترة السلم إن شاء الله؛ أي هنا في أم درمان، وهناك في الفاشر، وفي أي مكان تعتزم فتح فرع لها، فهي جامعة الفاشر، وأم درمان الأهلية. وتكون بذلك صرحاً ممرداً بالعلم والنور، صانعةً لأجيال راشدة، وقادةً ملهمين، تقدم درء المفسدة على جلب المصالح، والسلام والاستقرار على الاقتتال والافتتان، وراتقةً للنسيج الاجتماعي للأمة السودانية. أو كذلك نتمنى لها أن تكون! anwarshambal@hotmail.com
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة