قراءة ثقافية في الذكاء الاصطناعي من زاوية غير مألوفة، تبدأ من الماء الذي يبرّد الخوارزميات، وتصل إلى الذاكرة، والمحاكاة، والسؤال الأخطر: من يملك القرار؟ عمر سيد أحمد email: [email protected] يناير 2026 يتناول هذا المقال الذكاء الاصطناعي من زاوية ثقافية نقدية، متجاوزًا الخطاب التقني السائد. ينطلق من مشهد استخدام الماء في تبريد الحواسيب العملاقة، ليكشف البنية المادية الهشّة التي يقوم عليها هذا «العقل» الحديث، ثم ينتقل إلى مناقشة الذاكرة الرقمية وحدودها، وإشكالية المحاكاة الصوتية والبصرية، وصولًا إلى السؤال الأخطر: ماذا يحدث حين نمنح الآلة مساحة متزايدة في اتخاذ القرار؟ يسعى المقال إلى إعادة الإنسان إلى قلب النقاش، لا بوصفه مستخدمًا للتقنية فحسب، بل مسؤولًا أخلاقيًا عن حدودها ومعانيها. خلال الأشهر الماضية، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو بعنوان هل سيُعطّشنا الذكاء الاصطناعي يومًا ما؟ يتناول استخدام كميات ضخمة من الماء في تبريد الحواسيب العملاقة التي تشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي. أثار هذا الفيديو موجة واسعة من القلق والتساؤلات حول كلفة هذه التقنيات على الموارد الطبيعية، ودفع كثيرين إلى إعادة النظر في الصورة الشائعة عن الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية غير مادية. اللافت أن ردود الفعل لم تقتصر على الدهشة التقنية، بل امتدت إلى أسئلة أعمق حول طبيعة الذكاء الاصطناعي وحدوده، وحول هذه الأنظمة التي باتت تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى أصبح التمييز بين الحقيقي والمُصطنَع أكثر التباسًا من أي وقت مضى. الماء: من عدوّ الحاسوب إلى شريكه الخفي
لوقت طويل، ارتبطت صورة الحاسوب بالابتعاد التام عن الماء. غير أن هذا التصور تغيّر مع تطور الحوسبة عالية الأداء، حيث أصبحت الحرارة الناتجة عن المعالجات المتقدمة التحدي الأكبر أمام استقرار الأنظمة الرقمية. في هذا السياق، اتجهت شركات تقنية كبرى إلى اعتماد أنظمة تبريد مائي متقدمة، نظرًا لقدرة الماء العالية على امتصاص الحرارة مقارنة بالهواء. لم يعد الماء عنصر خطر، بل أصبح جزءًا أساسيًا من البنية التحتية التي تتيح للذكاء الاصطناعي العمل بكفاءة واستمرارية. غير أن فهم البنية المادية للذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده، ما لم ننتبه إلى الطريقة التي نتعامل بها مع هذه الأنظمة ومع ما تنتجه. ففي خضم هذا النقاش، يبرز رأي شائع يختزل الذكاء الاصطناعي في كونه «مجرد مجموعة حواسيب هائلة تعمل بسرعة»، ويخلص من ذلك إلى التشكيك في أي قيمة لما ينتجه. ورغم أن هذا الوصف صحيح من الناحية التقنية، إذ إن الذكاء الاصطناعي لا يملك وعيًا ولا فهمًا ولا نية، فإن اختزاله في هذا الإطار يقود إلى استنتاج ناقص. فالقيمة هنا لا تنبع من الوعي، بل من طريقة الاستخدام وحدوده. نحن نعتد يوميًا بنتائج أنظمة غير واعية، من توقعات الطقس إلى أنظمة الملاحة، لا لأنها تفهم، بل لأنها تحلل البيانات ضمن سياق محدد. الإشكال الحقيقي لا يكمن في كون الذكاء الاصطناعي آلة، بل في منحه سلطة القرار بدل أن يبقى أداة مساعدة على التفكير. وحين نربط هذا بالسؤال البيئي حول الماء، يتضح أن الخطر ليس في التقنية ذاتها، بل في تعامل الإنسان معها بوصفها بديلًا عن الحكم والمسؤولية، لا وسيلة لفهم أعمق وأكثر وعيًا لعواقبها. الذاكرة الرقمية: وفرة تحتاج إلى نسيان
من التصورات الشائعة أن الحواسيب تمتلك ذاكرة لا تنفد، غير أن الواقع التقني أكثر تعقيدًا. فالذاكرة الرقمية تقوم على طبقات متعددة تختلف في السعة والسرعة والوظيفة، ويُعد تنظيمها شرطًا أساسيًا لاستقرار الأداء.في هذا السياق، لا يُعد النسيان خللًا، بل ضرورة تنظيمية تضمن الكفاءة وتمنع التخمة المعرفية الواقع المُصطنَع: حين تقلّد الآلة الإحساس
برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة قادرة على تقليد الأصوات واللهجات وإنتاج صور ومقاطع فيديو عالية الواقعية. ورغم هذا الإتقان، يشعر كثير من المتلقين بوجود خلل غير مرئي؛ إذ يحاكي الذكاء الاصطناعي الشكل، لكنه لا يعيش التجربة، ولا يختبر السياق الإنساني أو الثقل الشعوري للمعنى. حين نمنح الآلة حرية القرار يبرز هنا سؤال أخلاقي جوهري: ما مآلات منح الذكاء الاصطناعي مساحة متزايدة في اتخاذ القرار؟ فالقرار الآلي، وإن بدا محايدًا، يظل نتاج بيانات بشرية تحمل تحيزات وسياقات غير متكافئة، ومع تفويض القرار تنتقل المسؤولية تدريجيًا من الإنسان إلى النظام. الخاتمة خلص هذا المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره، يظل نظامًا مقيدًا ببنية مادية ومعرفية واضحة. فالماء عنصر أساسي في استدامة الحوسبة، والذاكرة الرقمية لا تعمل بكفاءة إلا عبر تنظيم ما يُحفظ وما يُنسى، بينما تظل المحاكاة الحسية عاجزة عن بلوغ التجربة الإنسانية الكاملة إن الوعي بهذه الحدود يمثل شرطًا أساسيًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي استخدامًا نقديًا ومسؤولًا، خصوصًا مع اتساع مساحة القرار الممنوحة للآلة. المراجع Google. Data Center Efficiency and Water Cooling Systems. Microsoft. Project Natick: Underwater Data Centers. Patterson, D., and Hennessy, J. Computer Organization and Design. MIT Media Lab. Detecting AI-Generated Media. Stanford University HCI Group. Synthetic Media and Human Perception. OpenAI. Limitations of Large Language Models.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة