جريمة الكريسماس في بيام جلد: حين تُستهدف الحياة باسم الدولة
26/12/2025 خالد كودي، نيروبي
في صباح الخامس والعشرين من ديسمبر 2025، اليوم الذي تحتفي فيه الإنسانية بمعاني الميلاد والرحمة والتجدد، شهدت منطقة بيام جلد بمحلية الدلنج جريمة مروّعة ارتكبتها سلطة بورتسودان عبر طائرة مُسيّرة تتبع لما يُعرف بـ"القوات المسلحة السودانية". لم يكن الهجوم موجّهًا نحو موقع عسكري أو هدف قتالي، بل طال تجمعًا مدنيًا لأهالٍ خرج بعضهم للاستعداد للاحتفال بعيد الميلاد، في فعل إنساني بسيط لا يحمل سوى معنى الفرح والسكينة! لم يكن استهداف هؤلاء المواطنين خطأً عسكريًا عابرًا ولا نتيجة “سوء تقدير”، بل فعلًا مقصودًا يعكس منطق دولة باتت ترى في مواطنيها—ولا سيما في مناطق الهامش—خطرًا ينبغي تحييده لا بشرًا يستحقون الحماية. فبعد نزوح مئات الآلاف من الدلنج وكادقلي والمناطق المحيطة بهما نحو المناطق المحررة، تحوّل الوجود المدني ذاته إلى تهديد سياسي وأخلاقي لسلطة بورتسودان، لأنه يفضح زيف سيطرتها ويقوّض سرديتها عن "الشرعية" و"السيادة" الرسالة التي أرادت هذه السلطة إيصالها كانت واضحة وقاسية: إخضاع السكان عبر الإرهاب، ودفعهم قسرًا للبقاء في مناطق نفوذها، لا بوصفهم مواطنين، بل كدروع بشرية تُستثمر معاناتهم في معادلات الحرب والابتزاز السياسي. وهكذا يصبح القصف أداة ضبط، لا فعلًا عسكريًا عشوائيًا، ويغدو المدنيون أهدافًا مقصودة لأنهم اختاروا الخروج عن جغرافيا الطاعة! لقد جرى استهدافهم لأنهم ينتمون إلى فضاء مقاوم، ولأن وجودهم خارج منظومة السيطرة يُعد، في منطق هذه السلطة، جريمة تستوجب العقاب. فالدولة التي لا ترى في المجتمع سوى مادة للإخضاع، ولا تعرف من الحكم سوى أدوات القهر، لا تتردد في تحويل الطائرات إلى رسائل رعب، وإرهاب، والقرى إلى ساحات تأديب، والإنسان إلى هدف مشروع. شهداء الكريسماس : أسماء لا أرقام أسفر القصف الجوي عن استشهاد (12) مواطنًا، بينهم أطفال، وجرح (19) آخرين، بعضهم في حالة حرجة. والضحايا ليسوا أرقامًا في بيان عسكري، بل أسماء، ووجوه، وحيوات قُطعت عمدًا: الشهداء: ١/ فيصل عبد الله عنينات (43 عامًا ٢/ بدرالدين عبد اللطيف (34 عامًا ٣/ طفلة مجهولة الهوية – من قرية كركراية ٤/ تسعة مواطنين لم تُستكمل إجراءات التعرف عليهم حتى الآن الجرحى: ١/ مناسك جبريل أمانة (14 عامًا ٢/ جابر حماد حسين (58 عامًا ٣/ حواء التوم نواي (14 عامًا ٤/ رمضان إبراهيم الأمين (34 عامًا ٥/ الهادي حسين علي (12 عامًا ٦/ عبده محمد بابو (11 عامًا ٧/ هيفاء التوم نواي (10 سنوات ٨/ تبيان يوسف البي (16 عامًا ٩/ عواطف الرشيد (19 عامًا ١٠/ جاكلين جوزيف (9 سنوات ١١/ رجاء عبد الله خرطوم (23 عامًا ١٢/ زكريا الإمام إدريس (34 عامًا ١٣/ جيمس بنيامين (13 عامًا ١٤/ كباشي عمر رحمة (23 عامًا ١٥/ حامد عمر رحمة (14 عامًا ١٦/ آدم توتو الموية (29 عامًا ١٧/ التومة كافي كوة (24 عامًا ١٨/ سُلافة يوسف رمضان (12 عامًا هذه الوقائع لا يمكن توصيفها بوصفها "أضرارًا جانبية" ناتجة عن اشتباكات عسكرية، بل تمثل سياسة ممنهجة ومتعمدة في استهداف الأعيان المدنية، ترقى إلى مستوى جريمة الحرب المكتملة الأركان. فالقصف المتكرر للأسواق، والمراكز الصحية، وأماكن التجمعات السكنية في جبال النوبة يكشف بوضوح أن الغاية ليست تحقيق مكاسب عسكرية وحسب، بل إرهاب المدنيين، وكسر إرادتهم، ودفعهم إلى البقاء في اماكن بعينها او النزوح القسري الي حيث يريد جيش الاسلاميين بوصف ذلك أداةً للحرب. وتأتي جريمة بيام جلد ضمن هذا السياق الدموي المتواصل، الذي سبقته مجزرة كمو في 29 نوفمبر 2025، حين قصفت الطائرات المدنيين، وواصلت القصف أثناء اخلاء الجرحى لتلقي العلاج، ما أسفر عن مقتل 47 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال. إن استهداف المرافق المدنية الحيوية لا يعكس فقط استخفافًا فاضحًا بالقانون الدولي الإنساني، بل يكشف أيضًا عن عقلية سلطة ترى في المجتمع نفسه عدوًا، وتستخدم العنف العشوائي كوسيلة لإخضاع المناطق الخارجة عن سيطرتها، حين تعجز عن هزيمتها سياسيًا أو عسكريًا.
الدولة التي تحارب شعبها ما جرى في جلد بيام الدلنج صبيحة الكريسماس ليس انحرافًا، بل تعبير صريح عن طبيعة الدولة السودانية القديمة: دولة تُدار بعقيدة أمنية–دينية مهووسة ترى في الهامش عدوًا، وفي التنوع خطرًا، وفي الحياة المدنية تهديدًا لسلطتها، وفي الفرح تهديدا. هذه الدولة، التي أعادت إنتاج نفسها تحت مسمى "حكومة الامل" من بورتسودان ، لم تتوقف يومًا عن قصف القرى ومدن الهامش، وتجويع المدنيين، وتحويل الأعياد إلى مآتم. من دارفور إلى جبال النوبة، ومن النيل الأزرق إلى الخرطوم، يتكرر النموذج ذاته: القوة بدل السياسة، الطائرة بدل الحوار، القتل بدل الاعتراف. إن ما يُسمّى "الجيش السوداني" لم يعد مؤسسة وطنية، بل جهاز أيديولوجي مسلح، تحكمه ذهنية الإقصاء الديني والعرقي، وتديره نخبة ترى في السودان غنيمة لا وطنًا وتصمت النخب المتواطئة مع مراكز قوي السودان الجديد.
كادقلي والدلنج: قلب السودان الجديد: في مواجهة هذا العنف، لا تقف كادقلي والدلنج كضحيتين، بل كموقعَي مقاومة تاريخية. هنا، حيث تشكّلت باكرًا فكرة السودان الجديد، وحيث لم تُكسر إرادة الناس رغم القصف والتجويع. إن ما يجري اليوم في المناطق المحررة ليس "تمردًا"، بل ثورة، فعل تأسيسي لإعادة تعريف الدولة من الأساس. دولة لا تُبنى على العرق والدين، بل على المواطنة المتساوية. دولة لا تُدار من الثكنات، بل من الإرادة الشعبية. دولة لا تقتل أبناءها، بل تحميهم. ومن هنا، فإن تحرير كادقلي والدلنج، بل وسائر مدن وقرى السودان، لا يمكن اختزاله في كونه فعلًا عسكريًا أو تحركًا ميدانيًا محدود الأفق، بل هو فعل تفكيك تاريخي لبنية ذهنية وسياسية قامت على العنف المقدّس وتغذّت على وهم الاصطفاء الديني. إنه مسار يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن سلطة بورتسودان، وعن المليشيات الإسلامية التي تحكم بعقيدة الهوس والتكفير، وتحوّل الدولة إلى أداة قمع لا إلى إطار للعيش المشترك. فالتحرير هنا هو تحرير للعقل قبل الأرض، وتحرير للسياسة من أسر الأيديولوجيا العمياء، وإعلان نهاية مشروع الدولة التي تُدار بالفتوى والسلاح، وبداية أفق تاريخي جديد تُعاد فيه صياغة السودان بوصفه وطنًا للكرامة، لا ساحةً لتجارب العنف المقدّس.
تفكيك الجيش: ضرورة أخلاقية وتاريخية في مواجهة أوهام الإصلاح والنخبوية المتواطئة إن الحديث عن بناء سلام أو تأسيس دولة مدنية في ظل بقاء المؤسسة العسكرية الحالية ليس سوى وهمٍ سياسي تُغذّيه نخب مأزومة، فقدت القدرة على قراءة التاريخ أو مواجهة الحقيقة. فهذه المؤسسة لم تنشأ يومًا كجهاز وطني محايد، بل تكوّنت منذ لحظتها الأولى كأداة للهيمنة الاثنية والطبقية، وذراعٍ صلبة لدولة عنصرية قامت على الإقصاء والعنف المنهجي. ومن هنا، فإن تفكيكها ليس مطلبًا راديكاليًا طارئًا، بل استحقاقًا أخلاقيًا وتاريخيًا لا مفر منه. غير أن الأخطر من بطش المؤسسة العسكرية ذاتها، هو استمرار بعض أحزاب النخب ومنظمات المجتمع المدني في الترويج لوهم "إصلاح الجيش من الداخل"، أو الأسوأ من ذلك، القبول بفكرة أن هذه المؤسسة يمكن أن تُفوَّض بإصلاح نفسها. هذا الخطاب ليس سذاجة سياسية فحسب، بل تعبير عن تواطؤ بنيوي مع منظومة الامتيازات التي حمتها هذه الجيوش تاريخيًا، وضمنت استمرار نفوذها الاجتماعي والاقتصادي. إنه خطاب يحاول إنقاذ الدولة القديمة من الانهيار، لا إنقاذ المجتمع من عنفها. إن الإصرار على إصلاح مؤسسة تأسست على الإبادة، وقامت على القصف والتجويع والتطهير، ليس سوى محاولة لإعادة إنتاجها بواجهة أكثر نعومة، مع الحفاظ على جوهرها القمعي. فجيش يقصف المواطنين في صباح الكريسماس، ويحوّل الأعياد إلى مآتم، لا يمكن أن يكون شريكًا في التحول الديمقراطي، ولا مادةً قابلة للإصلاح، بل كيانًا يجب تفكيكه ومساءلته قانونيًا وأخلاقيًا، وفق مبادئ العدالة الدولية إن النخب التي تراهن على هذا الجيش إنما تراهن على استمرار امتيازاتها، وتخشى لحظة القطيعة التاريخية التي ستسقط سردياتها، وتعيد توزيع السلطة على أسس المواطنة والعدالة. ولذلك، فإن معركة تفكيك الجيش ليست مجرد معركة ضد مؤسسة عسكرية، بل ضد بنية فكرية–سياسية كاملة، تحتمي بالدولة لتبقي المجتمع رهينة، وتستدعي العنف كلما هددها التغيير. تفكيك هذه المنظومة هو الشرط الأول لسلام مستدام وبناء سودان جديد: سودان لا تحرسه البنادق، بل تحميه العدالة؛ ولا تُدار فيه السياسة بالعقيدة والسلاح، بل بالإرادة الشعبية والحق الإنساني.
الخاتمة: حين يُغتال الميلاد… ويصمت الشهود في اليوم الذي يحتفي فيه العالم بميلاد المسيح، رمز المحبة والرحمة والانتصار الأخلاقي على العنف، اختارت سلطة بورتسودان أن تصطف في الجهة المعاكسة تمامًا من التاريخ والضمير الإنساني. فبدل أن تكون حاميةً لحق مواطنيها في الحياة والفرح والعبادة، تحوّلت إلى أداة لإعدام المعنى ذاته، وإلى سلطة تُتقن سرقة الفرح من قلوب الأسر، وتحويل الأعياد إلى مواسم حداد. ففي الفلسفة الأخلاقية التي بشّر بها المسيح، لا يُقاس الحق بالقوة، ولا تُبنى السلطة على الخوف، ولا يُبرَّر العنف باسم النظام أو السيادة. المسيح لم يرفع سيفًا، بل واجه العنف بالرحمة، والبطش بالحق، والقتل بالمغفرة. أما سلطة بورتسودان، فقد اختارت أن تنقلب على جوهر هذه القيم، وأن تستخدم أدوات الدولة لا لحماية الفرح الإنساني، بل لاغتياله، ولتحويل مناسبة كونية للسلام إلى مشهد دموي يُسرق فيه العيد من قلوب الأطفال وأسرهم. غير أن الجريمة لا تقف عند حدود الفعل العسكري وحده، بل تتسع دائرتها لتشمل صمتًا مريبًا، بل متواطئًا، من قِبل أحزاب النخب ومنظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها النخب السودانية التي اعتادت الادعاء بالحداثة والأخلاق والالتزام بحقوق الإنسان. هذا الصمت ليس حيادًا، بل شكل من أشكال المشاركة غير المباشرة في الجريمة؛ صمت يُضفي الشرعية على القتل، ويمنح الجناة غطاءً أخلاقيًا زائفًا، ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب. إن أخطر ما في هذا الصمت أنه يعكس استعداد هذه النخب للتعايش مع العنف طالما لم يمس امتيازاتها، واستعدادها للمساومة على دماء الهامش مقابل وهم الاستقرار أو الحفاظ على مواقعها داخل بنية الدولة القديمة. وهكذا تتحول منظمات يُفترض أن تكون صوت الضحايا إلى جزء من منظومة الإنكار، ومنابر حقوق الإنسان إلى مساحات للانتقاء الأخلاقي ومع ذلك، فإن الدم المسفوك في بيام جلد- الدلنج لا يُغلق القصة، بل يفتحها على معناها الأعمق. فمن تحت الركام يولد وعي جديد، ومن قلب الألم تنبثق إرادة لا تُروَّض. هناك، حيث حاولت السلطة قتل الفرح، يتشكّل معنى آخر للميلاد: ميلاد وطن لا تُقصف فيه الكنائس ولا المساجد، ولا المدارس او الاسواق ولا تُختطف فيه الأعياد، ولا يُدار فيه الحكم بمنطق السلاح... إنه ميلاد سودان جديد، لا تُحرس حدوده بالخوف، بل بالقيم، ولا تُصاغ هويته بالقوة، بل بالعدالة والكرامة الإنسانية. المجد للشهداء الذين صاروا ضمير هذا الوطن. والعار لسلطة القتل، ولصمت النخب المتواطئة. والنصر، في النهاية، لإرادة الشعوب التي لا تُهزم....
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة