بذات المكر والدهاء اللذين يشكلان السمتين الملازمتين للكيزان، استطاعوا منذ وقت مبكر توظيف هذه الصفات لاختراق الدولة والتسلل إلى مفاصلها الحساسة. وقد ظهر ذلك بوضوح عقب ما سمي وقتها بالمصالحة الوطنية عام 1977 التي وقعها الراحل الصادق المهدي مع جعفر نميري في بورتسودان، حين وجدوا منفذا واسعا للتغلغل في نظام جعفر نميري، ثم التمدد داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية حتى صار نفوذهم جزءا من بنيتها العميقة. وقد فعلوا ذلك في انقلابهم المشؤوم عام 1989 على الحكومة الديمقراطية المنتخبة عبر انتخابات حرة ونزيهة. وكرروا الاسلوب ذاته بعد نجاح حكومة الفترة الانتقالية بقيادة د. عبدالله حمدوك، التي حققت اختراقات كبيرة في الملفات الخارجية، ابرزها ازالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، ورفع الحظر الاقتصادي، وتخفيف ديون السودان التي تجاوزت ستين مليار دولار. حين ادرك الكيزان ان هذه النجاحات تهدد مشروعهم، نفضوا الغبار عن ملفاتهم القديمة المليئة بالمكر والمؤامرات، واوعزوا لبيادقهم بالتحرك لاعاقة مسار الثورة من الداخل. وكان على راس هؤلاء الناظر ترك، الذي اغلق ميناء بورتسودان لاسقاط حكومة الثورة، مستندا الى دعم مباشر من مجرم الحرب البرهان، الذي سخر الجيش لحمايته وتحقيق اهداف الاغلاق. هذه المؤامرة لم تكن محلية فقط، بل شاركت فيها اطراف داخلية وخارجية لها مصلحة في اجهاض مسار الانتقال الديمقراطي، بهدف ابقاء السودان عالقا في فخ عدم الاستقرار والتطور. ولعب الكيزان بقادة حركات الارتزاق بعد ان اغروهم بالمناصب والمال، فحولوهم بين ليلة وضحاها من رافعي شعارات العدالة والمساواة والتحرير الى طلاب سلطة وثروة. بل ذهبوا ابعد من ذلك، فحولوهم الى اعداء للثورة واهدافها، وتبنى هؤلاء خطاب الكيزان نفسه، واتهموا الثوار بالخيانة والعمالة. استغل الكيزان جهل وانتهازية قادة حركات الارتزاق لتصفية حساباتهم مع قوات الدعم السريع وحواضنها من ابناء وبنات السودان المؤمنين باهداف ثورة ديسمبر الخالدة في نفوس وعقول السودانيين والسودانيات. ثورة ديسمبر التي قدمت السودان للعالم في أبهى صوره ومعانيه.ثورة سلمية ضد القتلة الحرامية. ثورة هتف ثوارها وثائراتها من قلب الخرطوم : "يا عنصري يا مغرور، كل البلد دارفور." لكن قادة حركات الارتزاق جعلوا من الثورة فرصة للتحالف مع النظام ذاته الذي قامت الثورة ضده. حقا إنها مفارقة عجيبة ومؤلمة.
ما فات على الطرفين، الكيزان وقادة حركات الارتزاق، ان الثورة ما زالت حية، وان قوات الدعم السريع أصبحت نواة لتحالف التأسيس الذي جمع كل القوى المتضررة من بنية الدولة القديمة في مشروع واحد يسعى لاعادة بناء السودان على أسس جديدة، تفضي الى دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية علمانية. كلمة أخيرة، مهما فعل الكيزان وقادة حركات الارتزاق وداعميه من اعداء السودان، فشمس الحرية قادرة على كشف كل ما تخفيه خيوط العنكبوت.
الطيب الزين كاتب وباحث في قضايا القيادة والاصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة