السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال (1- 5) إضاءة على ثورة 19 ديسمبر 2018 (نشرت في مجلة كتابات سودانية، مركز الدراسات السودانية، العدد رقم: 58- أكتوبر/ نوفمبر 2019)
"عندما تشتعل الثورة من جديد في عقول الشعب فإنها تكون قد بدأت المرحلة الإيجابية.. وهذه في الحقيقة هي الثورة الكبرى. وواجب اشعالها يقع على أفراد الشعب عامة وعلى المثقفين بصفة خاصة، بتسليط الأضواء على الركود الفكري والتبعية العمياء للطائفية السياسية والطائفية الدينية التي يرسف في أغلالها أغلبية شعبنا". محمود محمد طه، 15 أكتوبر 1965
بقلم الدكتور عبدالله الفكي البشير
مدخل
تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على إرث السودان الثوري في دولة ما بعد الاستقلال مع التركيز على ثورة 19 ديسمبر 2018. لقد شهد السودان ثورتين شعبيتين، ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، ضد حكمين عسكريين، فضلاً عن الثورات المسلحة في جنوب السودان وغربه وشرقه. نجحت الثورتان الشعبيتان في اسقاط النظامين العسكريين، غير أنهما لم يحققا التغيير المنشود. اندلعت ثورة 19 ديسمبر 2018 ضد نظام حكم عسكري جاء بتخطيط ودعم من الجبهة الإسلامية القومية في السودان. تدثر النظام بثوب الإسلام السياسي، وسعى لإعادة صياغة الإنسان السوداني وتكييف حياته وفقاً لرؤيته وتوجهاته المنطلقة من الفهم المتخلف للإسلام. استطاعت ثورة 19 ديسمبر بعد (142) يوماً من الحراك الثوري المستمر، والمواجهة الشرسة أن تسقط النظام الأيديولوجي المستبد في نهار 11 أبريل 2019. ولكي ما تنهض الورقة بأغراضها، تهيكلت في المحاور الآتية: مدخل، ومجتمعات التعدد الثقافي عصية على إعادة الصياغة والتكييف، وقراءة في الإرث الثوري: ثورة أكتوبر 1965 وانتفاضة أبريل 1985، وثورة أكتوبر السودانية وحركة الحقوق المدنية في أمريكا، وانتفاضة أبريل ضد قوانين سبتمبر الجائرة (ما سمي بالشريعة الإسلامية)، وثورة 19 ديسمبر: ثورة العقول والوعي المتنامي، وثورة 19 ديسمبر والتاريخ الجديد للثورات الإنسانية، وثورة تحالف المهمشين المرأة والشباب، والمرأة السودانية وتجسيد الكنداكة في أفق جديد، والتضحية في سبيل الوطن تمنع الانتهازية في الممارسة السياسية، وثورة 19 ديسمبر وشهداء الحرية من الشباب اليافعين، وثورة 19 ديسمبر ضد الفهم المتخلف للإسلام، وثورة 19 ديسمبر وبعث قيم الشراكة والبناء الجماعي، وثورة 19 ديسمبر وأشواق السودنة واستكمال الاستقلال، وثورة 19 ديسمبر تبعث بمقولة الشعب السوداني معلم الشعوب، من هو أول من أطلق مقولة الشعب السوداني معلم الشعوب؟ ومتى كان ذلك؟، وتحديات ثورة 19 ديسمبر، وخاتمة، ثم الهوامش.
مجتمعات التعدد الثقافي عصية على إعادة الصياغة والتكييف
لا جدال في أن مجتمعات التعدد الثقافي، كما هو حال السودان، عصية على الانصياع لأنظمة الحكم الدكتاتوري، وعصية كذلك على الإدارة والانقياد لأنظمة الحكم الأيديولوجي التي تسعى لإعادة صياغة الإنسان وتكييفAdaptation حياته. كما أن تحقيق التعايش والبناء الجماعي والتنمية في مجتمعات التعدد الثقافي، لا يمكن أن يكون في ظل غياب الحقوق المستحقة: الديمقراطية والحرية والكرامة. فالسودان ينعم بتعدد ثقافي، من حيث الأصالة والقدم، لا مثيل له في العالم، سوى ربما الولايات المتحدة، بيد أنها لا تملك ادعاء أصالة تاريخ يعود إلى آلاف السنين. ظل السودان، وهو بهذا التعدد الثقافي الفريد، يعيش أزمة وطنية منذ أن عبَّر جنوبه من خلال تمرد توريت في 18 أغسطس 1955، نواة الكفاح المسلح، عن غياب التعايش وانعدام الثقة بين الشمال والجنوب. تبع ذلك أن تعمَّق غياب الثقة وتكشَّف انعدام التكافؤ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الشمال والجنوب. وما أن نال السودان استقلاله عام 1956 إلا وبدأت أقاليمه في الشرق والغرب، دارفور وكردفان، في التعبير المنظم عن المطالب بالحقوق. ففي أكتوبر 1958 شهدت مدينة بورتسودان انعقاد أول مؤتمر ذي صبغة جهوية، مؤتمر البجة، وهو يطالب بالحقوق ويشكو من أهمال المنطقة وسكانها. كانت هذه التحركات الإقليمية وتبعتها أُخر، قد حملت في داخلها، في ظل قصر النظر في التعاطي معها، بذور الأزمة الوطنية في السودان، وغدت الأزمة تتفاقم مع مرور كل يوم جديد. فمنذ استقلال السودان وحتى يوم الناس هذا، لم يجد التعدد الثقافي اعترافاً، دعك من الاحتفاء به، كما ظل دستور السودان منذ عام 1956 يؤكد تعميق وتعزيز التهميش اللغوي والديني. ودرجت أنظمة الحكم المتعاقبة في السودان، أمام تحديات التسوية الوطنية وانفجار الصراعات، على السعي لتحقيق التسوية الوطنية وبناء السلام عبر منهج توقيع اتفاقيات السلام الثنائية مع الحركات والجماعات. تجلى هذا المنهج في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، وفي توقيع اتفاقية السلام بأديس أبابا عام 1972، وفي اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وغيرها من الاتفاقيات. ولم يكن كل ذلك سوى تعبير فصيح عن الفشل في إدارة التعدد الثقافي. إن الفشل في إدارة التعدد، في ظل غياب الديمقراطية، وضعف الوعي وعدم الاعتراف به، وغياب الإستراتيجيات لإدارته، وعدم رسم السياسات الصحيحة للتعامل معه، كان ولا يزال سبباً جوهرياً في استمرار حالة الصراعات وعدم الاستقرار في السودان. بل تجاوز الأمر مرحلة الصراعات، التي كان يمكن تلافيها، إلى مرحلة أكثر تعقيداً، وهي مرحلة تقسيم السودان وتشظيه إلى دويلات. لقد اختارت شعوب جنوب السودان في الاستفتاء الذي أُعلنت نتيجته في السابع من فبراير 2011، خيار الانفصال وفضلته على الوحدة. إن انفصال جنوب السودان، هو المقدمة التي لها ما بعدها، محلياً وإقليمياً، إذ ليس هناك ضامن لعدم انفصال أقاليم أخرى من السودان. فسلسلة اتفاقيات السلام التي تم توقيعها، ما هي إلا ترميم لبناء متهالك، وتعبير فصيح عن الفشل، أقصى مراتب مصيرها الانهيار وأدناه الانفصال. ولهذا لم يكن أمام مجتمعات التعدد الثقافي، في ظل هذا الواقع، إلا الثورة الشعبية من أجل انتزاع الحقوق وإحداث التغيير الجذري والشامل. قراءة في الإرث الثوري: ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985
شهد السودان ثورتين شعبيتين، قبل اندلاع ثورة 19 ديسمبر المجيدة، فضلاً عن الثورة المسلحة في الجنوب التي بدأت مع ميلاد حركة الأنيانيا عام 1963، وانتهت مع توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم عادت ثانية بعد إعلان قوانين سبتمبر 1983، ما يعرف بقوانين الشريعة الإسلامية. أيضاً شهد غرب السودان- دارفور وكردفان منذ عام 1965 نشاطات عسكرية مثل قيام منظمة سوني، ثم جاء اندلاع الثورة المسلحة في دارفور عام 2003 وكذلك الثورة المسلحة في جبال النوبة في جنوب كردفان، إلى جانب ثورات عسكرية متفرقة في أوقات مختلفة في بعض أنحاء السودان. كانت الثورة الشعبية الأولى في 21 أكتوبر 1964، والثانية هي انتفاضة 6 أبريل 1985. اندلعت ثورة أكتوبر، بعد ثمانية أعوام من اعلان الاستقلال، وبعد ستة أعوام من الحكم العسكري الذي جاء بعد حكم ديمقراطي (1956- 1958) استهل به السودان صبح الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار. إن قيمة ثورة أكتوبر لا تكمن في كونها ثورة شعبية بيضاء عزلاء، نجحت، بحكم توق الشعب السوداني للديمقراطية والحرية، في تغيير حكم عسكري، فحسب؛ وإنما، كما يقول المفكر محمود محمد طه: في قوة اجماع الجماهير على إرادة التغيير، "إذ قد تم التغيير بالقوة بغير عنف". استطاعت الثورة أن تتخلص من حكم عسكري بدأ منذ يوم 17 نوفمبر 1958، بقيادة الفريق إبراهيم عبود (1897/ 1900- 1983)، في وقت شاعت فيه الانقلابات العسكرية في أوروبا، وأفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. بل اندلعت الثورة في وقت شهد وقوع الانقلاب العسكري في اليونان التي تعتبر موطن الديمقراطية، وباعث الديمقراطية في القرون الماضية. وظل اليونانيون تحت كاهل الحكم العسكري، برغم المحاولات المستمرة للتخلص منه، ولكنه ظل قابعاً، وقابضاً عليهم بيد من حديد. ولم يستطع الشعب اليوناني أن يستعيد الديمقراطية إلى أرضه، بثورة شعبية كما فعل الشعب السوداني.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة