"تور الكيزان وقع وكترن سكاكينو”… وحين سقط، لم تتبعثر السكاكين وحدها، بل انكشفت مذبحة كاملة أُديرت في الظلام، وخرجت إلى العلن خرائط الدم والخراب التي جرى بيعها للشعب السوداني لعقود تحت شعار كاذب اسمه “المشروع الحضاري”. لم يكن ذلك المشروع وهماً أخفق، بل جريمة نجحت بإتقان؛ إذ جرى اختطاف الدولة وتحويلها إلى مزرعة تنظيمية مغلقة، وتدجين الفساد حتى صار قانون الحكم، لا انحرافاً عنه، وإنشاء معامل للكراهية - " شعبة أمن القبائل" - صُنعت فيها حروب داخلية متوالدة، لا تهدأ إلا لتلد غيرها. وبوعي إجرامي رُسمت حدود مثلث حمدي تمهيداً لتفكيك البلاد إلى شظايا وانفصالات قادمة، فيما اكتمل المشهد الدرامي بتدمير ممنهج وشامل لكل المشاريع القومية العامة، بوصفه التوقيع الأخير على شهادة اغتيال الوطن.
وفي ذروة هذا النجاح المسموم، تم فصل جنوب السودان عن سابق تصميم وتعمد، فانكشفت هشاشة الاقتصاد، وانهارت ركائز الدولة، ودُفع الوطن إلى حافة التفكك. وما زال سجل هذا المشروع مثقلاً بالموبقات والرزايا، بلا اعتذار ولا مراجعة ولا مساءلة. أما آخر حصاده الكارثي، فهو هشيم هذه الحرب اللعينة التي أشعلها حملة راية المشروع بأيديهم - لتمزيق ملف "الاطاري مقطوع الطاري" - ، وما تزال تحصد أرواح الأبرياء، وتلتهم ما تبقّى من وطن أنهكته الأكاذيب البلقاء، وأتعبته الدماء، وخانته نخبة فاسدة في نفسها مفسدة لغيرها جعلت من الخراب عقيدة ومن الدين ستاراً.
الكيزان لم يكونوا خطأً سياسياً عابراً، ولا تياراً أُسيء فهمه، بل تنظيماً عقائدياً مغلقاً بنى وجوده على اغتصاب الدين والمتاجرة به، وتخريب الدولة، وتحويل المجتمع إلى حقل تجارب للقمع الممنهج. فمنذ استيلائهم على السلطة في ليلة ظلماء غاب بدرها، لم يحكموا السودان ببرنامج وطني، بل بعقيدة إقصائية ترى الشعب قطيعاً، والوطن غنيمة، والدين ترخيصاً مفتوحاً للقتل والسحل والاغتصاب، والتعذيب في زنازين سميت بيوت أشباح، تجاورها سجون فيها دم أبناء وبنات الشعب السوداني مسفوح ومباح.
في حقبة “الجراد الملتحي”، لم تُرتكب الجرائم صدفة، بل نُفِّذت كسياسة دولة. جرى فيها تفكيك مؤسسات العدالة، تسييس القضاء، تدجين الإعلام، تدمير مؤسسة الشرطة وتسليح الكراهية لتغذية العنصرية لتكريس سياسة فرق تسد. كان المطلوب إنساناً بلا ذاكرة، بلا سؤال، بلا حق في الشك. إنساناً يُصفّق وهو يُجلَد، ويُكبّر وهو يُنهَب، ويصمت وهو يُباد. يُهان وهو يبتسم.
وفي خاتمة الانهيار وبداية نهاية دولة بني كوز، جاء تقرير "سي أن أن" الاستقصائي المُصّور الذي وثّق مجازر ومذابح سكان الكنابي كصفعة أخلاقية مدوّية على وجه كل من حاول التخفيف أو التبرير لما لا يمكن تبريره. فلم تعد الجرائم روايات متضاربة، بل صوراً دامغة: استهداف مباشر للمدنيين، قتل على الهوية والسحنة والجهة، وانتهاكات تُذكّر بأسوأ نماذج التطهير العرقي. هذه ليست “أخطاء حرب”، بل جرائم مكتملة الأركان، تُدار بعقل بارد، وتُنفَّذ بروح انتقامية، وتُبرَّر بخطاب ديني فاسد، دين رفع السبابة والهتاف الذي يغيب ضجيجه العقل.
وقبل مأساة الكنابي، سبقتها اتهامات موثّقة باستخدام أسلحة محرّمة دولياً. وحين تصل جماعة سياسية متسربلة برداء الدين إلى هذه الدرجة من الاستهتار بالحياة الإنسانية، فإنها تكون قد خرجت نهائياً من أي إطار وطني أو أخلاقي. فالسلاح المحرّم لا يُستخدم دفاعاً عن وطن، بل ضد شعب يُنظر إليه كعدو داخلي تجب إبادته.
لذلك، فإن تصنيف الكيزان كمنظمة إرهابية ليس توصيفاً سياسياً متحيزاً، بل توصيفاً دقيقاً لطبيعة ممارساتهم التي تخاصم الفطرة السوية. فالإرهاب لا يبدأ بالقتل والتعذيب والقنابل السامة فقط، بل يبدأ حين يُختطف الوعي، وتُشرعن المجازر، ويُحوَّل الدين إلى أداة تعبئة للقتل، وتُدار الدولة بعقلية التنظيم السري التآمري لا بعقلية الحكم الرشيد.
والمفارقة الكاشفة، أن هذا التنظيم الإرهابي, بكل تاريخه الدموي، فشل فشلاً ذريعاً في استنهاض أو استنفار الشعب السوداني حين لاحت أمامه لحظة حقيقة النهاية المحتومة. نداءاتهم سقطت في الفراغ، وخطاباتهم ارتدّت عليهم، وشعاراتهم لم تعد تقنع حتى قواعدهم القديمة. لقد اكتشف السودانيون، بعد عقود من الألم والضياع، أن الكيزان لا يمثلون الدين، ولا الثورة، ولا الدولة، بل يمثلون أنفسهم الدنيئة فقط.
هذا الفشل الذي تجسد في شكل خيبات متتالية، لم يكن تكتيكياً، بل سقوطاً أخلاقياً شاملاً. فقد انقطعت آخر خيوط الشرعية المغتصبة بينهم وبين المجتمع السوداني. ولم يعد لهم سند شعبي، ولا غطاء أخلاقي، ولا قدرة على الادعاء بأنهم “حماة القيم والدين” أو “صوت الإسلام”. سقط القناع، وبقي الوجه العاري: وجه تنظيم معزول، مذعور يداري خيبات الانهيار الأخير الذي يسبق السقوط الشامل، فأصبح يعيش على ذاكرة القمع لا على مستقبل الوطن. وأخيرا اخترقت الحقيقة غبار التكهنات الكثيف وعرف الشعب من هم أعداءه الحقيقيين، ففرّ منهم كما يفر الصحيح من الأجرب.
إن إدانة الكيزان اليوم وتصنيفهم كتنظيم إرهابي ليست مسألة رأي، بل مسؤولية تاريخية. فالتسامح مع الجريمة هو إعادة إنتاج لها، والصمت على الإرهاب هو شراكة فيه. ولا يمكن للسودان أن ينهض ما لم يُغلق هذا الفصل بوضوح لا مجاملة فيه: فصل المتاجرة بالدين، وشرعنة القتل، وتحويل الدولة إلى أداة انتقام. لقد سقط التور، وكترت سكاكينو، لكن الأهم أن الشعب لم يعد هو الضحية الصامتة. لقد تعلّم، وتألم، وفتح عينيه. وما بعد هذا الانكشاف، لن يكون كما قبله فالشعب السوداني هو أحد أهم السكاكين التي سوف تُجهز على الثور "أنقرا ماينو". وتريح العالم من شروره.
إن الكيزان لم يُهزموا فقط عسكرياً أو سياسياً، واخلاقياً، بل هُزموا قيمياً. سقط مشروعهم الحضاري المزعوم لأنّه قام على الكذب والنفاق والتدليس، وتغذّى على الدم والحرمات وانتهاك الأعراض، واستند إلى تشويه الدين نفسه بدلاً من خدمته كما تقتضي أصوله. واليوم، وقد تكاثرت السكاكين بعد سقوط الثور، لم يعد السؤال: كيف حكموا؟ بل كيف سمحنا لهم أن يحكموا كل هذا الزمن؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة