2-2- النار في المرة القادمة: السودان بين إرث الرق، ورأس المال الرمزي للنخب، وضرورة التأسيس الجديد

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-19-2026, 05:21 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-23-2026, 04:17 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 336

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
2-2- النار في المرة القادمة: السودان بين إرث الرق، ورأس المال الرمزي للنخب، وضرورة التأسيس الجديد

    04:17 AM September, 22 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    22/9/2026 خالد كودي، بوسطن

    التعليم وإعادة إنتاج النخبة: من جامعة الخرطوم إلى منظومة التعليم العالي
    لا يمكن فهم تكوين النخبة السودانية من دون النظر إلى تاريخ التعليم الحديث نفسه: من أُتيح له التعليم، وأي معرفة تلقاها، ومن حُرم منه، وكيف تحولت الشهادة الجامعية لاحقاً إلى سلطة اجتماعية وسياسية ومعرفية. فالجامعة لم تكن مؤسسة محايدة خارج تاريخ السودان، بل نشأت وتطورت داخل بنية استعمارية ثم وطنية اتسمت بعدم التكافؤ بين المركز والأقاليم، وبين الطبقات والجماعات الثقافية المختلفة.
    Rebecca Glade تكشف دراسة المؤرخة ريبيكا غليد
    "شامة لن ترقص": السياسة في جامعة الخرطوم، 1964–1969
    (Shama Will Not Dance: University of Khartoum Politics, 1964–69)
    جانباً مهماً من هذه المسألة. فمن خلال واقعة " العاجكو" عام 1968، تبين غليد أن جامعة الخرطوم لم تكن مجرد مرآة للمجتمع، بل كانت أيضاً فضاءً مؤثراً في تشكيل السياسة الوطنية. وتوضح أن التعامل مع رقصات كردفان كشف تصورات استعلائية و"استغرابية" تجاه بعض مجتمعات الأقاليم التي كانت مهمشة سياسياً وضعيفة التمثيل داخل الجامعة. والمهم أن هذه النظرة لم تكن حكراً على تيار سياسي واحد، بل ظهرت داخل بيئة طلابية كانت تعيد، بدرجات مختلفة، إنتاج بعض الصور الاجتماعية السائدة خارج أسوار الجامعة.
    وهنا ينبغي أن يمتد النقد إلى نخبة جامعة الخرطوم نفسها. فقد خرجت الجامعة أجيالاً لعبت أدواراً مهمة في الإدارة والسياسة والطب والقانون والاقتصاد والثقافة والمعارضة، لكنها ساهمت أيضاً في إنتاج طبقة متعلمة امتلكت قدرة استثنائية على تعريف "القومي" و"الحديث" و"مشكلة السودان"- ولايزال بعضهم. ومن المشروع لذلك أن نسأل: إلى أي مدى عكست المعرفة التي أنتجتها الجامعة السودان بتعدده الفعلي؟ وأين كانت لغات وثقافات وتواريخ جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق والجنوب وشرق السودان داخل المناهج؟ ومن كان يدرس هذه المجتمعات، ومن كان يتحدث باسمها، وكم كان عدد أبنائها الذين استطاعوا الوصول إلى مواقع إنتاج المعرفة نفسها؟
    المشكلة، بهذا المعنى، ليست في أن جامعة الخرطوم لم تنتج مثقفين تقدميين؛ فقد أنتجت بالفعل معارضين وديمقراطيين ويساريين ونقابيين ومفكرين بارزين. المشكلة الأعمق هي أن التقدمية السياسية لا تلغي تلقائياً الامتياز الثقافي والاجتماعي. يستطيع المثقف أن يعارض الدكتاتورية، وفي الوقت نفسه يحمل تصورات موروثة عن المركز والهامش، أو يعتبر الثقافة العربية الإسلامية التعبير الطبيعي عن الهوية القومية، أو يتعامل مع مجتمعات الأطراف باعتبارها موضوعاً للدراسة والتنمية لا شريكاً متساوياً في إنتاج المعرفة وتعريف الدولة، كما نكرر.
    Heather Sharkey وتساعد أعمال هيذر شاركي
    ولا سيما
    Living with Colonialism:
    Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan
    Eve M. Troutt Powell وإيف تراوت باول
    A Different Shade of Colonialismفي
    إلى جانب الدراسات التي تناولت الهامش وتمثيلات جبال النوبة، على وضع التعليم داخل تاريخ أوسع من الاستعمار والرق والعنصرة وتكوين الهوية. فالمعرفة الحديثة في السودان لم تنشأ في فراغ؛ لقد تطورت داخل مجتمع كانت فيه السلطة والمكانة والوصول إلى التعليم موزعة بصورة شديدة التفاوت. ولذلك استطاعت بعض التصنيفات الاستعمارية للمجتمعات الأفريقية، باعتبارها "بدائية" أو متأخرة، أن تستمر بعد الاستقلال بصيغ جديدة، حتى داخل بعض مؤسسات الدولة والتعليم والخطاب الثقافي.
    من عدم تكافؤ الفرص إلى إعادة إنتاج الامتياز:
    لم تنته المشكلة بتوسع التعليم العالي. وتقول الكثير من الدراسات عن العدالة والوصول للتعليم في السودان
    (Equity and Access to Higher Education in Sudan)
    أن التوسع الهائل منذ التسعينيات لم يحل تلقائياً مشكلة عدم التكافؤ. فقد ارتفع عدد المؤسسات والطلاب بسرعة كبيرة، بينما برزت مشكلات في التمويل والجودة والبحث وفرص العمل، وظلت الخلفية الاقتصادية والإقليمية مؤثرة في نوع التعليم الذي يستطيع الطالب الوصول إليه.
    Enrico IIIe كما يوضح إنريكو إيله
    Political, Financial and Moral Aspects of Sudan’s Private Higher Educationفي
    أن وصف الجامعة بأنها "خاصة" أو "غير حكومية" لا يجعلها تلقائياً مستقلة عن علاقات المجتمع والاقتصاد والسياسة. فالجامعة الخاصة تعمل هي الأخرى داخل شبكات الطبقة والأسرة والسوق والتمويل والمكانة الاجتماعية
    Laura Mann وتضيف لورا مان
    في دراستها
    Wasta! The Long-term Implications of Education Expansion and Economic Liberalisation on Politics in Sudan
    بعداً مهماً: فالشهادة وحدها لا تحدد مسار الفرد؛ فشبكات العلاقات والوساطة والقدرة على الوصول إلى المؤسسات والعمل ظلت جزءاً من بنية الفرص. وترى مان أن سياسات التوسع في التعليم العالي والتحرير الاقتصادي في عهد الإسلاميين أعادت تشكيل أنماط الامتياز والمحسوبية بدلاً من إلغائها ببساطة.
    وهكذا تعمل إعادة إنتاج النخبة بصورة تراكمية: مدرسة أفضل، ولغة أقرب إلى لغة المؤسسة، وأسرة أقدر على تمويل التعليم، ثم جامعة وتخصص أكثر مكانة، ثم وظيفة وشبكة علاقات ومنبر إعلامي أو مهني. وما يبدو في النهاية تفوقاً فردياً خالصاً قد يحتوي أيضاً على تاريخ طويل من الفرص غير المتكافئة. وهنا يفيد مفهوم بيير بورديو
    عن الرأسمال الثقافي والاجتماعي والرمزي: فالامتياز لا ينتقل بالمال وحده، بل باللغة والشهادة والعلاقات والذوق والمعرفة والقدرة على جعل تجربة جماعة بعينها تبدو وكأنها التجربة الوطنية العامة.

    حين أصبحت الجامعة جزءاً من المشروع الأيديولوجي للدولة:
    بلغت المشكلة طوراً آخر بعد انقلاب 1989. فلم تعد المسألة مجرد تفاوت تاريخي في الوصول إلى الجامعة، بل أصبحت الجامعة نفسها ميداناً مباشراً لإعادة تشكيل المجتمع وفق مشروع السلطة. وتوثق الدراسات المتعلقة بسياسات ما اسموه ب"ثورة التعليم العالي" أن التسعينيات شهدت توسعاً سريعاً في الجامعات، بالتزامن مع تعريب وأسلمة المناهج وإعادة تنظيم مؤسسات التعليم العالي. وتذكر دراسة لورا مان أن المناهج تعرضت في أوائل التسعينيات للأسلمة والتعريب، بينما ارتفع عدد الجامعات الحكومية بصورة كبيرة خلال فترة قصيرة.
    وهنا ينبغي التمييز بين تعليم الدين بوصفه مجالاً معرفياً وبين تحويل الجامعة إلى أداة لإنتاج عقيدة الدولة. فالمشكلة ليست في الإسلام ولا في دراسة الفقه أو التاريخ الإسلامي، وإنما في إخضاع المعرفة لمعيار أيديولوجي مسبق، بحيث تحدد السلطة ما هو "إسلامي" وما هو مشروع معرفياً. وقد وثقت تقارير مبكرة إنشاء مؤسسات لـ"أسلمة المعرفة" في بداية التسعينيات، ومحاولات إدخال هذا التصور إلى التعليم العالي العام، بما أثار أسئلة مباشرة حول الحرية الأكاديمية ومكان غير المسلمين والمسلمين العلمانيين والتقاليد الفكرية الأخرى داخل الجامعة.
    وتدخل هنا جامعة امدرمان الإسلامية وغيرها من المؤسسات ذات المرجعية الإسلامية في دائرة النقد، ولكن النقد الأدق ليس اتهام كل خريجيها بالتطرف، وإنما مساءلة النموذج المعرفي الذي يجعل العقيدة مرجعية حاكمة لمجالات المعرفة والمجتمع والدولة. كما أن مشروع الإنقاذ لم يحصر الأسلمة في الجامعات الإسلامية؛ بل حاول تعميمها على منظومة التعليم العالي نفسها. وهذا أكثر خطورة، لأنه نقل المشروع من مؤسسة ذات هوية دينية معلنة إلى سياسة دولة تجاه المعرفة. وتوثق مصادر من أوائل التسعينيات هذا الاتجاه، بما في ذلك تقييد الوصول في بعض المؤسسات على أساس ديني وسياسات الأسلمة والتعريب الأوسع.
    ومن هنا يمكن نقد ما يمكن تسميته إنتاج التدين السياسي بدلاً من المعرفة النقدية. فالجامعة التي تلقن الطالب إجابات نهائية عن المجتمع والتاريخ والهوية بدلاً من تدريبه على السؤال والمقارنة والشك المنهجي وفحص الأدلة تضعف وظيفتها الجامعية، أياً كانت العقيدة التي تفعل ذلك باسمها. وحين تقترن المناهج المؤدلجة بنظام استبدادي، يصبح الخطر مضاعفاً: تتحول المعرفة من أداة لمساءلة السلطة إلى وسيلة لإضفاء الشرعية عليها.
    ولا يصح علمياً القول إن كل خريجي الجامعات الإسلامية أصبحوا أدوات للجهل أو العنصرية؛ فكثيرون منهم اتخذوا مسارات فكرية وسياسية مختلفة. لكن يمكن مساءلة الأثر البنيوي للمناهج والمؤسسات التي ضيقت التعدد المعرفي وربطت التعليم بمشروع سياسي ديني: هل أنتجت معرفة تساعد الطالب على فهم السودان بتعدده الديني واللغوي والإثني، أم رسخت تصوراً أحادياً لهويته؟ هل دربت الخريج على التفكير النقدي، أم على تلقي الإجابات المقررة؟ وهل قاومت الجامعة السلطة عندما تدخلت في المعرفة، أم خضعت لها وأسهم بعض منتسبيها وخريجيها لاحقاً في مؤسساتها السياسية والإدارية والأيديولوجية؟ هذه أسئلة أكثر دقة من الإدانة الجماعية، وأشد خطورة في نتائجها.

    الجامعة ليست مبنى: إنها سلطة على تعريف السودان:
    حتى المؤسسات ذات التاريخ التقدمي، مثل جامعة الأحفاد للبنات، أو الجامعات الأهلية والخاصة، لا تعمل خارج المجتمع. إنجازها في توسيع فرص التعليم مهم، لكنه لا يلغي السؤال عن الطبقة والإقليم واللغة والدخل وشبكات العلاقات التي تحدد من يستطيع الوصول إلى أي مؤسسة وأي تخصص. لذلك لا ينبغي توزيع تهمة العنصرية بالتساوي على الجامعات، بل دراسة السياسات والمناهج والقبول والتمثيل الاجتماعي وإنتاج المعرفة في كل مؤسسة على حدة
    وهنا يفتح كتاب المؤرخة نيكي كيندرسلي
    (Nicki Kindersley)، New Sudans: Wartime Intellectual Histories in Khartoum،
    نافذة مختلفة تماماً. فهي تكتب التاريخ الفكري للسودان من خلال العمال والنازحين الجنوبيين وغيرهم ممن عاشوا على أطراف الخرطوم خلال سنوات الحرب، وتتعامل مع تنظيمهم السياسي وأغانيهم وكتاباتهم وتعليمهم البديل وتفسيراتهم للحرية والسواد والمجتمع بوصفها إنتاجاً فكرياً، لا مجرد مادة يدرسها الأكاديمي القادم من المركز
    علي عقب: وهذا يقلب السؤال التقليدي رأساً
    من الذي منحناه تاريخياً لقب "المثقف"؟ لماذا أصبح الأستاذ الجامعي والخبير والكاتب منتجاً للمعرفة، بينما ظل العامل والنازح والمزارع واللاجئ وسكان مناطق الحرب "موضوعاً" للمعرفة؟ ومن الذي امتلك سلطة كتابة تاريخ السودان، وتعريف هويته، وتحديد مشكلاته، واقتراح مستقبله؟

    الجامعة وإعادة إنتاج النخبة: حين يصبح الامتياز غير مرئي:
    من هنا يصبح نقد جامعة الخرطوم ومنظومة التعليم العالي جزءاً من نقد أوسع لتكوين النخبة السودانية نفسها. فالشهادة لا تضع المثقف خارج التاريخ، كما أن إنتاج المعرفة لا يضع الجامعة خارج علاقات القوة. وقد يكون المثقف يسارياً أو ليبرالياً أو إسلامياً أو قومياً، بل معارضاً للاستبداد، ومع ذلك يحمل، بوعي أو من دونه، بعض التصورات والامتيازات التي تشكلت عبر تاريخ المركز والاستعمار والرق وعدم التكافؤ في التعليم. لذلك لا يكفي أن نسأل عن الموقف السياسي للمثقف؛ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: كيف تكوّن وعيه، ومن أين اكتسب أدواته في رؤية السودان وتعريف مشكلاته؟
    وهنا يصبح السؤال الأعمق ليس فقط: ماذا تعلمت النخبة السودانية؟ بل كيف تعلمت أن ترى السودان؟ فإذا كانت المناهج ومؤسسات التعليم قد منحت تاريخاً ولغة وثقافة بعينها موقعاً مركزياً، بينما دفعت تواريخ وثقافات أخرى إلى الهامش، فإنها لا تنقل المعرفة فحسب، بل تسهم أيضاً في تحديد ما يُعترف به بوصفه معرفة، ومن يُعترف به بوصفه منتجاً لها. ومن هذا المنظور يمكن أيضاً نقد أسلمة المعرفة وتعريب التعليم وتسييس المناهج حين تحولت من خيارات معرفية قابلة للنقاش إلى أدوات لفرض تصور أيديولوجي للدولة والمجتمع وتقليص التعدد والاستقلال الأكاديمي.
    لذلك لا يكون إصلاح التعليم بمجرد زيادة عدد الجامعات أو توسيع القبول، بل بمراجعة بنية المعرفة نفسها: المناهج، واللغات، والتاريخ الذي يُدرَّس، والتمثيل الاجتماعي والإقليمي، واستقلال الجامعة عن السلطة السياسية والأيديولوجية، والاعتراف بتعدد مصادر المعرفة السودانية. فالسؤال ليس فقط من دخل الجامعة، وإنما أيضاً: من امتلك داخلها سلطة تعريف السودان، ومن بقي موضوعاً للدراسة أكثر منه شريكاً في إنتاج المعرفة؟

    حين يصبح الامتياز غير مرئي لصاحبه:
    ولا يعني الحديث عن الامتياز أن كل فرد من الجماعات الأكثر حضوراً في مؤسسات المركز غني أو صاحب سلطة. فقد يكون الإنسان فقيراً أو مهمشاً اقتصادياً، لكنه يتمتع في الوقت نفسه برأسمال ثقافي أو لغوي أو رمزي يمنحه قرباً أكبر من لغة المؤسسة وثقافتها وشبكاتها. فالسلطة متعددة الأبعاد، والحرمان الاقتصادي لا يلغي بالضرورة أشكالاً أخرى من الامتياز.
    وهنا تفيد المقاربة التقاطعية؛ فالطبقة والإثنية والنوع الاجتماعي والدين والمنطقة واللغة والتعليم لا تعمل منفصلة، بل تتقاطع في تحديد موقع الإنسان داخل بنية السلطة. ولذلك قد يكون الفرد مهمشاً في مستوى، ومتمتعاً بامتياز نسبي في مستوى آخر. وهذه المقاربة أكثر دقة من تقسيم المجتمع ببساطة إلى مهيمنين ومهمشين ثابتين.
    وبالمعنى نفسه، لا ينبغي اختزال المركز والهامش في الجغرافيا. فالمركز ليس الخرطوم وحدها، والهامش ليس كل ما يقع بعيداً عنها؛ فالمركز أيضاً بنية للسلطة والمعرفة تحدد أي لغة تبدو قومية، وأي تاريخ يصبح تاريخ السودان، ومن يمتلك شرعية الحديث باسم الوطن. ولهذا يمكن أن تنتقل علاقات المركز إلى الجامعة والمنفى والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام، حتى عندما يغادر أصحابها السودان نفسه.
    وهنا يصبح الامتياز أكثر رسوخاً عندما يتحول من موقع تاريخي إلى أمر يبدو طبيعياً لصاحبه. فحين يرى المثقف شهادته ولغته ومكانته ومنبره باعتبارها ثمرة الجدارة الفردية وحدها، قد تختفي من رؤيته البنية التي جعلت طريقه إلى المعرفة والمؤسسة أقصر من طريق غيره. ولهذا قد يغادر الإنسان الخرطوم جغرافياً، بينما تبقى "الخرطوم المتخيلة" حاضرة في وعيه: في ترتيب الثقافات، وفي تعريف المعرفة، وفي تحديد من يتحدث ومن يُتحدث عنه، ومن يحتل المركز ومن يُعاد دفعه إلى الهامش.
    ومن هنا يصبح السؤال النقدي الأخير: من كان في القاعة عندما جرى تعريف السودان، ومن كان غائباً عنها؟ من كتب التاريخ، ومن أصبح موضوعاً فيه؟ ومن امتلك الجامعة والشهادة والمنبر اللذين جعلا رؤيته الجزئية تبدو كأنها رؤية الوطن كله؟ هذه ليست أسئلة عن التعليم وحده، بل عن علاقة المعرفة بالسلطة، وعن نوع النخبة التي أنتجتها الدولة، وعن المعرفة الجديدة اللازمة لبناء دولة يستطيع جميع السودانيين أن يكونوا فيها منتجين لتعريف الوطن، لا مجرد موضوعات لتعريف الآخرين.

    من يملك حق إنتاج المعرفة عن السودان؟
    ربما يكون أخطر أشكال رأس المال الرمزي هو احتكار المعرفة.
    فعندما تنتج جماعات جبال النوبة أو النيل الأزرق أو دارفور أو شرق السودان أفكاراً عن المواطنة والعلمانية والعدالة التاريخية وإعادة توزيع السلطة، يمكن أن يحدث شيء بالغ الدلالة: بدلاً من التعامل معها باعتبارها إنتاجاً فكرياً وطنياً، يعاد تصنيفها باعتبارها "مطالب الهامش".
    لكن عندما يعيد مثقف من المركز صياغة الأفكار نفسها بلغة أكاديمية، يمكن أن تصبح فجأة "رؤية وطنية".
    هذه ليست مسألة أسلوب لغوي فقط. إنها سؤال عن من يمتلك سلطة تحويل التجربة إلى معرفة.
    وهنا يلتقي بالدوين مع فرانز فانون وغرامشي وإدوارد سعيد وباولو فريري: الهيمنة لا تستمر بالقوة العسكرية وحدها؛ إنها تحتاج إلى إنتاج المعرفة التي تجعل ترتيب العالم القائم يبدو طبيعياً وعقلانياً.
    ومن ثم، فالصراع حول السودان ليس فقط صراعاً على القصر الجمهوري أو الجيش أو الموارد. إنه أيضاً صراع على من يملك حق تعريف السودان نفسه.

    عندما يتحول الهامش من موضوع إلى صاحب نظرية:
    يمكن فهم مشروع السودان الجديد بأعمق من كونه برنامجاً سياسياً نشأ في مناطق حملت السلاح ضد الدولة؛ فهو أيضاً نقدٌ للدولة السودانية كما تشكلت تاريخياً، صادر من مجتمعات عاشت نتائج اختلالها مباشرة.
    من هذا المنظور، لا يعود الهامش مجرد ضحية تنتظر من المركز أن يمنحها مزيداً من الحقوق أو نصيباً أكبر من السلطة والثروة، بل يصبح منتجاً لرؤية سياسية ومعرفية تعيد مساءلة الدولة نفسها: من منح المركز حق تعريف السودان، وتحديد هويته، وتوزيع موارده، وتقرير من يكون في المركز ومن يبقى في الهامش؟
    وهنا يحدث التحول الجوهري: من المطالبة بحصة أكبر داخل الدولة القديمة إلى المطالبة بإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة. أي الانتقال من سياسة الاستيعاب إلى سياسة التأسيس، ومن سؤال: كم سيمنح المركز للهامش؟ إلى سؤال أسبق: بأي حق احتكر المركز سلطة المنح والتوزيع أصلاً؟

    العدالة الانتقالية لا تكفي: من المحاسبة إلى العدالة التاريخية:
    لا غنى عن العدالة الانتقالية في السودان: محاسبة المسؤولين عن القتل والاغتصاب والتعذيب والتهجير والقصف والنهب، وجبر ضرر الضحايا، وفق معايير قانونية واحدة لا تستثني أحداً بسبب موقعه السياسي أو العسكري. لكن العدالة الانتقالية تصبح محدودة إذا توقفت عند سؤال: من ارتكب الجريمة الأخيرة؟ من دون أن تسأل: ما البنية التاريخية التي جعلت السودان يعيد إنتاج الحروب والضحايا جيلاً بعد جيل؟
    هنا تبدأ العدالة التاريخية. فهي لا تلغي المسؤولية الجنائية الفردية، بل توسع مجال النظر من الجريمة إلى الشروط التي جعلتها ممكنة: كيف توزعت الأرض والثروة والسلطة والتعليم؟ من امتلك مؤسسات الدولة والمعرفة؟ وكيف استمرت آثار الاسترقاق والاستعمار والتهميش وعدم المساواة بعد زوال أنظمتها القانونية المباشرة؟
    وهذا قريب من المنطق الذي تقوم عليه حركة التعويضات والعدالة التعويضية
    (Reparations Movement / Reparatory Justice Movement)
    في الولايات المتحدة والكاريبي وأماكن أخرى. فهذه الحركة لا تختزل التعويض في دفع أموال لأفراد بسبب جرائم ارتكبها أجداد أفراد آخرين، بل تنطلق من أن المظالم التاريخية قد تترك آثاراً مادية ومؤسسية متوارثة تستمر بعد رحيل مرتكبيها وضحاياها المباشرين. ولهذا تشمل برامج العدالة التعويضية المطروحة الاعتراف والاعتذار، والتعليم، وإعادة التأهيل، والاستثمار في المجتمعات المتضررة، ومعالجة الاختلالات المتراكمة في الثروة والصحة والتنمية والمؤسسات. وتقدم لجنة التعويضات في الجماعة الكاريبية
    (CARICOM Reparations Commission)
    مثالاً واضحاً لهذا الفهم الواسع للعدالة التعويضية.
    ومن هنا فـالعدالة التاريخية ليست عقاباً جماعياً ولا توريثاً للذنب. الذنب الجنائي فردي، ولا يتحمل الأبناء قانونياً جرائم الآباء؛ لكن المجتمعات قد ترث نتائج الظلم حتى عندما لا يرث أفرادها المسؤولية عنه. وهذا هو الفارق الجوهري: لا نورّث الجريمة، لكن قد نرث آثارها؛ ولا نطالب بمعاقبة الأحفاد، بل بمعالجة البنى والاختلالات التي أبقاها التاريخ حاضرة في حياة الأحياء. وهذا المنطق نفسه حاضر في النقاش العالمي المعاصر حول العدالة التعويضية عن الاسترقاق والاستعمار وآثارهما المستمرة.

    السودان الجديد: من اقتسام الدولة القديمة إلى إعادة تأسيسها:
    هنا تتضح الأهمية الفكرية لمشروع السودان الجديد، بعيداً عن تقييم أي تنظيم سياسي أو عسكري بعينه. فمبادئه ـ المواطنة المتساوية، وعلمانية الدولة، والاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي، واللامركزية، والمساواة أمام القانون، وعدم التمييز، وإعادة بناء المؤسسات القومية، والعدالة التاريخية ـ لا تطالب فقط بنصيب أكبر داخل الدولة القائمة، بل تطرح سؤالاً عن طبيعة الدولة نفسها.
    فالمشكلة ليست في فتح أبواب الدولة القديمة لمن استُبعدوا منها، إذا كانت بنيتها نفسها قد قامت على تفاوت المواطنة والسلطة والاعتراف. لذلك ينتقل السؤال من "من يحكم؟" إلى "ما الدولة التي سيحكمها أي شخص؟"؛ أي من تغيير الحاكم إلى تغيير القواعد التي تنتج الحكم وتوزع الحقوق والسلطة.
    وبهذا المعنى، لا يقدم السودان الجديد "تنازلات للهامش"، بل يقترح إعادة تأسيس الوطن بحيث تكون المواطنة قبل النسب، والحقوق متساوية بصرف النظر عن الهوية، والتعدد بديلاً عن احتكار تعريف الدولة؛ أي دولة لا يحتاج فيها أحد إلى أن يكون هامشاً أصلاً.

    النار القادمة ليست حتمية:
    في نهاية كتابه يعود بالدوين إلى الصورة التي منحت الكتاب عنوانه: بعد الماء، قد تأتي النار.
    لكن قوة الاستعارة ليست في التهديد. إنها في التحذير من الاعتقاد بأن التاريخ الذي لم يُحل قد اختفى. وهذا ربما هو الدرس الأكثر إلحاحاً للسودان!!
    يمكن إنهاء حرب باتفاق سياسي، ويمكن تشكيل حكومة جديدة، ويمكن توزيع الوزارات والمقاعد، ويمكن تغيير أسماء المؤسسات. لكن إذا بقيت البنية التي تقرر من هو السوداني "الأكثر أصالة"، ومن ثقافته هي الثقافة الوطنية، ومن لغته هي اللغة الطبيعية للدولة، ومن تجربته تحتاج إلى ترجمة، ومن يملك رأس المال الرمزي الذي يسمح له بالتحدث باسم الجميع، فإن الحرب تكون قد توقفت عسكرياً دون أن تنتهي تاريخياً.
    ولذلك لا ينبغي أن تكون غاية السودان الجديد أن ينتصر الهامش على المركز، أو أن يستبدل تفوقاً بتفوق مضاد. فذلك، بلغة بالدوين، سيعيد إنتاج المرض نفسه بأسماء جديدة.
    المهمة الأعمق هي إلغاء الشروط التي أنتجت المركز والهامش كترتيب للكرامة والسلطة.
    وهنا تلتقي المحاسبة بالعدالة التاريخية: محاسبة محددة على الجرائم، وجبر للضرر، واعتراف بالضحايا، واستعادة للذاكرة، وإصلاح للمؤسسات؛ وفي الوقت نفسه مراجعة تاريخ تكوين الدولة، والتعليم، والأرض، والثروة، واللغة، والثقافة، والتمثيل، وإنتاج المعرفة.
    عندها فقط يصبح "السودان الجديد" اسماً ليس لانتصار جماعة على أخرى، وإنما لعقد تأسيسي جديد: دولة لا تطلب من النوباوي أو الفوراوي أو البجاوي أو الفونجاوي أو النوبي أو أي سوداني آخر أن يتخلى عن جزء من ذاته كي يصبح مواطناً كاملاً، ولا تمنح إنساناً قيمة إضافية بسبب نسب أو ثقافة أو لغة أو مركز اجتماعي موروث.
    وهنا تكمن عبقرية السؤال الذي تركه بالدوين مفتوحاً: التحرر الحقيقي لا يحدث عندما يتعلم المضطهد كيف يعيش داخل النظام الذي اضطهده، وإنما عندما يكتشف المجتمع كله أنه يستطيع أن يعيش من دون ذلك النظام.
    وبهذا المعنى، فإن التحدي السوداني ليس العودة إلى السودان الذي كان قبل الحرب. فذلك السودان هو أيضاً الذي أنتج، عبر تاريخ طويل ومعقد، شروط حروبه المتكررة. التحدي هو أن تتحول الكارثة إلى لحظة تأسيس دستوري وأخلاقي: لا تمحو التاريخ ولا تورّث الذنب، لكنها ترفض توريث الامتياز؛ لا تستبدل مركزاً بمركز، بل تفكك الحاجة إلى المركز؛ ولا تجعل العدالة انتقاماً من الماضي، بل تجعل معرفة الماضي أساساً لبناء دولة لا تحتاج إلى إعادة إنتاجه.
    تلك، في القراءة السودانية لـ "النار في المرة القادمة"، هي المسافة بين إطفاء الحرب وبناء السلام، وبين ترميم السودان القديم وتأسيس السودان الجديد.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de