2-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 03-16-2026, 11:34 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
03-11-2026, 04:14 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 236

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
2-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها كتبه خالد كودي

    04:14 AM March, 10 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    2-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها

    10/2/2026 خالد كودي، بوسطن

    قراءة أخلاقية–تاريخية في تجربة السودان منذ 30 يونيو 1989

    رابعًا: المفارقة الأخلاقية في خطاب النخب
    مع تصاعد الحرب في السودان، برز خطاب سياسي وإعلامي يميل إلى شيطنة جيل كامل من الشباب الذين انخرطوا في الاجسام المسلحة في الهامش بما فيها قوات الدعم السريع، كما لو أن هذا الانخراط كان تعبيرًا محضًا عن اختيار أخلاقي فردي، أو عن ميل جوهري إلى العنف، أو عن طبيعة اجتماعية منحرفة قائمة بذاتها. غير أن هذا الخطاب، في صيغته التبسيطية والأخلاقوية، يتجاهل السؤال الأهم: ما الشروط الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي صنعت هذه الخيارات أصلًا؟ مثلا، الشاب الذي التحق بالدعم السريع في دارفور أو كردفان أو بعض مناطق الشرق لم يأتِ، في كثير من الحالات، من فضاء تتوافر فيه بدائل مستقرة من التعليم الجيد، أو فرص العمل النظامي، أو الحماية الاجتماعية، أو إمكانات الحراك الطبقي والمدني. بل أتى من بيئات تشكلت تحت ضغط التهميش التاريخي، وضعف الدولة الخدمية، وانسداد أفق الترقي الاجتماعي، وتآكل الاقتصاد المحلي، وتكرار العنف بوصفه بنية حياة لا حادثة استثنائية. وفي مثل هذه السياقات لا يصبح حمل السلاح مجرد قرار فردي معزول، بل يتحول إلى أحد المسارات المحدودة المتاحة للبقاء الاقتصادي، أو للحماية، أو لاكتساب مكانة اجتماعية في عالم أُغلقت فيه الأبواب الأخرى، أو لم تُفتح أصلًا.
    وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية التي يتجنبها كثير من خطاب النخب أو يعجز عن رؤيتها. فعدد كبير من أبناء المدن، وخاصة أولئك الذين أُتيحت لهم فرص التعليم الثانوي والجامعي، مروا هم أيضًا عبر مؤسسات التعبئة العسكرية للدولة، لا سيما خلال فترة الإنقاذ، من خلال الخدمة الوطنية الإلزامية، أو عبر الاستنفار الجهادي المرتبط بالجامعات والمعاهد العليا. صحيح أن المسارين ليسا متماثلين تمامًا من حيث الشكل والتنظيم والخلفية الطبقية والجهوية، لكنهما يلتقيان في البنية العميقة نفسها: دولة تستخدم الشباب وقودًا لمشروعاتها الحربية، وتعيد توزيع فرص الحياة والموت على أسس غير عادلة. فالذي أُخذ من الجامعة، أو من بوابة الشهادة السودانية، إلى معسكرات الخدمة الوطنية كان يُساق هو الآخر إلى منطق الحرب والتعبئة والانتهاكات، وإن كان يعود في كثير من الأحيان إلى المدينة حاملًا شهادة، أو فرصة وظيفة، أو قابلية للاندماج مجددًا في المجتمع. أما الشاب الذي التحق بقوة شبه عسكرية او مليشيا في الهامش، فغالبًا ما كان دخوله إلى السلاح جزءًا من اقتصاد النجاة ذاته: لا جامعة تنتظره بعد انتهاء الخدمة، ولا سوق عمل نظامية تستوعبه، ولا دولة مدنية تضمن له الانتقال من الحرب إلى الحياة.
    ومن هنا فإن التشابه بين النموذجين أعمق بكثير مما تعترف به النخب، بل ربما أعمق مما تسمح به بنيتها الذهنية ذاتها. كما أن الاختلاف بينهما ليس، في المقام الأول، اختلافًا أخلاقيًا، بل اختلاف في الموقع داخل بنية التهميش وفي شكل العلاقة مع الدولة. فابن المدينة الذي أدى الخدمة الإلزامية أو جرى استنفاره عسكريًا كان، في الغالب، يتحرك داخل منظومة لا تزال تمنحه بعد انتهاء الخدمة أفقًا للعودة إلى المجتمع: جامعة، شهادة، شبكة أسرية مستقرة نسبيًا، رأس مال اجتماعي، ومكان ممكن داخل اقتصاد المركز. أما ابن الهامش الذي جُنِّد في الدعم السريع أو في غيره من التشكيلات المسلحة، فقد دخل الحرب من موقع مغاير تمامًا: موقع من لم يكن له أصلًا مسار مدني واضح يعود إليه. ولذلك فإن الخدمة بالنسبة للأول كانت، في كثير من الأحيان، انقطاعًا مؤقتًا في مسار اجتماعي قائم، بينما كانت بالنسبة للثاني تحولًا بنيويًا في مسار الحياة ذاته. الأول يعود، في الأغلب، إلى المجتمع بوصفه "طالبًا سابقًا"، أو "خريجًا"، أو "موظفًا محتملًا"، أما الثاني فيعود—إن عاد—محمّلًا بوصمة السلاح، ومنقطعًا عن فرص التعليم، ومندمجًا في اقتصاد الحرب أكثر من اندماجه في أي اقتصاد مدني، وموسومًا منذ البداية بوصف "المجرم" أو "الخطر" أو "المنحرف".
    وهذا الفارق يفسر أيضًا التباين العميق في المردود الاجتماعي للتجربتين. فأبناء النخب أو الشرائح الحضرية الذين مروا عبر الخدمة الإلزامية كثيرًا ما أتيح لهم، بعد انتهاء الفترة العسكرية، أن يستعيدوا مواقعهم داخل المجتمع من دون وصمة دائمة؛ بل إن بعضهم حوّل تلك المرحلة إلى جزء من السيرة الوطنية أو الدينية أو الذكورية المقبولة اجتماعيًا، أو إلى تجربة شبابية عابرة يمكن إعادة تأويلها لاحقًا بمرونة، أو حتى إنكارها ضمنيًا من دون كلفة اجتماعية كبيرة. أما شباب الهامش الذين انخرطوا في التشكيلات المسلحة، فإن المجتمع نفسه—وخاصة خطاب المركز—غالبًا ما يثبتهم في صورة واحدة جامدة: صورة المقاتل، أو "الجنجويدي"، أو المنحرف، أو الخطر الأخلاقي الدائم. وبذلك لا يكتفي المركز بإنتاج شروط تجنيدهم، بل يحتكر أيضًا حق تعريفهم بعد التجنيد، ويحرمهم من إمكان العودة الرمزية والاجتماعية إلى صفة "المواطن العادي". فالوصمة هنا ليست عرضًا جانبيًا، بل جزء من آلية الهيمنة نفسها: المركز يصنع الشروط التي تدفع إلى حمل السلاح، ثم ينزع عن حامله—إذا جاء من الهامش—حق التعقيد الإنساني، وحق السيرة البديلة، وحق العودة!
    إن المفارقة الأخلاقية في خطاب جزء معتبر من النخب السودانية لا تكمن، إذن، في إدانة العنف في حد ذاته، بل في انتقائية هذه الإدانة ومعاييرها المزدوجة. فحين حمل أبناء المدن السلاح تحت راية الدولة خلال سنوات حكم الإنقاذ—عبر الخدمة الوطنية الإلزامية أو عبر التعبئة الطلابية التي قادت آلاف الشباب إلى جبهات القتال—قُدِّم ذلك في الخطاب العام بوصفه "واجبًا وطنيًا"، أو استجابة لظرف سياسي استثنائي، أو تجربة يمكن تجاوزها مع الزمن، أو خطأً عابرًا لا يستدعي مساءلة جذرية. غير أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها: أن تلك الحروب نفسها شهدت انتهاكات واسعة من قتل وتشريد واعتداءات على المدنيين في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق، وهي الانتهاكات ذاتها التي يجري اليوم إدانتها، بحق، حين تصدر عن تشكيلات مسلحة أخرى مثل الدعم السريع. بمعنى آخر: ما يُدان اليوم بوصفه جريمة مطلقة حين يصدر عن أبناء الهامش، جرى بالأمس تطبيعه، أو تبريره، أو تذويبه في لغة الدولة والوطن والواجب حين صدر عن أبناء المركز أو تحت راية المؤسسة التي يعترف بها المركز.
    وفي المقابل، حين يحمل شباب الهامش السلاح خارج المؤسسة العسكرية التي يعترف بها المركز، يُقرأ فعلهم فورًا بوصفه دليلًا على انحطاط أخلاقي متأصل، أو تجسيدًا للجريمة المطلقة، أو علامة على نقص إنساني في التكوين الاجتماعي والثقافي. وهكذا تتحول الإدانة من نقد للعنف بوصفه ظاهرة سياسية واجتماعية إلى حكم أخلاقي انتقائي يُسقط المسؤولية على فئة اجتماعية بعينها، بينما يُعاد تأويل عنف فئة أخرى بوصفه ضرورة تاريخية، أو نتيجة ظرف، أو خطأً يمكن تجاوزه، أو حتى إنكاره كما يحدث الآن في كثير من السرديات النخبوية عن حروب الدولة السابقة. وهذا ليس فرقًا في المبدأ، بل فرق في من يُمنح حق التعقيد ومن يُختزل إلى جوهر إجرامي.

    إن هذه الازدواجية لا تعكس معيارًا موضوعيًا للعدالة، بل تعيد إنتاج البنية الرمزية للتهميش نفسها. فهي نظرة ترى في عنف الدولة قابلية دائمة للتبرير، وفي عنف الأطراف قابلية دائمة للتجريم، رغم أن الطرفين كثيرًا ما تشكّلا داخل البنية السياسية ذاتها: بنية دولة فشلت في توزيع التعليم والفرص والعمل والحماية، ثم أعادت توزيع السلاح بوصفه أحد المسارات القليلة المتاحة أمام أجيال من الشباب. وفي ظل هذه البنية يصبح العنف—مهما اختلفت راياته وشعاراته ومؤسساته—نتاجًا اجتماعيًا وسياسيًا مشتركًا، لا خطيئةً أخلاقية تخص فئة دون أخرى. وهذا لا يعني بالطبع إلغاء الفوارق بين التكوينات المسلحة أو إنكار تفاوت المسؤوليات أو تبرئة الجرائم، وإنما يعني أن الفهم الأخلاقي الجاد لا يبدأ من "تصنيف الناس بحسب مواقعهم".

    خامسًا: انتقال الحرب إلى بيوت المركز وتحوّل الوعي
    لأكثر من نصف قرن ظلت الحروب في السودان تدور، في معظمها، بعيدًا عن المركز الجغرافي والسياسي للدولة. فقد اندلعت النزاعات في الجنوب، ثم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، بينما بقيت مدن الوسط والشمال النيلي خارج التجربة المباشرة للعنف. وبذلك تحولت تلك الحروب، بالنسبة لكثير من سكان المركز، إلى أحداث تُتابَع عبر الإعلام أو تُناقَش سياسيًا، دون أن تُعاش بوصفها تجربة تمسّ الحياة اليومية والذاكرة الشخصية. ورغم أن القرارات التي أدارت تلك الحروب صيغت في المركز نفسه، فإن كلفتها البشرية والمادية ظلت مركزة في الأطراف.
    غير أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع غيّرت هذه المعادلة؛ إذ انتقل العنف إلى قلب العاصمة ومدن الوسط، وتحولت الخرطوم والجزيرة إلى ساحات قتال ونزوح ودمار. وللمرة الأولى اختبرت شرائح واسعة من سكان المركز التجربة نفسها التي عاشتها مجتمعات الأطراف لعقود: فقدان المنازل، انقطاع الخدمات، والنزوح القسري. وقد عبّر الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي عن هذه المفارقة بقوله: "المأساة لا تصبح مرئية في نظر النخب إلا حين تصل إلى أبوابها. " لكن هذه التجربة الجديدة، على قسوتها، أفرزت أيضًا ردود فعل معقدة؛ فصدمة الفقد تولّد بطبيعتها مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام، وهي استجابة إنسانية مفهومة. غير أن تحويل هذه المشاعر إلى موقف سياسي يختزل الحرب في طرف واحد ويغفل جذورها البنيوية لا يفضي إلى فهم الأزمة ولا إلى تجاوزها.
    في لحظات الصدمة الجماعية تميل المجتمعات إلى تبني تفسيرات مبسطة للصراع، لأن مواجهة أسبابه التاريخية أكثر صعوبة وإيلامًا. وقد أشار الكاتب ميلان كونديرا إلى هذه النزعة بقوله:" الذاكرة الانتقائية هي إحدى وسائل البشر للهروب من مواجهة الحقيقة." وفي الحالة السودانية برزت نزعة لدى بعض الخطابات العامة لتحميل طرف واحد كامل مسؤولية الحرب، متجاهلة السياق السياسي والعسكري الذي نشأت فيه هذه القوى داخل بنية الدولة نفسها. إن هذا الاختزال قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالوضوح الأخلاقي، لكنه لا يفسر لماذا نشأت هذه البنى المسلحة أصلًا ولا لماذا تكررت الحروب في السودان جيلاً بعد جيل.
    ولهذا يصبح من الضروري التمييز بين الموقف الإنساني والموقف السياسي التاريخي. فالأول يعبر عن الألم والرغبة في القصاص، وهو شعور مشروع لا يمكن إنكاره. أما الثاني فيتطلب النظر إلى ما وراء رد الفعل العاطفي، أي إلى البنية التي أنتجت الحرب ذاتها ويبحث عن العدالة. فالانتقام، مهما بدا مبررًا في لحظة الألم، لا يحقق الشفاء ولا يوقف دورة العنف، بل قد يعيد إنتاجها بصيغة جديدة. ومن هنا فإن الموقف الأكثر اتساقًا يتمثل في الإصرار على مبدأ عدم الإفلات من العقاب لجميع المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، مع العمل في الوقت نفسه على معالجة الأسباب البنيوية للحرب: عسكرة الدولة، واختلال توزيع السلطة والثروة، واستمرار التهميش الإقليمي.

    بهذا المعنى، لا ينبغي فهم العدالة في السودان بوصفها ثأرًا بين أطراف متحاربة، بل بوصفها عملية تاريخية أوسع تهدف إلى تفكيك البنية السياسية والعسكرية التي جعلت الحرب ممكنة وأعادت إنتاجها عبر العقود. فالتجربة السودانية تكشف بوضوح أن كثيرًا من القوى المسلحة التي يجري اليوم التعامل معها بوصفها ظواهر معزولة كانت في الأصل نتاجًا مباشرًا لسياسات الدولة المركزية نفسها. وينطبق هذا، بدرجة كبيرة، على تجربة قوات الدعم السريع، التي نشأت أساسًا داخل منظومة الدولة واستخدمت لسنوات طويلة أداةً لتنفيذ سياسات المركز في إدارة الحروب في الأطراف. لقد كانت هذه القوة، في مراحلها الأولى، جزءًا من هندسة السلطة للصراع، تُستدعى لتنفيذ أجندة الدولة في دارفور وغيرها من مناطق الهامش، ضمن منطق سياسي يقوم على عسكرة المجتمع وتفكيك المجال الوطني إلى قوى مسلحة متنافسة.
    غير أن التحولات الأخيرة—وخاصة انضمام قوات الدعم السريع إلى تحالف "تأسيس" وإقرارها بميثاقه ودستوره الانتقالي القائمين على مبادئ العلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والوحدة الطوعية، وعدم الإفلات من العقاب، وبناء جيش قومي مهني جديد—تشير إلى لحظة انعطاف سياسية لها دلالتها. فهي، من ناحية، تمثل اعترافًا ضمنيًا بطبيعة الأزمة البنيوية التي أنتجت هذه القوة نفسها داخل الدولة القديمة؛ ومن ناحية أخرى تقلب الطاولة على سردية سياسية ظلت تتجاهل الدور المركزي الذي لعبته الدولة والنخب الحاكمة في إنتاج هذه البنى المسلحة. ذلك أن التاريخ الحديث للسودان يوضح أن الحروب التي حصدت ملايين الأرواح وشرّدت ملايين أخرى لم تكن مجرد انحرافات معزولة، بل كانت نتيجة مباشرة لسياسات دولة قادتها نخب مركزية شارك أبناؤها—عبر المؤسسة العسكرية وأجهزة التعبئة المختلفة—في تلك الحروب التي ارتُكبت خلالها انتهاكات جسيمة، بما في ذلك جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية. وليس من قبيل المصادفة أن بعض قادة تلك المرحلة، بمن فيهم رأس الدولة ووزير دفاعه، أصبحوا مطلوبين للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية.
    في هذا السياق، يصبح النقاش حول العدالة أعمق من مجرد توزيع اللوم بين أطراف الصراع. فالعدالة، كما يشير منظرو العدالة الانتقالية والتاريخية من مارثا مينو إلى بول ريكور، لا تكتمل بالعقاب وحده، بل تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا جذريًا يعيد بناء الدولة على أسس جديدة تمنع تكرار المأساة. وإذا أُعيد تأويل التجربة القاسية التي عاشها السودانيون منذ عام 2023 في هذا الاتجاه، فقد تتحول—على نحو مفارق—إلى لحظة وعي تاريخي تدفع المجتمع إلى إعادة التفكير في طبيعة الدولة نفسها: في علاقتها بالمجتمع، وفي توزيع السلطة والثروة داخلها، وفي الشروط التي جعلت الحرب، لعقود طويلة، إحدى آليات عملها. فالتحدي الحقيقي ليس فقط إنهاء الحرب الراهنة كما يسوق الكثيرون من النخب، بل بناء نظام سياسي جديد يجعل تكرارها مستحيلًا.

    سادسًا: نحو قراءة أخلاقية متوازنة
    إن القراءة الأخلاقية العميقة للتجربة السودانية تقتضي الاعتراف بعدة حقائق أساسية: أن الدولة السودانية استخدمت الشباب في حروبها عبر أجيال متعاقبة؛ وأن التعليم والفرص الاقتصادية لم تكن موزعة على قدم المساواة بين المواطنين؛ وأن سياسات المركز أسهمت في عسكرة المجتمع وتفكيك بنيته؛ وأن كثيرًا من الشباب الذين وجدوا أنفسهم في التشكيلات المسلحة كانوا، في النهاية، نتاجًا للبنية نفسها التي أنتجت الحرب. ولهذا كتب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: "العدالة لا تبدأ بإدانة الأشخاص، بل بفهم البنى التي صنعت أفعالهم."

    خاتمة: ما بعد دائرة الحرب
    المأساة السودانية ليست مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متصارعتين، بل هي تعبير مكثّف عن أزمة تاريخية أعمق تتعلق بكيفية تشكّل الدولة السودانية وعلاقتها بأجيالها. فقد نشأت أجيال كاملة في ظل تعليم مؤدلج، وتجنيد قسري، واقتصاد سياسي يقوم على التهميش وعدم المساواة. وفي هذا السياق لم يُنظر إلى الشباب بوصفهم طاقة للمستقبل بقدر ما عوملوا، مرارًا، بوصفهم موردًا بشريًا للحرب. وهكذا تعاقبت الأنظمة وتبدّلت الشعارات، بينما بقي السؤال الجوهري معلّقًا: كيف يمكن بناء دولة تجعل من التعليم والفرص حقًا عامًا، لا امتيازًا جغرافيًا أو طبقيًا او نوعيا؟ وكيف يمكن كسر الحلقة التاريخية التي جعلت الحرب تتوارث الأجيال بدل أن تنتهي بها؟
    غير أن مواجهة هذه الأسئلة لا تكتمل دون مساءلة النخب نفسها. فجزء معتبر من الخطاب النخبوي المعاصر يميل إلى شيطنة جيل كامل من الشباب الذين انخرطوا في قوات الدعم السريع، متجاهلًا حقيقة تاريخية غير مريحة: أن كثيرًا من أبناء النخب أنفسهم جُنّدوا، في ظل النظام نفسه، عبر الخدمة الإلزامية أو التعبئة الجهادية، وقاتلوا باسم الدولة في حروبها ضد مناطق الهامش في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق. الفارق الوحيد أن أولئك عادوا إلى مدنهم وشهاداتهم الجامعية ومستقبلهم المهني، بينما وجد أبناء الهامش أنفسهم، لاحقًا، في بنى عسكرية ومليشياوية مختلفة أعادت إنتاج العنف ذاته، ولكن هذه المرة في قلب المركز: في الخرطوم والجزيرة وغيرها من المناطق التي ظلت لعقود بعيدة عن أهوال الحرب
    بهذا المعنى تكشف الحرب الراهنة ليس فقط عن أزمة الدولة، بل أيضًا عن ازدواجية عميقة في الوعي النخبوي. وكما اسلفنا، فالعنف حين كان يقع في الأطراف كان يُبرَّر باسم الدولة أو يُتعامل معه بوصفه شأنًا هامشيًا، أما حين وصل إلى قلب المركز فقد أصبح فجأة مأساة وطنية جامعة. لكن الحقيقة الأعمق هي أن ما يحدث اليوم ليس انقطاعًا عن الماضي، بل ارتداد تاريخي لحروبٍ طالما دارت بعيدًا عن جغرافيا المركز.
    إن الخروج الحقيقي من دائرة العنف لا يبدأ بإدانة جيلٍ من الشباب أو شيطنة جماعة بعينها، بل يبدأ بمراجعة جذرية لبنية الدولة التي جعلت الحرب جزءًا من آلية عملها. فلا يمكن بناء سلام مستدام من دون تفكيك الشروط التي أنتجت الحرب: عسكرة السياسة، واختلال توزيع السلطة والثروة، واستمرار التهميش الإقليمي، وضعف المؤسسات المدنية.
    وكما كتب محمود درويش في قصيدته "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض":
    "من يكتب حكايته يرث أرض الكلام"
    والسودان، إذا أراد أن يكتب حكايته من جديد، فعليه أن يبدأ من الجذور:
من إعادة بناء المدرسة والجامعة، ومن تحقيق العدالة التاريخية والاجتماعية، ومن الاعتراف بأن مستقبل الأجيال لا يمكن أن يُصنع في معسكرات التعبئة ولا في ساحات الحرب، بل في فضاءات المعرفة والحرية والمواطنة المتساوية. ففي النهاية، لا يُبنى الوطن بالسلاح الذي يحمله أبناؤه ضد بعضهم، بل بالمعنى الذي يجدونه معًا في العيش المشترك.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de