1-2العنصرية جريمة: من خطاب الكراهية إلى صناعة الضبّاحين كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-21-2026, 08:44 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-20-2026, 11:32 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 246

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
1-2العنصرية جريمة: من خطاب الكراهية إلى صناعة الضبّاحين كتبه خالد كودي

    11:32 AM April, 20 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    4/19/2026 ، بوسطن

    الجزء الأول:
    السودان اليوم لا يمرّ بأزمة سياسية أو حرب أهلية فحسب، بل يواجه امتحانًا أخلاقيًا وتاريخيًا يكشف ما تراكم في أعماق بنيته الاجتماعية من أمراض مؤجلة. ففي لحظات الانهيار الكبرى، لا تسقط المؤسسات وحدها، بل تتساقط الأقنعة أيضًا، ويظهر ما ظل مختبئًا تحت لغة المجاملة اليومية: الخوف من الآخر، احتقار المختلف، وهم التفوق، والاستعداد النفسي لإقصاء من لا "يشبهنا". وما جرى في الفيديو المتداول من محلية دلقو ليس حادثة عابرة، بل تجلٍّ صريح لهذا المرض الكامن.
    لقد ظهر متحدث وسط جمع من الناس يعترض على استقبال مواطنين سودانيين فرّوا من جحيم الحرب، لا بحجة الموارد أو الإدارة أو الضيق المعيشي، بل بحجة أخطر: أنهم "لا يشبهونهم"، وأن أهل المنطقة "أصحاب حضارة"، وأن القادمين سيغيّرون ديمغرافية المكان...الخ... هنا لا نكون أمام خلاف محلي، بل أمام خطاب كراهية مكتمل البنية: خطاب يصنّف البشر وفق الهيئة واللون والأصل، ويحوّل المواطن الهارب من الحرب إلى تهديد، ويحوّل الجار في الوطن إلى دخيل
    . بالطبع.

    خطاب الكراهية: حين تتحول اللغة إلى بنية للعنف
    أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يظهر في البداية بوصفه كراهية صريحة، بل يتخفّى في صورة خطاب "عاقل" و"احترازي" و"حريص" على المجتمع. فهو لا يقول منذ اللحظة الأولى: "نحن نكره هؤلاء"، بل يقول: "نحن نحمي مجتمعنا منهم"، أو "نحن نحافظ على هويتنا"، أو "نحن ندافع عن الثقافة المحلية"، أو "نمنع الخلل الديمغرافي". وهنا تكمن خطورته الحقيقية: إنه يقدّم الإقصاء بوصفه فضيلة، ويقدّم التمييز بوصفه حكمة، ويقدّم الخوف المرضي بوصفه وعيًا سياسيًا. ومن ثمّ، فإن خطاب الكراهية ليس مجرد انفعال لغوي، بل هو عملية اجتماعية وسياسية لإعادة ترتيب البشر في سلّمٍ أخلاقي زائف: من يستحق الحماية، ومن لا يستحقها؛ من يُعدّ "أصيلًا"، ومن يُدفع إلى خانة الشبهة؛ من يُرى بوصفه إنسانًا كاملًا، ومن يُختزل إلى خطر.
    هذه العملية لا تبدأ بالقتل، بل تبدأ بتآكل اللغة الأخلاقية نفسها. تبدأ حين يُقال: "هؤلاء ليسوا مثلنا". ثم تتطور إلى: "هؤلاء يهددون نمط حياتنا". ثم ترتقي إلى مستوى أخطر: "وجودهم يفسد المجتمع"، أو "سيغيّرون تركيبة المنطقة"، أو "سوف ينقلون إلينا الفوضى والجريمة والتخلف". وفي هذه المرحلة، تكون اللغة قد أدّت وظيفتها الأساسية: نزع الإنسانية تدريجيًا عن الآخر، وتحويله من شخص له حقوق إلى مشكلة يجب التعامل معها. ولهذا كان المفكر الافروامريكي جيمس بالدوين شديد البصيرة حين فهم أن اللغة ليست بريئة، وأن الكلمات حين تُستخدم لإهانة جماعة بشرية أو تشويهها فإنها لا تبقى في حدود التعبير، بل تتحول إلى تدريب نفسي وأخلاقي للمجتمع على قبول ما كان سيعدّه من قبل جريمة.
    إن الإبادة الجماعية، أو التطهير الإثني، أو الاضطهاد المنهجي، لا تنفجر عادة من فراغ؛ بل يسبقها دائمًا إعدادٌ طويل للوجدان العام. الإشاعة، والنكتة العنصرية، والمصطلح المهين، والخطاب السياسي المراوغ، والمقال الصحفي الذي يُضخّم خطر جماعة بعينها، والمنبر الديني الذي يُلبس الإقصاء لبوسًا أخلاقيًا، كلها أدوات تشترك في تحويل الكراهية من رأي هامشي إلى شعور عام، ومن شعور عام إلى مبرر اجتماعي للعنف. هنا تغدو اللغة سلاحًا يسبق السلاح، وربما يكون أشد منه أثرًا، لأنه يصنع القابلية النفسية لاستعماله.

    رواندا: حين سبق الراديو المذبحة
    من أكثر النماذج وضوحًا في التاريخ المعاصر على تحوّل اللغة إلى أداة قتل هو نموذج رواندا. فالإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994 لم تكن انفجارًا قبليًا مفاجئًا بين الهوتو والتوتسي، كما حاول البعض تصويرها لاحقًا، بل كانت ثمرة إعداد أيديولوجي وإعلامي منظم، شاركت فيه الدولة، والنخب السياسية، وأجهزة الدعاية، وعلى رأسها الإذاعة. لقد لعب راديو وتلفزيون الألف تلة الحرة دورًا بالغ الخطورة في تحويل التوتسي من مواطنين وجيران إلى "أعداء داخليين"، بل إلى كائنات دون بشرية. لم يكن الراديو ينقل فقط الأخبار، بل كان يصنع الإدراك العام، ويضخ يوميًا لغة التحريض والتمييز والسخرية والشيطنة، إلى أن أصبح قتل التوتسي يبدو، في وعي قطاعات من الناس، وكأنه عمل دفاعي أو واجب جماعي.
    إحدى أخطر آليات هذا الخطاب كانت الاستعارة الحيوانية؛ إذ جرى وصف التوتسي بأنهم "صراصير". وهذه ليست مجرد شتيمة. ففي تاريخ خطاب الكراهية، يكون تشبيه جماعة بشرية بالحشرات أو الطفيليات أو الأوبئة علامة شديدة الخطورة، لأنه يسحب عنها صفة الإنسان ويجعل القضاء عليها يبدو أشبه بعملية تطهير صحي لا جريمة أخلاقية. لقد كان الراديو في رواندا يحدّد الأسماء، والمواقع، ويؤجج الخوف، ويصوغ الأكاذيب، ويحوّل الاحتقان السياسي إلى نداءات مباشرة أو شبه مباشرة للعنف. وهكذا صار الأثير نفسه ميدانًا للقتل الرمزي قبل أن تتحول الشوارع والقرى إلى مسارح للقتل الفعلي.
    والدرس الرواندي بالغ الأهمية: لم تكن المشكلة في وجود اختلاف إثني فقط، بل في وجود جهاز دعائي حوّل ذلك الاختلاف إلى مبدأ إبادة. فالتعدد في ذاته لا يقتل أحدًا؛ الذي يقتل هو الخطاب الذي يفسر التعدد بوصفه تهديدًا وجوديًا. وهنا تتضح مسؤولية الإعلام، لأن الكارثة لم تبدأ بالمناجل و"السواطير"، بل بالكلمات التي جعلت استعمال المناجل والسواطير مقبولًا ومفهومًا ومبررًا عند فئات واسعة. لقد سبق الراديو الدم، وهي حقيقة ينبغي أن تظل حاضرة كلما استهان مجتمعٌ بخطورة خطاب التحريض أو وصفه بأنه "مجرد كلام" كما يجرب في السودان الان!

    البوسنة: من خطاب الخوف إلى التطهير الإثني
    ويمكن النظر إلى تجربة البوسنة في تسعينيات القرن العشرين، حيث لعب الخطاب القومي المتطرف دورًا حاسمًا في تحويل الجوار البشري إلى جبهة حرب. ففي يوغوسلافيا السابقة، لم يكن الناس يعيشون في فراغ ثقافي، بل في مجتمع متداخل ومعقد. لكن الخطاب القومي الصربي المتشدد، مدفوعًا بآلة دعائية وسياسية، أعاد إنتاج المسلمين البوشناق باعتبارهم تهديدًا ديمغرافيًا وحضاريًا وسياسيًا، وربطهم بتاريخ من الخوف والاستدعاءات الانتقائية للذاكرة الجمعية. جرى الحديث عن "حماية الأمة"، و"منع الهيمنة"، و"الدفاع عن الأرض والتاريخ"، وهي العبارات ذاتها التي كثيرًا ما تخفي وراءها نية إقصاء الآخرين لا التعايش معهم، وهذا مافعله المتحدث في الفيديو دلقو. ع
    ومع تصاعد هذا الخطاب، أصبح التطهير الإثني يبدو عند بعض الفاعلين وكأنه إجراء وقائي لا جريمة. وهنا تظهر الآلية ذاتها التي نجدها في كل تجارب الكراهية المنظمة: لا يبدأ العنف بقرار عسكري فقط، بل يبدأ بخلق مناخ شعوري يجعل المجتمع يتقبل فرز البشر على أساس الأصل والانتماء. في البوسنة، كما في غيرها، أُنتج "الآخر" بوصفه خطرًا ينبغي تحييده، لا مواطنًا ينبغي التعايش معه. وما إن تُرسَّخ هذه الفكرة حتى يصبح القتل الجماعي، أو الطرد، أو الاغتصاب المنهجي، أو الحصار، امتدادًا منطقيًا لخطاب سبقها ومهّد لها.

    الإعلام والمناهج والتنميط: كيف تُصنع العنصرية الناعمة
    إن خطاب الكراهية لا يعمل فقط عبر الخطب السياسية الصاخبة أو الدعوات المباشرة للعنف، بل كثيرًا ما يتحرك عبر أدوات أكثر نعومة وأشد دوامًا: الإعلام الجماهيري، الدراما، السينما، المناهج التعليمية، اللغة اليومية، وخطاب النخب. ففي التجربة الأمريكية، تعرّض الأمريكيون الأفارقة لعقود طويلة لعملية تنميط منهجية جعلتهم يظهرون في الثقافة العامة بوصفهم الكسول، أو المجرم، أو الخادم، أو الجسد المنفلت، أو الخطر الاجتماعي. ولم تكن هذه الصور مجرد تفاصيل فنية، بل جزءًا من البنية العنصرية التي تهيئ المجتمع نفسيًا لقبول التمييز ضدهم.
    والأمر ذاته، وإن بأشكال مختلفة، عرفه السودان تجاه كثير من أبنائه من المناطق المهمشة. فقد أُنتجت في الإعلام الرسمي وغير الرسمي صور نمطية عن أبناء دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والجنوب سابقًا، والكنابي، وأطراف المدن؛ صُوِّروا أحيانًا باعتبارهم أقل تمدنًا، أو أكثر عنفًا، أو أقرب إلى الفوضى، أو مجرد عمالة هامشية لا حَمَلة ثقافة وتاريخ محض صانعي خمور ومجرمين... الخ... وفي بعض الأعمال الدرامية والخطاب الإعلامي، جرى اختزالهم في لهجات ساخرة، أو ملامح جسدية تُستخدم للتندر، أو أدوار دنيا لا مركز لها في السرد الوطني. وهكذا لم يكن التهميش اقتصاديًا وسياسيًا فقط، بل كان أيضًا تهميشًا رمزيًا يسرق من الإنسان صورته وكرامته.
    أما المناهج التعليمية السودانية، فقد ساهمت هي الأخرى—في كثير من المراحل—في إعادة إنتاج مركزية ثقافية ضيقة، حيث قُدِّم تاريخ السودان من منظور أحادي يرفع شأن المركز المسلم والعربي، ويهمّش مساهمات الأطراف. غابت أو ضُمِّنت بشكل هامشي حضارات وثقافات ولغات وتجارب شعوب واسعة من السودان، وكأن الوطن صُنع بواسطة جماعة واحدة، أو كأن التنوع مجرد هامش لا جوهر. وحين يتلقى الطفل هذا السرد منذ الصغر، يتشكل وعيه الوطني على أساس تراتبي: هناك من يمثل "الأصل"، وهناك من يُضاف إليه لاحقًا.
    كما لعب خطاب بعض النخب السياسية والثقافية دورًا بالغ السوء، حين تحدث عن سكان الهامش بلغة الوصاية أو الشبهة أو الاستعلاء، أو حين صوّر مطالبهم بالعدالة والمساواة باعتبارها تهديدًا للوحدة الوطنية. وبدل أن ترى هذه النخب في التنوع مصدر قوة، تعاملت معه كعبء ينبغي احتواؤه أو إخضاعه. وهكذا أصبح المهمش، في المخيال النخبوي، متهمًا حتى يثبت العكس!
    ولم تقف المسألة عند حدود الصورة والخطاب، بل انعكست في سلوك أجهزة الدولة نفسها. ففي ممارسات التوظيف، والخدمات، والتمثيل، والاشتباه الأمني، والكشّات، والتعامل مع النازحين، كثيرًا ما ظهرت تمييزات غير معلنة لكنها معروفة اجتماعيًا. فالمواطن لا يُقاس فقط بصفته القانونية، بل أحيانًا بلهجته، أو لونه، أو منطقته، أو اسمه. وهنا تتحول الدولة من مؤسسة محايدة إلى جهاز يعكس تحيزات المجتمع ويعمّقها.
    هذا التنميط ليس مسألة ثقافية ثانوية، بل هو جزء من آلية إنتاج الظلم. لأن من يُصوَّر باستمرار بوصفه أقل شأنًا، أو أكثر خطرًا، أو أقل انتماءً، يصبح من الأسهل حرمانه من الحقوق، وتبرير العنف ضده، وتجاهل معاناته. فالناس لا يرون بعضهم فقط بعين القانون، بل بعين الصورة المتراكمة في الوعي العام. وحين تتكرر الصور المهينة، يصبح الظلم مألوفًا، ويغدو التمييز طبيعيًا، ويتحول الإقصاء إلى أمرٍ اعتيادي.
    لهذا كان مفكرو السود في أمريكا، من
    W.E.B. Du Bois إلى James Baldwin إلى Toni Morrison
    شديدي الانتباه لمسألة التمثيل؛ لأن من يملك حق تصويرك، يملك بدرجة ما حق تعريفك أمام المجتمع. وينطبق هذا الدرس على السودان بوضوح: فلا عدالة حقيقية دون إعادة كتابة السرد الوطني، وتفكيك الصور العنصرية، وبناء إعلام وتعليم يعترفان بكل السودانيين بوصفهم شركاء كاملين في الوطن، لا ظلالًا على هامشه.

    السودان وخطاب التخويف من المهمشين
    في السودان، لم يكن خطاب التخويف من المهمشين حادثًا طارئًا، ولا انفعالًا اجتماعيًا عابرًا، بل كان جزءًا بنيويًا من هندسة الدولة القديمة ومن الخيال السياسي الذي حكم المركز لعقود. فمنذ وقت مبكر، جرى تصوير سكان دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والجنوب سابقًا، والكنابي، وأحياء الفقراء، وأطراف المدن، لا بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق، بل باعتبارهم فائضًا بشريًا، أو عبئًا أمنيًا، أو كتلةً ملتبسة قابلة للاشتباه الدائم. وهكذا لم يُنظر إليهم باعتبارهم شركاء في الوطن، بل باعتبارهم أجسامًا زائدة على صورته المتخيلة عن نفسه.
    ومن هذا المنظور نشأت سياسات وممارسات مثل "الكشّات"، والاشتباه في "الوجوه الغريبة"، والتعامل مع بعض المواطنين كما لو أنهم أقل أهلية للمدينة، وأقل شرعية في التنقل والسكن، وأقل استحقاقًا للحيز العام. لم تكن هذه مجرد تجاوزات شرطية أو إدارية؛ بل كانت ترجمة يومية لفكرة أخطر: أن الوطنية نفسها موزعة على درجات، وأن بعض الناس ينتمون إلى الوطن أكثر من غيرهم، لا بحكم القانون، بل بحكم الشكل، واللهجة، والمنطقة، والقرب من المركز.
    وحين يُستعاد هذا الخطاب اليوم في الحديث عن "النازحين"، أو في الاعتراض على إقامة معسكرات لهم، أو في تصويرهم بوصفهم تهديدًا لـ"ديمغرافية" المكان أو "ثقافته"، فإننا لا نكون أمام رأي فردي معزول، بل أمام استمرار مباشر لميراث طويل من الاستبعاد. إن خطاب التخويف من المهمشين يؤدي وظيفتين متلازمتين: فهو أولًا يبرئ المركز من مسؤوليته التاريخية عن الحرب، والتهميش، والإفقار، وانهيار التنمية المتوازنة؛ ثم يعود، ثانيًا، ليعاقب الضحية لأنها نجت ووصلت. فلا يرى في النازح إنسانًا اقتُلعت حياته من أرضها، بل يراه اقتحامًا غير مرغوب فيه، وخللًا في "النظام الطبيعي" لمكانٍ يتخيله ملكية ثقافية مغلقة.

    هدم مايسمي ب"العشوائيات" بوصفه عنفًا مقنّعًا
    ومن هنا لا يمكن فهم الهوس الجاري الان في العاصمة الخرطوم وغيرها بهدم ما يسمى "العشوائيات" أو مساكن الفقراء والنازحين خارج هذا السياق الأوسع. فهذه الأحياء لم تنشأ، في غالبها، لأن سكانها اختاروا الفوضى أو التعدي، بل لأنها كانت الملاذ الأخير لمن فرّوا من الحرب، والجفاف، والتجويع، والافقار، وخراب الريف، وانهيار العدالة التنموية. إنها، في جوهرها، ليست مجرد ظاهرة عمرانية، بل أثر اجتماعي وسياسي لتاريخ طويل من الفشل البنيوي والعنف غير المتكافئ.
    لكن الدولة الظالمة، بدل أن تقرأ هذه الأحياء باعتبارها شهادة على فشلها، تعمد إلى قراءتها بوصفها تشوهًا في المشهد ينبغي محوه. وهنا يحدث التحول الأخطر: إذ لا تُقدَّم الإزالة كلغة تخطيطية أو إدارية محايدة فحسب، بل تُحمَّل هذه التجمعات السكانية بمعانٍ أخلاقية وديمغرافية مسمومة، وكأنها بؤر تلوث اجتماعي، أو تهديد للنقاء المحلي من سائد النخب، أو كتل بشرية غير جديرة بالمجال المديني. وبذلك يتحول التخطيط العمراني من أداة لتنظيم الحياة إلى غطاء للعنف الطبقي والإثني والديني والجهوي.
    في هذه اللحظة، لا يُرى الإنسان بوصفه صاحب حق في المدينة، بل بوصفه مشكلة يجب إزاحتها من المشهد. وتصبح الدولة، بدل أن تعالج جذور النزوح والفقر واللامساواة، مشغولة بإخفاء آثارها البصرية. وهذا في جوهره شكل من أشكال إعادة إنتاج التهميش: إذ يُعاقَب الفقير على فقره، والنازح على نزوحه، والضحية على العلامات التي تركتها الجريمة على جسده الاجتماعي، وياللبؤس!

    خطاب الكراهية: من التحريض إلى الجريمة
    إن خطاب الكراهية لا يبدأ بوصفه كراهية صريحة، بل يبدأ عادة في هيئة خطاب يبدو "عاقلًا" أو "حذرًا" أو "حريصًا على المجتمع". يقول: نحمي هويتنا، نصون ثقافتنا، ندافع عن أهل المنطقة، نقلق من التغيير السكاني. لكنه، في جوهره، يعيد ترتيب البشر في سلّم أخلاقي زائف: من يستحق الحماية، ومن لا يستحقها؛ من يُعدّ أصيلًا، ومن يُدفع إلى خانة الشبهة؛ من يُعامل بوصفه إنسانًا كاملًا، ومن يُختزل إلى خطر.
    هذه العملية لا تبدأ بالمجزرة، بل باللغة. تبدأ حين يُقال: "هؤلاء لا يشبهوننا". ثم تتطور إلى: "هؤلاء خطر علينا". ثم تنتهي، في مراحل الانحطاط القصوى، إلى أن يصبح وجود هؤلاء نفسه محل اعتراض أو استهداف. هكذا تتحول الكلمة إلى تهيئة نفسية للعنف، وتتحول الإشاعة، والنكتة العنصرية، والخطبة التحريضية، والمقال المسموم، والصمت المتواطئ، إلى مقدمات غير مرئية للجريمة.
    والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لم يكن مجرد انفعال شعبي عابر، بل غذّته في حالات كثيرة تيارات دينية وإثنية متعصبة، حوّلت الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى مشروع هيمنة سياسي وأخلاقي. فقد روّجت هذه التيارات لفكرة أن الوطن ليس فضاءً للمواطنة المتساوية، بل ملكية ثقافية حصرية لجماعة بعينها، لها وحدها حق تعريف الهوية الوطنية، وتحديد من هو "الأصل" ومن هو "الدخيل". وبهذا المنطق جرى التعامل مع المهمشين وأبناء الأطراف والنازحين كما لو أنهم غرباء داخل وطنهم، أو ضيوف مؤقتون في أرض ساهموا في بنائها بعملهم وتاريخهم وثقافاتهم. ومن هذا المناخ المسموم خرجت أبشع الجرائم: حرق القرى، وتهجير السكان، وتدمير الكنابي، وقتل المدنيين، وتجريد الناس من حقهم في الأرض والكرامة والذاكرة. فالتحريض حين يقترن بالسلطة، والتعصب حين يتحالف مع السلاح، لا يبقيان مجرد أفكار منحرفة، بل يتحولان إلى آلة تدمير واسعة.

    الوهم العنصري في السودان: أفكار تجاوزها العلم وأبقاها الاستعلاء
    حين يعلن شخصٌ في السودان أنه "صاحب حضارة" وأن الآخرين "السودانيين" أدنى منزلة لأن ملامحهم مختلفة، أو أصولهم الجغرافية مغايرة، أو أنسابهم لا تنتمي إلى السردية التي يتخيلها، فإنه لا ينطق بحقيقة اجتماعية، بل يستدعي أرشيفًا كاملاً من الأوهام العنصرية التي صاغها القرن التاسع عشر تحت اسم العلم. ففي تلك المرحلة نشأت ما يُعرف بـ"العنصرية العلمية"، حين حاول بعض المنظّرين الأوروبيين ربط الحضارة بالبنية البيولوجية، والذكاء باللون، والإنسانية بالنسب، وصنّفوا البشر إلى سلالات متفوقة وأخرى متأخرة.
    ظهرت آنذاك نظريات التدرج العرقي، وقياسات الجماجم، وفراسة الملامح، والوراثة الأخلاقية، ثم جاءت الداروينية الاجتماعية لتمنح هيمنة الأقوى هيئة "القانون الطبيعي"، وتبعتها اليوجينيا التي ادعت أن بعض الجماعات أصلح بطبيعتها للحكم والإبداع والقيادة. وقد انهارت هذه النظريات علميًا وأخلاقيًا؛ إذ أثبت علم الوراثة الحديث أن الاختلافات داخل الجماعة البشرية الواحدة أوسع من الاختلافات بين الجماعات، وأن العرق، بوصفه جوهرًا بيولوجيًا صارمًا، ليس حقيقة علمية متماسكة علميا، بل بناء اجتماعي وسياسي استُخدم لإدارة الامتياز والهيمنة.
    لكن الأفكار الميتة كثيرًا ما تواصل حياتها خارج المختبرات والجامعات وفي ادمغة الجهلاء والمهوسيين. إنها تغادر الكتب الأكاديمية لتسكن الخطاب الشعبي، والسياسة اليومية، والمناهج، والإعلام، واللغة المبتذلة. وهنا تكمن الخطورة: إذ تتحول الخرافة القديمة إلى "بداهة" اجتماعية. فالقول إن جماعة ما أرقى حضارة أو أعلى استحقاقًا من أخرى بسبب اللون أو النسب ليس سوى نسخة محلية متأخرة من أوهام عالمية تجاوزها العلم، لكنها بقيت حيّة في العقول المستفيدة من التراتب في السودان المغلوب علي امره.
    وقد شرح فرانتز فانون هذه الظاهرة بدقة حين بيّن أن المستعمَر قد يستبطن منطق المستعمِر، فيعيد إنتاجه داخل مجتمعه بعد رحيل المستعمِر نفسه. فبدل أن يهدم سلّم التراتب الذي فرضه الاستعمار، يبدأ في البحث عن موضع أعلى داخله: لون أفتح، نسب متخيَّل، قرب من المركز، لغة مهيمنة، أو ادعاء نقاء ثقافي. وهكذا لا تتحرر الذات من منطق السيطرة، بل تعيد توطينه في جسدها الوطني.

    دولة السودان القديم: حين ترعى الدولة العنصرية بصمتها ومؤسساتها
    وفي السودان، لم يكن هذا الوهم العنصري مجرد انفعال اجتماعي، بل غذّته طويلًا بنية الدولة القديمة نفسها؛ أي الدولة المركزية التي ورثت أدوات الاستعمار دون أن تفكك منطقه. فقد جرى ترميز السلطة والثروة والثقافة الرسمية حول مركز محدد، بينما صُوِّرت الأطراف باعتبارها فضاءات ناقصة التطور، أو محتاجة إلى التهذيب، أو قابلة للإدماج المشروط. ومن ثم لم تكن العنصرية مجرد مشكلة في الشارع، بل كانت أيضًا منقوشة في توزيع التنمية، وتمثيل الدولة، والسردية الوطنية، والمناهج التعليمية، والإعلام، وسلوك الأجهزة الأمنية والإدارية.
    هكذا تشكّلت في السودان، عبر تاريخ طويل من اختلالات السلطة وإرث الدولة المركزية، خطوط لونٍ اجتماعية وسياسية متراكبة لم تكن بيولوجية بقدر ما كانت رمزية ومؤسساتية- بنيوية. فقد أُنتجت ثنائيات حاكمة من قبيل: المركز والهامش، المدينة والريف، "العربي المسلم" و"الإفريقي المسيحي او الوثني او الكافر"، "الأصيل" و"الوافد"، "المتحضر" و"المتخلف". وهذه الثنائيات لم تكن مجرد أوصاف بريئة للواقع، بل أدوات معرفية وسياسية صُمِّمت لترتيب المجتمع هرميًا، وتوزيع الامتيازات على بعض الفئات، وتبرير إقصاء فئات أخرى. لقد تحولت إلى لغة غير معلنة للحكم، يُحدَّد عبرها من يُمنح الثقة، ومن يُحاط بالشبهة؛ من تُفتح له أبواب الدولة، ومن يُترك على عتباتها؛ من يُعترف به ممثلًا طبيعيًا للوطن، ومن يُعامل كضيف مؤقت داخله.
    W.E.B. Du Bois ومن هنا تبرز الأهمية النظرية لما طرحه
    حين تحدث عن "خط اللون" بوصفه بناءً سياسيًا لا حقيقة طبيعية؛ أي آلية تُستخدم لتنظيم السيطرة وتوزيع السلطة والموارد والكرامة. وإذا كان "دو بويس" قد صاغ مفهومه في سياق الولايات المتحدة، فإن السودان عرف بدوره خطوط لون أكثر تركيبًا وتعقيدًا، بسبب تداخل الإثنية مع الدين، واللغة مع الجغرافيا، والانتماء الثقافي مع الإرث الاستعماري، ثم إعادة إنتاج كل ذلك داخل الدولة الوطنية نفسها بأبعادها الاقتصادية. ولهذا لم يكن الصراع السوداني مجرد نزاع على من يحكم، بل كان أيضًا نزاعًا أعمق على من يُعترف به إنسانًا سودانيًا كاملًا، ومن يملك حق تعريف الوطنية، ومن يُسمح له أن يتكلم باسم البلاد، ومن يُدفع إلى هامش السرد الوطني!
    إن أخطر ما في الوهم العنصري أنه لا يقدم نفسه بوصفه جهلًا، بل بوصفه معرفة؛ ولا يعرض الامتياز باعتباره نهبًا، بل باعتباره استحقاقًا طبيعيًا بل وفهلوة؛ ولا يمارس القسوة باعتبارها ظلمًا، بل باعتبارها دفاعًا عن الهوية تستحق الفخر. وهنا تكمن خطورته الفلسفية والأخلاقية: فالوهم العنصري لا يشوّه صورة الآخر فقط، بل يفسد صورة الذات أيضًا. فالجماعة التي تبني كرامتها على امتهان غيرها، إنما تؤسس أخلاقها على الهلع لا على العدالة، وعلى الخوف من الاختلاف لا على الثقة بالنفس.
    الحضارة لا تسكن الدم، ولا تُورَّث في الملامح، ولا تُحتكر في جهة أو سلالة أو لغة. الحضارة، في معناها العلمي والتاريخي، تُقاس بما ينتجه المجتمع من عدلٍ عام، وما يبنيه من مؤسسات منصفة، وما يتيحه لأفراده من فرص متكافئة، وما يملكه من قدرة على الاعتراف المتبادل وصون الكرامة الإنسانية. وكل مشروع دولة يؤسس شرعيته على تراتبية إثنية أو ثقافية أو جهوية، مهما بدا متماسكًا في لحظة من الزمن، إنما يزرع في داخله بذور تفككه؛ لأن الإقصاء قد يمنح استقرارًا مؤقتًا، لكنه لا يبني وطنًا قابلًا للاستمرار.
    ولهذا فإن مقاومة خطاب الكراهية ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية وقانونية ومعرفية. فالمجتمعات لا تنهار بسبب الحرب وحدها، بل تنهار أيضًا حين تسمح للغة أن تُدرِّب القلوب على قبول الظلم، وللمؤسسات أن تتصرف كما لو أن بعض الناس أقل وطنًا من غيرهم، وأقل حقًا في الأرض والذاكرة والمستقبل. حينها يصبح الانهيار مسألة وقت، لا احتمالًا بعيدًا.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de