المجلس الاستشاري لشمال السودان (1944–1947): لحظة تأسيس التهميش البنيوي في الدولة السودانية كتبه خا

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 03-16-2026, 11:34 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
03-12-2026, 04:25 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 236

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
المجلس الاستشاري لشمال السودان (1944–1947): لحظة تأسيس التهميش البنيوي في الدولة السودانية كتبه خا

    04:25 AM March, 11 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    المجلس الاستشاري لشمال السودان (1944–1947): لحظة تأسيس التهميش البنيوي في الدولة السودانية

    11/3/2026 خالد كودي، بوسطن

    مقدمة
    يمثّل المجلس الاستشاري لشمال السودان (1944–1947) محطة مفصلية في تاريخ تشكّل النخبة السياسية السودانية في أواخر العهد الاستعماري. فقد أنشأته الإدارة البريطانية في إطار الحكم الثنائي بوصفه هيئة استشارية محدودة الصلاحيات، هدفها إدخال بعض النخب المحلية في دائرة الإدارة السياسية دون المساس بالبنية الفعلية للسلطة الاستعمارية أو إعادة توزيع مراكز القرار. ومن ثمّ لم يكن المجلس خطوة نحو تمثيل ديمقراطي حقيقي بقدر ما كان أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة الاستعمارية والمجتمع المحلي عبر اختيار فئات اجتماعية بعينها لتكون وسيطًا بين السلطة والمجتمع.
    ومن منظور علم الاجتماع السياسي وتاريخ النخب، يكتسب هذا المجلس أهمية خاصة لأنه يكشف لحظة تأسيسية في تشكّل الحقل السياسي السوداني. فالأعضاء الذين ضمّهم المجلس لم يكونوا عينة عشوائية من المجتمع، بل كانوا يمثلون طبقة اجتماعية محددة تشكّلت من تحالف بين الإدارة الاستعمارية وبعض النخب المحلية: زعماء الإدارة الأهلية، كبار ملاك الأراضي، شخصيات مرتبطة بالطوائف الدينية، وعدد محدود من المتعلمين الذين نشأوا داخل الجهاز الإداري الاستعماري. وبذلك كان المجلس تعبيرًا عن صياغة مبكرة لتحالف السلطة بين الدولة الاستعمارية والنخب المركزية التي ستستمر في لعب دور محوري في السياسة السودانية لاحقًا.

    ومن منظور علم الاجتماع السياسي وتاريخ النخب، يكتسب هذا المجلس الاستشاري لشمال السودان (1944–1947) أهمية خاصة لأنه يكشف لحظة تأسيسية في تشكّل الحقل السياسي السوداني الحديث. فتركيبته البشرية لم تكن انعكاسًا عفويًا للتعدد الاجتماعي في السودان، بل كانت نتيجة اختيار انتقائي دقيق قامت به الإدارة الاستعمارية البريطانية لاستدعاء فئات اجتماعية محددة ومنحها الاعتراف السياسي بوصفها ممثلة للمجتمع. وقد ضمّ المجلس في معظمه شخصيات تنتمي إلى الإدارة الأهلية والطبقات الريفية ذات النفوذ التقليدي، مثل بابو عثمان نمر (ناظر المسيرية)، ويحيى أحمد عمر (نائب ناظر الجوامعة)، وعبد الله بكر (ناظر دار بكر)، ومحمد محمد محمود الأمين ترك (ناظر الهدندوة)، ومحمد أحمد أبو سن (ناظر الشكرية)، وإبراهيم موسى مادبو (ناظر الرزيقات)، إضافة إلى محمد بحر الدين (سلطان دار مساليت). كما ضم المجلس شخصيات مرتبطة بالإدارة الأهلية والإدارة الاستعمارية المحلية مثل أيوب عبد الماجد والزبير حمد الملك وحسن عدلان وفضل إبراهيم.
    وفي الوقت نفسه ضمّ المجلس عددًا من الشخصيات التي تمثل النخبة المحلية المرتبطة بالإدارة الحديثة أو النشاط الاقتصادي الحضري، مثل أحمد يوسف علم، وإدريس عبد القادر صالح، وسرور محمد رميلي، وخليل عكاشة، وعثمان عبد القادر، وحسن شتلاوي، وحامد السيد، ومكي عباس، وميرغني حمزة، ومحمد علي شوقي. وقد مثّل هؤلاء شرائح مختلفة من التجار، وكبار الموظفين، والمتعلمين الذين نشأوا داخل الجهاز الإداري للدولة الاستعمارية أو في مؤسسات التعليم الحديثة انذاك.
    تكشف القراءة المتأنية لقائمة أعضاء المجلس الاستشاري لشمال السودان (1944–1947) أن هذه الهيئة لم تُصمَّم لتعكس التعدد الاجتماعي والثقافي العميق للمجتمع السوداني، بل جاءت نتاج ترتيب سياسي واجتماعي انتقائي صاغته الإدارة الاستعمارية بالتعاون مع شريحة محددة من النخب المحلية. فقد تمحور تمثيل المجلس حول زعماء الإدارة الأهلية، وكبار ملاك الأراضي، والتجار، والبيروقراطيين المرتبطين بمناطق وادي النيل والمركز النيلي، وهي فئات امتلكت أشكالاً متراكمة من رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والرمزي. ولم يكن نفوذ هذه النخب قائمًا على موقعها الاقتصادي والإداري فحسب، بل ارتبط كذلك بانتمائها إلى الفضاء الثقافي السائد آنذاك، الذي تشكّل حول المرجعية العربية–الإسلامية بوصفها الإطار الرمزي المهيمن في المجال العام. وقد أتاح هذا الارتباط لهذه النخب قدرًا إضافيًا من الشرعية الثقافية، إذ أصبحت تمثل في الخطاب الرسمي صورة "المجتمع السوداني" كما تصوره المركز الاستعماري، بينما ظلت هويات ثقافية واجتماعية أخرى—في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب السودان ومناطق متعددة من الأطراف—خارج نطاق الاعتراف السياسي والمؤسسي.

    لا يمكن فهم المجلس الاستشاري لشمال السودان بوصفه مجرد هيئة إدارية ذات وظيفة استشارية محدودة؛ فدلالته الأعمق تكمن في كونه إحدى الأدوات التي أعادت من خلالها السلطة الاستعمارية تنظيم المجال السياسي السوداني على أسس انتقائية. فمن خلال تركيبته وآليات اختيار أعضائه، جرى تثبيت فئات اجتماعية محددة بوصفها ممثلاً مشروعًا للمجتمع، ليس لأنها تعكس تنوعه، بل لأنها تمتلك نفوذًا محليًا وروابط وثيقة بالإدارة الاستعمارية ورصيدًا من الشرعية الاجتماعية والثقافية المعترف بها ضمن منطق الحكم القائم آنذاك. وبهذا أصبح المجلس آلية مبكرة لإنتاج الشرعية السياسية وتوزيع الاعتراف الرمزي على نحو غير متكافئ، حيث جرى إدماج جماعات بعينها في مركز الفعل العام، بينما بقيت جماعات أخرى خارج دوائر التمثيل والمؤسسة والقرار. وقد أسهم هذا الترتيب في وضع الأساس التاريخي لبنية سلطة غير متوازنة استمرت في إعادة إنتاج نفسها خلال مراحل ما بعد الاستعمار، وظلت آثارها حاضرة في تكوين الدولة السودانية حتى اليوم.
    ومن ثم فإن تحليل الأصول الاجتماعية لأعضاء هذا المجلس يتجاوز مجرد توصيف خلفياتهم الطبقية أو المحلية أو الإثنية والدينية، ليشكّل مدخلًا سوسيولوجيًا لفهم كيفية تشكّل البنية الأولى للسلطة الحديثة في السودان. فالمجلس لم يكن حدثًا إداريًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية جرى خلالها تحديد من يملك حق الحضور داخل المجال السياسي ومن يُستبعد منه. وانطلاقًا من هذا المنظور، تفترض هذه المقالة أن التهميش الذي تعانيه قطاعات واسعة من المجتمع السوداني ليس نتيجة اختلال طارئ أو إخفاق إداري لاحق، بل هو امتداد لمسار تاريخي مبكر تركزت خلاله موارد القوة والاعتراف داخل شبكات اجتماعية ضيقة
    ولتحليل هذه البنية تعتمد الورقة على إطار بيير بورديو حول أشكال رأس المال الثلاثة: الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه يفسر الهيمنة بوصفها نتاج تراكب موارد متعددة داخل فئات محددة، لا مجرد سيطرة سياسية مباشرة. فالنخب التي صعدت عبر المجلس لم تستمد نفوذها من ملكية الأرض أو الثروة فحسب، بل من امتلاكها كذلك لشبكات القرابة والزعامة والوساطة، ومن شرعية ثقافية ارتبطت بالفضاء العربي–الإسلامي المهيمن وبالاقتراب من مؤسسات التعليم والإدارة الحديثة. وقد أتاح هذا التركز المركب لرؤوس الأموال المختلفة لهذه النخب احتلال موقع مركزي داخل الدولة الناشئة ، ثم إعادة إنتاج هذا الموقع عبر مؤسسات الحكم والتعليم والإدارة- "استعمار داخلي".
    وعلى هذا الأساس تقرأ هذه المقالة المجلس الاستشاري لشمال السودان بوصفه لحظة مفصلية في تشكّل الهيمنة الاجتماعية للنخب المركزية. فالمجلس لم ينشئ التفاوت من العدم، لكنه منح هذا التفاوت صيغة مؤسسية وشرعية سياسية مبكرة. ومن هنا تتضح الصلة بين تلك اللحظة التأسيسية والواقع السوداني الراهن، حيث ما تزال آثارها ماثلة في التفاوت الإقليمي، وضعف تمثيل المناطق المهمشة، واستمرار الصراعات المرتبطة بمطالب العدالة والاعتراف وبناء الدولة على أسس أكثر مساواة.

    أولاً: التأسيس الاستعماري لحقل السلطة في السودان
    لم تنشأ الدولة السودانية الحديثة نتيجة تطور داخلي متدرج، بل تشكلت ضمن مشروع إداري استعماري هدفه الأساسي ضبط الإقليم وتأمين الموارد الزراعية والنهرية. وقد اعتمدت الإدارة البريطانية لتحقيق ذلك على نموذج الحكم غير المباشر الذي يقوم على توظيف النخب المحلية التقليدية في إدارة المجتمع.
    في هذا السياق تأسس المجلس الاستشاري لشمال السودان عام 1944 بوصفه مؤسسة استشارية محدودة الصلاحيات. ورغم تقديمه باعتباره خطوة نحو المشاركة السياسية، فإن تركيبته الاجتماعية كشفت بوضوح حدود هذه المشاركة. فقد ضم المجلس في معظمه:
    - نظار القبائل وشيوخ الإدارة الأهلية الذين كانوا يمثلون السلطة التقليدية في الريف.
    - كبار ملاك الأراضي المرتبطين بالاقتصاد الزراعي الاستعماري، خاصة في مناطق الجزيرة والنيل.
    - عددًا محدودًا من الضباط والإداريين المتعلمين الذين خرجوا من المؤسسات التعليمية التي أنشأها الاستعمار.
    - بعض التجار الحضريين المرتبطين بالشبكات الاقتصادية للمركز.
    في المقابل، غابت عن المجلس قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصًا المناطق الطرفية مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب السودان، إضافة إلى الطبقات الفقيرة والشرائح الحضرية الجديدة. وبهذا المعنى، لم يكن المجلس تعبيرًا عن التعدد الاجتماعي، بل عن تحالف طبقي اثني وديني ضيق أُسند إليه تمثيل المجتمع.

    ثانياً: رأس المال الاقتصادي وإعادة إنتاج المركز
    يشير رأس المال الاقتصادي، وفق بورديو، إلى الموارد المادية التي تمنح أصحابها قدرة على التحكم في الإنتاج والتوزيع. وفي السودان الاستعماري تركز هذا النوع من رأس المال في مناطق محددة، خاصة في وادي النيل والجزيرة حيث نشأت مشاريع زراعية كبرى مثل مشروع الجزيرة الذي أصبح العمود الفقري للاقتصاد الزراعي.
    وقد أدى هذا التركيز إلى نتيجتين أساسيتين:
    ١/ تعزيز موقع النخب الريفية المرتبطة بالأرض، مثل كبار الملاك والنظار الذين حصلوا على امتيازات اقتصادية نتيجة علاقتهم بالإدارة الاستعمارية.
    ٢/ توجيه الاستثمارات والبنية التحتية نحو مناطق محددة، ما أدى إلى تفاوت إقليمي واضح بين المركز والأطراف
    وبهذا المعنى، لم يكن التهميش الاقتصادي مجرد نتيجة عرضية، بل كان جزءًا من تصميم اقتصادي يخدم مصالح الإدارة الاستعمارية وحلفائها المحليين.

    ثالثاً: رأس المال الاجتماعي وشبكات السلطة
    يمثل رأس المال الاجتماعي شبكة العلاقات والروابط التي تمنح الأفراد أو الجماعات قدرة على الوصول إلى الموارد والفرص. وفي السودان، تشكّل هذا الرأس المال داخل شبكات محددة تجمع بين:
    - الطوائف الدينية الكبرى مثل الأنصار والختمية.
    - الزعامات القبلية المرتبطة بالإدارة الأهلية.
    - الطبقة البيروقراطية الناشئة في المؤسسات الحكومية.
    وقد أدى هذا التداخل إلى نشوء ما يمكن وصفه بـ التحالف الاجتماعي للنخبة المركزية، وهو تحالف يقوم على تبادل المصالح بين الدين والقبيلة والدولة الحديثة. ومن خلال هذا التحالف أُعيد إنتاج السلطة داخل دائرة محدودة، حيث أصبحت المناصب السياسية والإدارية تُتداول داخل شبكات اجتماعية ضيقة.
    وتظهر آثار هذا النمط بوضوح في الحياة السياسية السودانية بعد الاستقلال، حيث استمرت البيوت الطائفية والأسر السياسية في لعب دور محوري في توزيع السلطة.

    رابعاً: رأس المال الثقافي والهيمنة الرمزية
    يشير مفهوم رأس المال الثقافي في التحليل السوسيولوجي—كما صاغه بيير بورديو—إلى مجموع المعارف والمهارات والمؤهلات التعليمية والرموز الثقافية التي تمنح الأفراد والجماعات قدرة على اكتساب المكانة الاجتماعية والتأثير في تحديد المعايير الثقافية السائدة داخل المجتمع. وفي السياق السوداني، تشكّل هذا النوع من رأس المال ضمن مسار تاريخي خاص تداخلت فيه مرجعيتان ثقافيتان أساسيتان: الأولى حداثية مرتبطة بالمؤسسات التعليمية والإدارية التي أنشأتها الإدارة الاستعمارية، والثانية ذات طابع عربي–إسلامي شكّلت الإطار الرمزي المهيمن في المجال العام. وقد أدى هذا التلاقي إلى إنتاج نموذج مركّب من الشرعية الثقافية يجمع بين المعرفة الحديثة المكتسبة عبر التعليم النظامي وبين المكانة الرمزية المستمدة من الانتماء إلى الفضاء الثقافي العربي الإسلامي ومؤسساته الاجتماعية والدينية. وقد عالج عدد من الباحثين السودانيين هذه العلاقة المركبة، ومن بينهم الدكتور عمر مصطفى شركيان في دراساته حول الهوية والثقافة والسياسة.
    ضمن هذا السياق، لعب التعليم الحديث دورًا محوريًا في إنتاج رأس المال الثقافي. فالمؤسسات التعليمية التي أسستها الإدارة الاستعمارية—مثل كلية غردون التذكارية والمدارس الحكومية العليا—كانت محدودة العدد ومتمركزة جغرافيًا في المدن الرئيسية في وادي النيل. ونتيجة لهذا التركز المؤسسي والجغرافي، أصبح الوصول إلى التعليم الحديث مقصورًا بدرجة كبيرة على أبناء فئات اجتماعية محددة، خصوصًا الأسر الحضرية والنخب المحلية المرتبطة بالمركز الإداري والاقتصادي للدولة الاستعمارية. ومن خلال هذه المؤسسات تشكّلت طبقة متعلمة امتلكت أدوات اللغة والمعرفة الإدارية الحديثة، الأمر الذي أتاح لها احتلال موقع متقدم داخل جهاز الدولة الناشئة.
    غير أن هذا المسار لم يكن محايدًا من الناحية الثقافية. فقد ارتبط التعليم الحديث في كثير من الأحيان بمنظومة رمزية أوسع تستند إلى المرجعية العربية–الإسلامية بوصفها معيارًا ثقافيًا مهيمنًا لتعريف الهوية العامة للدولة والمجال السياسي. ونتيجة لهذا التداخل بين المعرفة الحديثة والمرجعية الثقافية السائدة، نشأ نموذج للنخبة يجمع بين رأس المال الثقافي الحديث وبين شرعية رمزية مستمدة من الانتماء إلى الفضاء العربي الإسلامي، وهو ما عزّز قدرة هذه الفئات على احتلال مواقع مركزية داخل الحقل السياسي والإداري.
    في المقابل، لم يقتصر وضع الثقافات الدينية والإثنية واللغوية الأخرى في السودان على مجرد الغياب عن دوائر الاعتراف المؤسسي، بل تعرّضت في كثير من الأحيان لعمليات إقصاء منهجي وعنيف هدفت إلى تقليص حضورها في المجال العام. فالمجتمعات الواقعة في الأقاليم الطرفية—والتي تمتلك تقاليد ثقافية ولغوية ودينية اصيلة ومتنوعة—لم تُحرم فقط من فرص متكافئة للوصول إلى مؤسسات التعليم الحديث أو شبكات السلطة الرمزية المرتبطة بالمركز، بل وُضعت ثقافاتها في موقع أدنى داخل الهرم الثقافي السائد قصدا. وفي حالات متعددة اتخذ هذا الإقصاء أشكالًا أكثر حدّة، تمثلت في حروب وضغوط مؤسسية أو سياسات إدارية هدفت إلى إضعاف هذه التعبيرات الثقافية أو الحد من انتشارها، كما تعرضت بعض ممارساتها الاجتماعية والدينية لخطاب وصم وتشويه صوّرها بوصفها مظاهر "تخلّف/كفر" و خروج عن النموذج الثقافي الذي اعتُبر معيارًا للهوية الوطنية.
    وقد أسهم هذا السياق في خلق اختلال واضح في توزيع رأس المال الثقافي بين المركز والأطراف. إذ احتكرت فئات محددة أدوات المعرفة الرسمية واللغة المهيمنة وآليات التمثيل الثقافي داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي أدى إلى تركّز الوظائف الإدارية والمهنية العليا في يد شريحة اجتماعية محدودة تمتلك التعليم الحديث ورأس المال الثقافي المرتبط به. كما عزّز هذا الوضع الهيمنة الثقافية للمركز، بحيث أصبحت رؤيته للهوية الوطنية والثقافة العامة الإطار المرجعي السائد في المجال السياسي، بينما بقيت التقاليد الثقافية والدينية والإثنية المتعددة في المجتمع السوداني على هامش الاعتراف المؤسسي.
    ومن منظور بورديو، يمكن فهم هذه الديناميات بوصفها شكلاً من العنف الرمزي؛ أي ذلك النمط من الهيمنة الذي يُمارس عبر المؤسسات التعليمية والثقافية من خلال فرض منظومة ثقافية بعينها باعتبارها المعيار الطبيعي والشرعي للمجتمع. وبهذا المعنى، لم يكن رأس المال الثقافي مجرد مورد معرفي، بل أصبح أداة مركزية لإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية والسياسية داخل الدولة السودانية، عبر تثبيت موقع النخب المركزية بوصفها الحامل الشرعي للمعرفة والثقافة والتمثيل الوطني، مقابل تقليص الاعتراف المؤسسي بالتعدد الثقافي والديني والإثني الذي يميز المجتمع السوداني.

    خامساً: التهميش بوصفه بنية تاريخية
    إن الجمع بين هذه الأنواع الثلاثة من رأس المال يكشف أن التهميش في السودان لم يكن مجرد خلل في السياسات التنموية، بل كان بنية تاريخية متكاملة تشكلت عبر تفاعل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
    فالنخب التي سيطرت على رأس المال الاقتصادي في مناطق محددة، امتلكت في الوقت ذاته رأس المال الاجتماعي عبر شبكات الطوائف والقبائل، ورأس المال الثقافي عبر السيطرة على مؤسسات التعليم والإدارة. وبهذا المعنى، أصبح حقل السلطة في السودان مجالاً مغلقًا نسبيًا يعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال.

    سادساً: تداعيات التهميش في الحاضر
    إن كثيرًا من الأزمات التي يعيشها السودان اليوم يمكن فهمها في ضوء هذه البنية التاريخية. فالحروب الأهلية الممتدة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، على سبيل المثال، تعكس في جوهرها اختلالًا عميقًا في توزيع السلطة والثروة والاعتراف الثقافي.
    كما أن ضعف الدولة المركزية وتكرار الانقلابات العسكرية يرتبطان بغياب عقد اجتماعي شامل قادر على استيعاب التعدد الإثني والثقافي في البلاد. ففي ظل استمرار احتكار رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي داخل دائرة ضيقة، يصبح من الصعب بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة المتساوية.

    خاتمة
    يكشف تحليل جذور التهميش في السودان، في ضوء مقاربة رأس المال عند بيير بورديو، أن الأزمة السودانية ليست مجرد تعثر سياسي عابر أو صراع على السلطة في لحظة تاريخية محددة، بل هي نتيجة مسار طويل من التراكم غير المتكافئ للسلطة والثروة والمعرفة. فقد تشكّل حقل السلطة في السودان منذ الحقبة الاستعمارية عبر تحالف بنيوي بين الإدارة الاستعمارية ونخب محلية محدودة احتكرت أشكال رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ثم أعادت إنتاج هذا الاحتكار داخل شبكات اجتماعية وثقافية مغلقة. ومع انتقال الدولة إلى مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تُفكك هذه البنية، بل جرى توريثها وإعادة إنتاجها داخل الدولة الوطنية، الأمر الذي حوّل كثيرًا من ممارسات السلطة إلى ما يمكن وصفه بـ الاستعمار الداخلي؛ أي استمرار أنماط الهيمنة والتفاوت داخل المجتمع نفسه، حيث تمارس النخب المركزية دورًا مماثلًا لدور السلطة الاستعمارية في التحكم بالموارد والاعتراف السياسي والرمزي، مقابل تهميش الأقاليم والمجتمعات الطرفية.
    وبهذا المعنى، فإن الأزمة السودانية المعاصرة ليست مجرد أزمة حكم أو إدارة، بل أزمة بنية دولة تشكّلت تاريخيًا على أساس توزيع غير عادل لرأس المال والسلطة والاعتراف الثقافي. ولذلك فإن أي محاولة لمعالجة هذه الأزمة عبر الإصلاحات الجزئية أو إعادة تدوير النخب داخل نفس الإطار المؤسسي لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها التي ظلت تغذي الصراع وعدم الاستقرار.
    إن تجاوز هذه البنية التاريخية يتطلب إعادة التفكير جذريًا في أسس الدولة السودانية ومفهوم المواطنة والسلطة داخلها. وهذا ما تطرحه في جوهره رؤية السودان الجديد بوصفها مشروعًا لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة الاعتراف بالتعدد التاريخي والثقافي والديني والإثني للمجتمع السوداني، وإعادة توزيع السلطة والثروة والمعرفة بصورة أكثر عدالة بين المركز والأقاليم. فإعادة التأسيس لا تعني مجرد تغيير النخب الحاكمة، بل تعني تفكيك البنية التي أنتجت التهميش وإقامة نظام سياسي يقوم على المساواة في المواطنة، واللامركزية الحقيقية في السلطة، والاعتراف بالتنوع الثقافي بوصفه أساسًا للهوية الوطنية لا تهديدًا لها
    وعليه، فإن الخروج من الأزمة السودانية لا يكمن في العودة إلى صيغ الدولة القديمة التي أثبتت فشلها التاريخي، بل في الانتقال إلى مشروع سياسي جديد يعيد بناء الدولة على أسس العدالة التاريخية والتوزيع المتكافئ لرأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وفي هذا الأفق، تمثل رؤية السودان الجديد وإعادة التأسيس محاولة فكرية وسياسية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي في السودان، بما يفتح المجال أمام بناء دولة حديثة تتجاوز منطق الهيمنة والاستعمار الداخلي، وتؤسس لفضاء سياسي يعترف بتعدد المجتمع السوداني ويضمن المشاركة العادلة لجميع مكوناته في صنع مستقبله.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de