خامسًا: الجيش السوداني – من وهم الإصلاح إلى ضرورة التفكيك البنيوي تتعامل ورقة "نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد" مع المؤسسة العسكرية بوصفها معطًى يمكن "إعادة توجيهه" أو "إصلاحه" عبر تغييرات في القيادة أو العقيدة المعلنة. غير أن هذا المنهج يتجاهل حقيقة تاريخية وبنيوية أساسية: أن الجيش السوداني لم يكن يومًا مؤسسة وطنية انحرفت عن مسارها، بل كان – منذ نشأته الحديثة – أداة مركزية في بناء الدولة غير العادلة وحمايتها. فهذا الجيش لم يُصمَّم للدفاع عن المجتمع، بل لحماية مركز السلطة، وضبط الأطراف، وتأديب الهامش، وترسيخ منظومة تفاوتات إثنية وثقافية واجتماعية انعكست بوضوح في: ١/ تركيبته القيادية التي ظلت تاريخيًا منحازة جغرافيًا وثقافيًا، ٢/ التراتبية الصارمة بين الضباط والجنود، حيث جرى تحويل أبناء الهامش إلى وقود حرب، ٣/ والعقيدة القتالية التي عرّفت "العدو" داخليًا بوصفه متمرّدًا، لا مواطنًا صاحب حق وقد شهدت هذه البنية تحوّلات عميقة، لا باتجاه المهنية أو الوطنية، بل باتجاه مزيد من التسييس، والأدلجة، والتفكك. فمنذ أسلمة الجيش، مرورًا بتطييفه، ثم خصخصة العنف عبر المليشيات المتحالفة معه أو المنبثقة عنه، لم يعد الجيش جهازًا موحّدًا للدولة، بل شبكة مصالح مسلّحة تحمي امتيازات النخب، وتعيد إنتاج العنف كأداة حكم. هذا ما عبّر عنه الدكتور جون قرنق دي مبيور بوضوح مبكر، حين ميّز بين "الجيش السوداني" كجهاز دولة مركزية، و"الجيش الشعبي" كأداة تحرر وطني. فقد كان يرى أن المشكلة ليست في "سوء إدارة" الجيش، بل في طبيعته ووظيفته التاريخية، ولهذا كان موقفه قاطعًا: الدولة التي بُني جيشها لقهر مواطنيها لا يمكن إصلاحها دون إعادة بناء جيشها من الأساس. وفي هذا السياق، تأتي مقولته الشهيرة التي تختزل التشخيص البنيوي: )These people are too deformed to be reformed.( وهي عبارة لا تشير إلى أفراد، بل إلى مؤسسات تشوّهت بنيويًا بفعل دورها التاريخي. أما الدكتور منصور خالد، فقد ذهب في الاتجاه ذاته حين وصف الجيش السوداني – في أكثر من موضع – بأنه جزء لا يتجزأ من أزمة الدولة الوطنية، وأن الانقلابات لم تكن "خروجًا" على السياسة، بل كانت آلية عملها الأساسية. فالعسكر، في تحليله، لم يحموا الدولة من الفوضى، بل منعوا تطورها الطبيعي، وأعادوا إنتاج نخبة ضيقة عبر السلاح. هذه الخلاصات تتقاطع مع ما توصّل إليه مفكرون وثوار عالميون. فقد أكّد كارل ماركس أن آلة الدولة، وفي قلبها الجيش، لا يمكن استخدامها لأهداف تحررية لأنها مصمَّمة لإدامة السيطرة. وذهب لينين إلى أن الثورة التي لا تفكك الجهاز العسكري القديم، إنما تسلّم مستقبلها لأعدائها. أما فرانتز فانون، فقد رأى أن الجيوش الموروثة عن الدولة الاستعمارية تتحوّل، بعد الاستقلال الشكلي، إلى أدوات قمع داخلي أشدّ فتكًا لأنها تلبس لبوس "الوطنية". في التجارب الثورية الكبرى – من فرنسا بعد 1789، إلى روسيا 1917، إلى حركات التحرر في فيتنام والجزائر وجنوب أفريقيا – لم يكن بناء الدولة الجديدة ممكنًا دون تفكيك الجيش القديم أو إعادة بنائه بالكامل بعقيدة جديدة. فاحتكار السلاح من قِبل مؤسسة معادية للمجتمع يعني استحالة أي انتقال ديمقراطي. في السياق السوداني الراهن، لم يعد الحديث عن "إصلاح الجيش" مجرد خطأ نظري، بل أصبح إنكارًا للواقع. فالجيش يمر اليوم بـ هزّة بنيوية عميقة: انقسام داخلي، تآكل العقيدة، انهيار السلسلة القيادية، وارتباط متزايد بمصالح اقتصادية فاسدة وشبكات عنف لا دولة. وهذه ليست أزمة عابرة يمكن "ترميمها"، بل لحظة تفكك تاريخي تؤكد أن هذه المؤسسة بلغت حدودها القصوى. وعليه، فإن مشروع السودان الجديد – في صيغته التأسيسية – يضع مسألة الجيش في قلب معركته السياسية: - لا ثورة بلا تفكيك الجيش القديم بوصفه جهازًا للعنف البنيوي، - ولا دولة جديدة بلا جيش جديد بعقيدة وطنية ديمقراطية، خاضع لسلطة مدنية حقيقية، - ولا مدنية بلا كسر احتكار السلاح الذي ظل أداة لابتزاز السياسة والمجتمع أي خطاب يتجاوز هذه الحقيقة، أو يؤجّلها باسم "الواقعية" أو "الاستقرار"، إنما يطرح مشروعًا محتالا ما قبل ثوري، يسعى للتعايش مع بنية أثبت التاريخ السوداني – دمًا وحروبًا – أنها غير قابلة للإصلاح. فالسؤال اليوم لم يعد: كيف نُصلح هذا الجيش؟ بل: كيف نؤسس دولة لا تحتاج إلى هذا الجيش كي تبقى؟
سادسًا: من يمثّل السودان الجديد اليوم؟ في الفاعل التاريخي بعد 15 أبريل: الهامش بوصفه مركز التأسيس لا هامش السياسة تُقدِّم ورقة الأستاذ ياسر عرمان تصورًا "مُضمَرًا" للفاعل التاريخي يظلّ، في بنيته العميقة، قريبًا من منطق النخبة: كأن الفاعلية تُقاس بقدرة الخطاب على "تجميع" الناس في سردية وطنية عامة، لا بقدرة القوى الاجتماعية على فرض قطيعة تأسيسية على الدولة القديمة. بينما تُثبت الثورة السودانية—ثم الحرب بوصفها لحظة كشفٍ بنيوي—أن الفاعل الحقيقي الذي يصنع التحوّل ليس من يجيد المناورة اللفظية أو هندسة التوازنات الرمزية، بل من يدفع ثمن القطيعة: الهامش، والريف، والنازحون، فقراء المدن وضحايا الدولة القديمة، والقوى التي خبرت العنف بوصفه نظامًا لا حادثة. ومن هنا، فإن سؤال "من يمثل السودان الجديد؟" لم يعد سؤال نسبٍ أو ادعاءٍ سياسي، بل سؤال الموقع داخل البنية: من يقف مع استحقاقات التأسيس (العلمانية، اللامركزية السيادية، العدالة التاريخية، تفكيك الجيش القديم وبناء جيش جديد، وحق تقرير المصير بوصفه ضمانة ضد الخداع المتكرر)؟ ومن يقف—عن قصدٍ أو بحذرٍ لغوي—مع إعادة تدوير الدولة القديمة تحت لافتة "الواقعية" و"التوافق"؟ ١/ بعد 15 أبريل لا عودة إلى ما قبلها: التاريخ لا "يرجع" إلى الوراء! القول بإمكانية استئناف السياسة من نقطة ما قبل الحرب يفترض أن الحرب "عارض" يمكن تجاوزه، بينما هي—في منطق التاريخ الاجتماعي—لحظة إعادة تشكيل للواقع وللوعي ولخريطة القوة. ما استثمره الهامش من دمٍ ودموعٍ وخسائر ليس رأسمالًا عاطفيًا قابلًا للتبديل، بل صار معرفة سياسية جماعية: أن الدولة القديمة لا تصلح، وأن "التأجيل" ليس حيادًا بل انحيازٌ لمن يملك الوقت والامتياز! في هذا المعنى تلتقي تجربة السودان مع تحذير مارتن لوثر كينغ من خطاب "الوقت المناسب"؛ ففكرة الانتظار ليست بريئة: "الانتظار" غالبًا اسمٌ آخر لإدامة الظلم. هذا الدرس هو نفسه الذي جعل تقاليد الفكر الافروامريكي في أمريكا (من دو بويس إلى بالدوين إلى أنجيلا ديفز) تنظر إلى دعوات التدرّج بوصفها تقنية سلطة: تُؤجَّل بها حقوق الضحايا حتى تفقد مركزيتها، ثم يُعاد تقديمها "كمنّة" أو "إصلاح"!
٢/ قراءة في عبارة عرمان: "التركيز على الإثنية والثقافة… مهم لكنه غير كافٍ" ورد عن الأستاذ ياسر عرمان في الورقة الاتي: "اتضح جلياً أن التركيز على قضايا الإثنية والثقافة وإشكالات الهوية وقضايا الاضطهاد القومي… مهم… لكنه غير كافٍ للوصول إلى مجتمع جديد" للظاهر، تبدو العبارة معقولة؛ فالهوية وحدها، في أي مشروع تحرري، لا تكفي لبناء مجتمع جديد. غير أن الإشكال الجوهري هنا لا يكمن في هذه الخلاصة العامة، بل في منطق ترتيب القضايا الذي تنطوي عليه الصياغة. إذ تُحيل العبارة قضايا الإثنية والثقافة والاضطهاد القومي إلى مرتبة "المدخل التعبوي" أو "الوسيلة السياسية" لبناء حركة جماهيرية، بدل الاعتراف بها بوصفها موقع الجرح المؤسِّس الذي قامت عليه الدولة القديمة نفسها. بهذا الترتيب، تتحوّل الهوية من سؤال شرعية إلى مرحلة انتقالية؛ من بنية تُحدّد من هو المواطن الكامل، ومن يُقصى، ومن تُنزع عنه الإنسانية سياسيًا باسم الدين والثقافة والعرق، إلى "ملف" يمكن تجاوزه بعد إنجاز مهام "أهم" يحددها المركز. وهنا يكمن الخلل الفلسفي والسياسي: لأن ما يُقترح تجاوزه ليس عرضًا، بل أساس الدولة ذاتها. في هذا السياق، لا يكفي استدعاء الفكر الأفرو–أمريكي بوصفه استعارة أخلاقية، بل ينبغي التعامل معه كنظرية دولة وامتياز. فقد جعل دبليو. إي. بي. دو بويس "خط اللون" محور الحداثة السياسية، مؤكدًا أن العِرق ليس هامشًا ثقافيًا بل بنية توزيع للحقوق والقيمة والاعتراف. وذهب جيمس بالدوين إلى تفكيك ما سمّاه "براءة النخب"، أي تلك الأخلاق التي تطلب من الضحية تجاوز التاريخ دون تفكيك شروطه، وهو ما يُبقي الجريمة فاعلة بوصفها نظامًا لا ذكرى. أما بيل هوكس وأنجيلا ديفز فقد بيّنتا، بصرامة نظرية، أن أي تحليل "طبقي" يتجاهل العِرق/الاثنية والجندر لا يكون أكثر راديكالية، بل أكثر عمى عن كيفية اشتغال السلطة فعليًا، لأن الهيمنة تعمل عبر طبقات متقاطعة لا عبر محور واحد. هنا تكتسب مقاربة التقاطعات كما صاغتها كيمبرلي كرينشو أهمية حاسمة في تفكيك هذه الصياغة. فكرينشو لم تُضف "العِرق/الاثنية" و"الجندر" إلى التحليل الطبقي بوصفهما عناصر مكمِّلة، بل بيّنت أن أنماط القهر لا تعمل منفصلة ثم تتراكم، بل تتقاطع بنيويًا لتنتج أشكالًا مخصوصة من الإقصاء لا يمكن فهمها إذا جرى تفكيكها إلى ملفات مستقلة. في السياق السوداني، يعني ذلك أن الاضطهاد القومي، والعِرقي/الاثني، والديني، والجندري، والاقتصادي، ليست مسارات متوازية يمكن ترتيبها زمنيًا، بل منظومة واحدة أنتجتها الدولة القديمة، ولا يمكن تفكيكها إلا عبر قطيعة شاملة معها. ومن هنا، تبدو عبارة "مهم لكنه غير كافٍ" ليست توصيفًا بريئًا، بل مناورة لغوية تُفرغ مطالب الضحايا من راهنيتها، وتُحيلها إلى "مرحلة لاحقة" بعد أن تُحسم أولويات المركز، او حتي أولويات الاحتياجات الإنسانية من "طعام وماوي"...الخ. وهذا المنطق هو ذاته الذي سبق أن كشفناه في قراءه لمذكرة كرام المواطنين (1925): خطاب يُحوّل المظالم البنيوية إلى قضايا "قابلة للإدارة" تحت سلطة الدولة، لا إلى حقوق تأسيسية غير قابلة للتأجيل. النتيجة، في الحالتين، واحدة: نزع الطابع الاستعجالي عن مطالب من دفعوا الثمن الأكبر، وإعادة إنتاج الامتياز باسم الحكمة والتدرّج. في مقابل ذلك، تتقدّم رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، في صيغتها الثورية المعاصرة، لأنها لا تتعامل مع الاضطهاد القومي والثقافي بوصفه "بابًا للتعبئة"، بل بوصفه جوهر الدولة القديمة. ومن هذا التشخيص تنبثق شروط الوجود السياسي الجديد: العدالة التاريخية لا بوصفها مصالحة، بل إعادة تعريف للشرعية؛ المواطنة المتساوية لا كشعار، بل كنقض لبنية الامتياز؛ العلمانية لا كخيار ثقافي، بل كشرط تحرّر؛ واللامركزية السيادية لا كإصلاح إداري، بل ككسر لعلاقة الهيمنة بين المركز والهامش. بهذا المعنى، لا يكون تجاوز هذه القضايا "مرحلة متقدمة" من النضال، بل يكون إنكارًا لطبيعة الدولة التي يُراد تغييرها. فالمجتمع الجديد لا يُبنى بتأجيل جراحه المؤسسة، بل بالاعتراف بها بوصفها نقطة البدء الوحيدة الممكنة.
٣/ قراءة في فقرة "افتعال معركة المركز والهامش" والتحليل الطبقي/الثقافي يكتب الأستاذ ياسر عرمان—بتلخيصٍ مامعناه—أن الجدل حول المركز والهامش وتحليل الطبقة/الثقافة "افتعال" لصراع لا أساس له، ثم يستشهد بغندرفرانك وسمير أمين وباران وسويزي ودوب… ليقول إن مصادر المفهوم معروفة... هنا يقع خطأٌ منهجي من نوعين: أ) تحويل النظرية إلى قائمة مراجع: الاستشهاد بغندرفرانك وسمير أمين وباران وسويزي ودوب لا يحسم شيئًا في سؤال السودان، لأن السؤال ليس: "من أين جاء المفهوم؟" بل: كيف يعمل المفهوم داخل بنية دولة محددة تاريخيًا؟. نظرية التبعية/المركز-الهامش في الاقتصاد السياسي العالمي ليست مجرد "إطار تعريفي"، بل أداة تحليل للعلاقات غير المتكافئة ولإنتاج التفاوت عبر المؤسسات والسوق والقوة. فإذا جرى استخدامها لتهدئة الصراع حول المركز والهامش داخل السودان، تُصبح النظرية نفسها مفرَّغة من جوهرها النقدي... ولا ماكده؟ ب) إلغاء السياسة باسم "التوافق النظري": القول إن المدارس "تتبادل" وتغتني صحيح أكاديميًا، لكنه يصبح سياسيًا مراوغة حين يُستخدم لإسكات سؤال: من يملك الدولة؟ من يملك السلاح؟ من يقرر تعريف المواطنة؟ التحليل الطبقي لا يُلغي التحليل الثقافي/الاجتماعي/الإثني/النوعي؛ بل يشتبك معه في الواقع—وهذا جوهر تقاليد المادية التاريخية الحديثة حين تتجاوز الاختزال. ما تفعله النخب القادمة من تقاليد "الشيوعية السودانية المتكلسة" غالبًا هو استدعاء "الطبقة" لتأجيل مواجهة العِرق/الثقافة/الدين، أو استدعاء "الهوية" لتأجيل مواجهة الاقتصاد—وفي الحالتين تُستعمل النظرية كقناع للهرب من استحقاقات التأسيس بما ذكرناه من تقاطعات. ثم تأتي الخلاصة السياسية الأخطر في الفقرة، حين يجري تصنيف قوى متباينة (الحركة الشعبية التيار الثوري الديمقراطي، حركة الطلاب المستقلين، المؤتمر السوداني… إلخ..الخ..) بوصفها جميعًا "من قوى السودان الجديد" وتنتمي إلى "الكتلة التاريخية" ذاتها، مع افتراض أن التباين بينها لن يؤثر استراتيجيًا. هذا حكمٌ نواياوي بلا معيار، ويُفرغ المفهوم من مضمونه. فالكتلة التاريخية—بالمعنى الغرامشي الدقيق—لا تُعرَّف بالتقارب اللفظي ولا بالتحالفات الخطابية، بل بالبرنامج والاصطفاف حول مفاصل الدولة في لحظة التأسيس. معيار الانتماء إلى السودان الجديد ليس اسم الجهة، ولا خلفيتها الاجتماعية، ولا لغتها العامة، بل موقفها العملي الواضح من القضايا التأسيسية التي لا تقبل الالتباس، وعلى رأسها: ١/ العلمانية بوصفها فصلًا حقيقيًا بين الدين والدولة، لا مجرّد إدارة رمادية للتنوّع؛ ٢/ اللامركزية السيادية وحق تقرير المصير كضمانة للوحدة الطوعية لا تهديدًا لها؛ ٣/ العدالة التاريخية لا كبلاغة مصالحة، بل كمساءلة لبنية الدولة؛ ٤/ تفكيك الجيش القديم وبناء جيش جديد بعقيدة وطنية ديمقراطية؛ ٥/ تفكيك اقتصاد الامتياز والريع وربط التنمية بالحقوق لا بالولاءات من دون هذا المعيار الصارم، يتحول "السودان الجديد" إلى هوية فضفاضة تستوعب الجميع ثم تُفرَّغ من محتواها الثوري. وهذا تحديدًا ما حذّر منه جيمس بالدوين وأنجيلا ديفز: توسيع الشعار إلى حدّ إفراغ الحق—أن يُرفع الاسم بينما تُؤجَّل الاستحقاقات... السودان الجديد ليس ناديًا اجتماعيًا ولا بطاقة انتماء تُمنح بالمجاملات أو باعتبارات "صاحب البطل" و"الكوسة". لا يوجد باب خلفي ولا طريق ثالث. الموقف من القضايا هو الحكم، والاصطفاف حولها هو الفيصل. من يدّعي الانتماء إلى السودان الجديد ثم يراوغ في هذه القضايا إنما يخطئ تعريف نفسه قبل أن يضلّل الآخرين، أي لامجال لبيع "الترام الذي يطير"! وبالتالي، فإن تصنيف الأفراد أو القوى السياسية ضمن السودان الجديد لا يكون بالتزكية ولا بالعلاقات، ولا يملك أحد—مهما كان موقعه—أن يمنح "صكوك السودان الجديد" لمن يشاء. المعيار واحد، ومعلن، ومحدّد في المبادئ فوق الدستورية: من يقف معها فهو في السودان الجديد، ومن يلتفّ عليها فمكانه—بلا مواربة—خارج مشروع التأسيس.
٤/ من يقود التغيير؟ ليس الخرطوم هذه المرة الواقع الجديد—دمويًا وسياسيًا—يشير إلى أن مركز القيادة الرمزية الذي اعتاد أن يحتكر اتجاه التغيير لم يعد قادرًا على "سرقة" مساره كما حدث تاريخيًا: تُضحّي الأطراف ثم تُعاد كتابة الخاتمة في الخرطوم. بعد 15 أبريل، هذا السيناريو يتآكل لأن أدواته (الشرعية القديمة، مؤسسات الدولة المركزية، احتكار العنف، احتكار الإعلام والتمثيل) نفسها دخلت في أزمة بنيوية. ولهذا، فالأجدى لأي كتابة سياسية "مركزية" أن تُراجع نفسها بصدق: أن تعترف بأن السودان القديم انتهى كمشروع، وأن تتعايش مع استحقاقات التغيير بدل التشويش عليها أو تسويق العودة إلى الوراء باسم "الواقعية".
٥/ عن دعوى "ترتيب الأولويات": المعيشة سياسة، والاستقلال الاقتصادي شرط الحرية، والسلام ثمرة التأسيس لا هدنة الخدمات تتردّد في الخطابات الإصلاحية—خصوصًا في لحظات التحوّل الجذري—دعوى "ترتيب الأولويات" التي تُقدِّم المعيشة والقضايا الإنسانية (الطعام، العلاج، السكن...الخ) على السياسة، وكأن السياسة عبءٌ مؤجَّل أو ترفٌ يمكن الاستغناء عنه. غير أن التاريخ الاجتماعي والسياسي يُظهر أن هذا الفصل ليس محايدًا؛ إذ استُخدم مرارًا لصرف الأنظار عن مواجهة الأسباب البنيوية التي تُنتج الحرب، الفقر والمرض والتشريد، ولتحويل السلام إلى هدنة خدمات تُدار داخل البنية ذاتها التي أشعلت الحرب. فلسفيًا، المعيشة ليست خارج السياسة؛ بل هي السياسة في صورتها الأكثر مادية، والسلام ليس وقف إطلاق نارٍ إداريًا بل نظام علاقات يُنهي دوافع العنف. ماركس لم يفصل شروط العيش عن علاقات السلطة، وكارل بولاني بيّن أن الاقتصاد لا يعمل خارج الدولة والقانون والقوة، بينما حذّرت حنّة أرندت من اختزال السياسة إلى "إدارة الاحتياجات" لأن ذلك يُحوِّل البشر إلى موضوعات ضبط لا ذواتًا فاعلة. وفي سياقات ما بعد الاستعمار، أكّد فانون أن السلام الذي لا يفكك بنية القهر يتحوّل إلى استقرار قسري يعيد إنتاج العنف بوسائل أخرى. في السودان تحديدًا، لا يمكن تقديم "الطعام قبل السياسة" ولا "السلام قبل التأسيس" دون الاعتراف بأن التجويع والحرب كانا سياسة دولة: سياسات أرض ومياه ومرعى، مركزية مالية، توزيع منحاز للاستثمار والخدمات، وعسكرة للاقتصاد. لذلك فإن تحويل المعيشة إلى بديل عن السياسة، أو السلام إلى ملفٍ إنساني، يعني عمليًا إدارة الأزمة تحت سقف الدولة القديمة—سلامٌ هشٌّ بلا عدالة، وخبزٌ مؤقّت بلا سيادة. في المقابل، تُقدِّم تجربة السودان الجديد—كما تجسّدت عمليًا في الأراضي المحرَّرة—برهانًا معاكسًا: معالجة المعيشة والسلام معًا بوصفهما نتاجًا للتأسيس. هناك، لم تُفصل قضايا الخبز والدواء والسكن عن سؤال السلطة، بل أُدرجت ضمن مشروع يعيد تعريف الاقتصاد بوصفه توزيعًا للسيادة والموارد، ويعيد تعريف السلام بوصفه تفكيكًا لدوافع الحرب لا إدارتها. تنظيم الأرض وحقوق الانتفاع، ضبط الوصول إلى المياه والمرعى، بناء أطر محلية للإدارة والعدالة والخدمات—كل ذلك لم يكن إغاثةً ولا هدنةً؛ بل تحريرًا ماديًا واجتماعيًا يقلّص دوافع الصراع من جذورها. وقد أفضى هذا المسار إلى استقلال اقتصادي نسبي عزّز الحرية ورسّخ السلام في آنٍ واحد: حين تُحمى الأرض كحق جماعي، ويُعاد تنظيم الإنتاج محليًا، ويُكسر احتكار المركز للموارد، يصبح الغذاء قرارًا مجتمعيًا لا منّة سلطوية، ويغدو العلاج والسكن امتدادًا لحقوق المواطنة، ويتحوّل السلام من تفاوضٍ فوقي إلى سلمٍ أهليٍّ يومي ناتج عن عدالة في التوزيع واعتراف متبادل بالحقوق. هذا الدرس ليس استثناءً؛ إنه قاعدة في تقاليد التحرّر عالميًا. من فيتنام إلى الجزائر إلى تجارب جنوب أفريقيا القاعدية، لم يستقر السلام حيث اقتصر على اتفاقات سياسية بلا تغيير في ملكية الأرض وتوزيع الموارد، بل حيث اقترن ببناء مؤسسات محلية تُدير الاقتصاد والعدالة معًا. فالسلام المستدام لا يقوم بلا سيادة على الأرض، ولا بلا اقتصاد يربط التنمية بالحقوق، ولا بلا كسرٍ لاحتكار العنف. وعليه، فإن معادلة الإصلاح—"نُؤجِّل السياسة لنُطعم الناس، ونُؤجِّل التأسيس لنوقِف الحرب"—تنتهي إلى إعادة إنتاج أسباب الجوع والعنف. أما معادلة السودان الجديد فتضع الأمور في نصابها: المعيشة سياسة، والاستقلال الاقتصادي شرط الحرية، والسلام ثمرة التأسيس. وقد برهنت الأراضي المحرَّرة، عمليًا لا نظريًا، أن جمع الخبز والحرية والسلام ممكن، بل هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة الخراب...
الخلاصة عن ورقة الأستاذ عرمان ورقة "الميلاد الثاني" تُظهر—في مقاطعها التي نقلتها—نزوعًا إلى "تخفيف" الأسئلة التي يدفع الهامش ثمنها يوميًا، عبر تحويلها إلى سجالات ثانوية أو معارك "في غير معترك". وهذا بالضبط ما يسميه الفكر النقدي: سياسة الإرجاء—أن تُطالَب الضحية بالصبر كي لا تنزعج النخبة. أما السودان الجديد، في صيغته الثورية، فيقول: لا صبر على حقوق تأسيسية، ولا تدرّج في كرامة الإنسان، ولا توافق على بقاء الدولة القديمة بأقنعتها الجديدة.
خاتمة: لا ميلاد بلا قطيعة — خليك مع الزمن! تخلص هذه الورقة إلى أن خطاب "الميلاد الثاني" لا يعكس أزمة في فكرة السودان الجديد ذاتها، بقدر ما يكشف أزمة نخبة ما تزال تحاول قراءة الحاضر بأدوات الماضي، وتكييف التحوّل التاريخي الجارف مع تصوّرات انتفاضات النخب ومساومات ما بعدها. إن هذا الخطاب، وهو يُجمِّد المشروع في شروط تاريخية تجاوزها الواقع، لا يقدّم تفسيرًا للّحظة الراهنة بقدر ما يسعى—عن وعي أو بدونه—إلى تشويش سيرورةٍ تاريخيةٍ لا يمكن إيقافها. لقد تغيّر الحقل الموضوعي تغيّرًا جذريًا. لم يعد المركز في موقع السيطرة الرمزية والمادية التي تسمح ببناء الحلول انطلاقًا منه، ولا عاد ممكنًا افتراض أن ما تعرّض له الهامش يمكن امتصاصه أو تأجيل استحقاقاته باسم "الواقعية" أو "التوافق". و"الحد الادني" إن ما أنتجته ثورة السودان الجديد—ثم ما كشفته حرب 15 أبريل—هو واقعٌ جديد لا صلة له بخرائط السياسة القديمة: واقع تُقاس فيه الشرعية بالموقف الفعلي من أسئلة التأسيس، لا بحسن النوايا ولا بتاريخ الخطاب. من هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مقاومة الزمن ولا محاولة إبطائه، بل الإصغاء إلى سيرورته: إلى اتجاهه، وإلى ما يفرضه من مهام. على الأستاذ ياسر عرمان—كما على غيره من الفاعلين—أن يقرأ هذا الواقع قراءة تأسيسية لا إصلاحية، وأن يختار موقعه مع التحوّل لا ضده. فالتاريخ، حين يغيّر اتجاهه، لا يعود إلى الوراء، ولا ينتظر من يتردّد عند العتبة. أما السودان الجديد، كما يتجسّد اليوم في مشروع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، فهو ليس "ميلادًا ثانيًا" متصالحًا مع بنية السودان القديم، بل قطيعة واعية ١/ قطيعة مع الدولة الدينية وأخلاقياتها القسرية، ٢/ قطيعة مع مركزٍ احتكر السيادة والموارد والتمثيل، ٣/ قطيعة مع جيشٍ قديم صُمّم لحماية الامتياز والعنف، ٤/ وبداية مشروع دولة جديدة تُقام على مبادئ فوق دستورية، وعلى حق تقرير المصير بوصفه ضمانةً للوحدة الطوعية والعدالة. في لحظة الانهيار الشامل، لا معنى لميلادٍ رمزيٍّ يهادن القديم. المعنى كلّه في مواجهة التأسيس بشجاعة: تأسيسٍ جدليٍّ يستوعب تاريخ النضال الشعبي وتضحيات الهامش، ويستلهم تجارب التحرّر العالمية وبنية الدول الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية. إمّا تأسيسٌ جذري يفتح أفق الدولة الجديدة، أو إعادة إنتاج الخراب بأسماء جديدة. والخيار—كما قال الفنان رمضان حسن—واضح وبسيط: خليك مع الزمن!
النضال مستمر والنصر أكيد
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة