تصدير معرفي: (حدود اللغة وتشكيل العالم) من المسلَّم به أكاديمياً أن لكل موجودٍ واجداً وكُنهًا؛ وعليه، فإن نشأة «جماعة مسرح السودان الواحد» ورؤيتها لم تكن خروجاً جزافياً، بل ارتبطت بسياقات شخوص ومؤثرات محلية وعالمية لا يمكن إدراكها بمعزلٍ عن بيئتها الفكرية. إن الفكرة التأسيسية للجماعة تنطلق مما أثبته المفكر ناشد سعيد في مقاله (دفاعاً عن القراءة - الجزء السابع) حين أشار إلى أننا: «لا نُفكر خارج اللغة؛ فنحن لا نُفكر بواسطة الكلمات التي نملكها فحسب، بل نُفكر داخل حدودها أيضاً... فالقراءة ليست علامة على العقل الجيّد فحسب، بل هي الصانعة والمُشكّلة له. فاللغة ليست ثوباً تلبسه الفكرة بعد أن تولد، بل هي الجلد الذي تولد به، ومن قرأ أكثر اكتسب كلمات أكثر، ومن ثم اتّسع أمامه العالم الذي يعيش فيه». وفي هذا السياق المعرفي، تدفعنا الجماعة للتفكير في حدود ما نعرف، استناداً إلى ما صاغه الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) في «رسالة منطقية فلسفية» (1921): «إن حدود لغتي هي حدود عالمي» — ونفهم ونقصد باللغة هنا ليس مجرد مفردات لفظية، بل المعارف والإدراك والوعي؛ فما لا نملك له اسماً لا نستطيع استيعابه ولا التفكير فيه. وهو المفهوم ذاته الذي تجسد حساً ونقداً في مخيلة جورج أورويل (George Orwell) — بحسب قراءة ناشد سعيد — في روايته «1984»، حين تخيل سلطةً شمولية لا تكتفي بمنع الأفكار، بل تمسح الكلمات؛ لأنه كلما ضاقت اللغة ضاق الخيال وتكلس التفكير. فالنشأة والسياق التاريخي والثقافي ل «جماعة مسرح السودان الواحد» (التي تأسست رسمياً في 26 سبتمبر 2004م إثر ورشة مسرحية متخصصة، وقدمت ورقتها التأسيسية بالمركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم في أكتوبر 2004م) كطليعةٍ فكرية جاءت تؤمن بخيار العلم وإمكانية اختراق الحواجز والأزمات بأدوات إبداعية للمساهمة في التغيير الشامل. لم تكن الجماعة رد فعلٍ لحظياً، بل تياراً فكرياً تبلور استجابة لقراءات متعمقة لتيارات نحت هذا المنحى سودانياً — مثل مدرسة «الغابة والصحراء» وتيار «السودانوية» — نحو تأسيس مسرح يستوعب التنوع الثقافي لعموم أهل السودان، مع التقاطع والحوار الخلاق مع الرؤى الفكرية المقابلة. اثر «المركز الثقافي الفرنسي» بالخرطوم، ومعه «معهد غوته الألماني» و«المجلس البريطاني»، في ميلاد الجماعة ونشأتها في لحظة تاريخية فارقة؛ إذ كان الخطاب السلطوي الطاغي آنذاك ينادي بـ "تأصيل الفنون" تحت هيمنة الأيدولوجيا وشعارات الإسلام السياسي التي ضيقت الخناق على الفضاءات و الميادين الثقافية والحرية الإبداعية. وفي ذلك المناخ المعتم، شكلت المراكز الثقافية الأجنبية المتنفس الوحيد المتاح علناً لإقامة المعارض، واستضافة الفرق العالمية، وعرض أسابيع السينما الأوروبية. وقد أسهم الحضور والمشاركة الفاعلة لأعضاء الجماعة في تلك الورش والدورات في تشكيل وعيهم الجمالي والفكري، واختبار أدواتهم التعبيرية. ثانيا :- المرجعيات الأكاديمية والجمالية تأسس الهيكل المعرفي للجماعة عبر التفاعل المباشر مع مدارس التشكيليين السودانيين؛ بدءاً من «مدرسة الخرطوم الهوياتية» وتطبيقاتها في البحث عن التشكيل البصري للذات الوطنية، وصولاً إلى «مدرسة الواحد العرفانية» برؤاها الفلسفية والصوفية وتأملاتها الشفيفة، باعتبارهم أصحاب همٍّ وأسئلة جمالية وفلسفية سابقة في تشكيل الوعي البصري والروحي. ثم اكتسبت هذه الرؤية نضجها الأكاديمي عبر الدراسة في «كلية الموسيقى والدراما» والنهل من مناهجها ذات الأبعاد العالمية؛ بدءاً من التأسيسات الفلسفية اليونانية وعصر الأنوار، وصولاً إلى الاتجاهات المسرحية الحديثة (مسرح العبث، التعبيرية، والمسرح الملحمي عند برتولت بريشت). كما يتجلى الأثر الأكاديمي والتطبيقي لرواد مناهج اعداد الممثل والإخراج والمسرح العالمي، وفي مقدمتهم: قسطنطين ستانيسلافسكي: في بناء أداء الممثل والواقعية النفسية. بيتر بروك: في المفهوم الفضائي واختراق "الفضاء الخالي". يرجي جروتوفسكي: في المسرح الفقير وتفكيك العلاقة بين الممثل والجمهور. أوغستو بوال: في تقنيات "مسرح المقهورين" والمسرح التفاعلي. وضعت هذه المرجعيات الجماعة أمام أسئلة المسرح السوداني ومحاولات نهوضه المتكررة في بيئة شبه بدوية تتجاذبها ثقافة الرعي وتتمنع على استحقاقات المدنية والحداثة والتراكم الثقافي. ثالثا :- الامتداد الجغرافي والميداني: اختبار الرؤية في الواقع لم تكن الجماعة طرحاً نظرياً معزولاً في الغرف المغلقة، بل تجربة حية أثرت وتأثرت بالواقع الميداني؛ ولا سيما عبر التقاطع مع تجارب «مركز ثقافة السلام» ومجموعة «سلام القواعد»، إضافة إلى القوافل والأسابيع المسرحية الميدانية، ومنها: أيام المسرح والسلام (2005م) أيام المسرح والتعلم (2008م) أيام المسرح وقضايا التجديد (2010م) أيام المسرح والتنمية (2012م) امتدت هذه التجربة عبر جغرافيا سودانية واسعة شملت العاصمة وولايات متعددة: إقليم دارفور: ( شرق دارفور: الضعين وما حولها). إقليم كردفان: (الدلنج وكادوقلي بجنوب كردفان، ومدن وفيافي ولايتي شمال وغرب كردفان: بابنوسة، الأبيض، النهود، الخوي، المجلد، التبون، والميرم). ولاية أعالي النيل (جنوب السودان قبل الانفصال): تجربة العمل والعيش في مدينة ملكال لمدة ثلاث سنوات، والتفاعل مع مجتمعها وحراكها الأكاديمي في «جامعة أعالي النيل» وسط ظروف الحرب والمعاناة. أسهمت هذه المعايشة الميدانية المباشرة في تعميق فهم الجماعة لطبيعة الصراعات والنزاعات المسلحة الممتدة، وقراءة الحاضر الصراعي ببوصلة مبتكرة تسعى لإحداث الفارق الجمالي والاجتماعي. رابعاً:- الروافد الفكرية والتحديات الهيكلية استندت الرؤية التنويرية للجماعة إلى التقاطع مع عدة روافد فكرية وثورية: الرادف الفكري / المجال طليعة المؤثرات التجربة الأكاديمية والثورية النزوع التجريبي لطلاب شعبة التمثيل (رؤى عادل الحربي في إخراج المسرح المعاصر)، والتجربة الاستثنائية لـ «جماعة الجمام» كفاعل أساسي في تأسيس كليتي الفنون بجامعتي جوبا والنيلين. التجديد الفكري العربي والأفريقي الطروحات التنويرية لـ طه حسين، وعلي عبد الرازق («الإسلام وأصول الحكم»)، وقاسم أمين، والمشاريع النقدية الكبرى لـ محمد عابد الجابري («نقد العقل العربي»)، وجورج طرابيشي («نقد نقد العقل العربي»)، والطيب تيزيني في مشروعه النقدي للفكر العربي. خامساً:- المراجعات السياسية النقد التحليلي لإخفاقات ونجاحات قوى اليسار وتيارات الإسلام السياسي في الشقين السياسي والاجتماعي، وقضايا المرأة والتعليم. سادساً؛- التحديات الإشكالية: واجهت التجربة إشكاليات حادة تمثلت في غياب الحرية، والقمع السلطوي، والفقر، والإفقار الممنهج للمبدعين، إلى جانب قلة التراكم التاريخي وإشكالية "النموذج" (كما طرحها المفكر الأكاديمي سيف الإسلام حاج حمد). ورغم أن هذه الظروف القاهرة أجبرت عدداً من الأعضاء على الابتعاد الجسدي، إلا أن "الحلم الكبير" ظل هو الدافع الأصيل للاستمرار. وسوف ستظل «جماعة مسرح السودان الواحد» نهجاً معرفياً وفكرياً يهدف إلى الخلاص التنموي والجمالي، وتجنب سيل الدماء، والسير في ركاب التقدم والإنسانية استناداً إلى الثراء الثقافي والجغرافي للشعب السوداني. وإن كان هذا الحلم كبيراً ومليئاً بالتحديات — ويرى فيه قليلو الهمة أمراً بعيد المنال وفي عداد المستحيل — فإننا نراه ممكناً وضرورياً لاستمرار الحياة بحرية وسلام؛ وهو ما يتطلب منا مواصلة الجهد الإبداعي وزيادة بذل الجهد فعلاً وتنظيراً. المراجع والتحققات المفهومية سعید، ناشد: مقال «دفاعاً عن القراءة (7): إننا لا نُفكر خارج اللغة»، (مصدر الاقتباسات الخاصة بحدود اللغة ودور القراءة في تشكيل العقل). فيتغنشتاين، لودفيغ: رسالة منطقية فلسفية (Tractatus Logico-Philosophicus)، 1921. (مفهوم حدود اللغة وحدود العالم). أورويل، جورج: رواية 1984. (مفهوم اختزال اللغة وتقييد الفكر). عبد الرازق، علي: الإسلام وأصول الحكم، 1925. الجابري، محمد عابد: سلسلة نقد العقل العربي. جورج طرابيشي،: موسوعة نقد نقد العقل العربي. الطيب تيزيني: مشروع نقد الفكر العربي. سيف الإسلام حاج حمد طروحاته الخاصة بإشكالية "النموذج" والثقافة السودانية. والعمل في حقل الذات المرجعيات المسرحية: أدبيات قسطنطين ستانيسلافسكي، بيتر بروك (الفضاء الخالي)، يرجي جروتوفسكي (نحو مسرح فقير)، وأوغستو بوال (مسرح المقهورين). الورقة التأسيسية لـ «جماعة مسرح السودان الواحد»: المركز الثقافي الفرنسي، الخرطوم، أبريل 2004م.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة