في لحظات الحروب الكبرى، لا تسقط الكلمات في الفراغ. فالتصريحات التي تصدر من القيادات العسكرية لا تُقرأ باعتبارها مجرد انفعالات أو حماسة ميدانية، بل تصبح جزءاً من سجل الصراع، وتُستعاد لاحقاً لفهم طبيعة القرارات والخيارات التي كانت مطروحة خلف الستار.
ومن بين أكثر المقاطع التي أثارت جدلاً واسعاً منذ بدايات هذه الحرب، ذلك المقطع الذي يظهر فيه الفريق ياسر العطا مخاطباً مجموعة من مقاتلي كتائب البراء، حيث قال بالنص:
(عندنا عمليات يا أخوانا في كل المناطق في العاصمة معارك كبيرة وحاسمة بنستخدم فيها أكبر “غدر” أكبر “غدر” يسمح بيهو “الغائد” العام من القوة المميتة سنستخدم اكبر غدر أكبر غدر يسمح بيهو السيد الغائد العام من القوة الخفية)
انتهى الاقتباس.
ولا تكمن الإشكالية في العبارات الواردة في الاقتباس بحد ذاتها، بل في الدلالات التي تحملها وما توحي به من معان. فعندما يتحدث مسؤول عسكري رفيع عن “أكبر قدر”، ويشير إلى “قوة خفية”، "وقوة مميتة"، ويتحدث عن وسيلة لا يجوز استخدامها إلا بإذن من “القائد العام”، فإن هذه التصريحات تثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة الوسائل التي كان يشير إليها، وحول حدود القوة التي كانت متاحة للاستخدام في تلك المرحلة.
ومن ثم، فإن قيمة هذا الاقتباس لا تتمثل في كونه دليلاً قاطعاً على استخدام جيش الكيزان للأسلحة المحرمة دولياً، وإنما في كونه عنصراً استدلالياً يكتسب أهميته عند قراءته في سياق الوقائع والقرائن الأخرى ذات الصلة فالقضاء لا يأخذ بالقرائن إنما بالديل القاطع الذي لا شك من وراءه.
وقد ذهب منتقدون لهذا الخطاب إلى أن المقصود بهذه العبارات قد يتجاوز مجرد الخداع التكتيكي أو المناورة العسكرية، ويربطونها بإمكانية الإشارة إلى أسلحة محرمة دولياً، ومنها الأسلحة الكيميائية. وحتى مع غياب توضيح رسمي يحدد المقصود بدقة، فإن مجرد ظهور مثل هذا التعبير في خطاب موجه إلى مقاتلين يكفي لإثارة قلق عميق، لأن الأسلحة غير التقليدية ليست مجالاً للمجاز أو التلميح، بل تخضع لأشد القيود في القانون الدولي.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا كان يعني المتحدث؟ بل: ماذا تفعل القيادة عندما تصدر مثل هذه العبارات من أحد كبار مسؤوليها؟ وهل تترك الكلمات غامضة لتتعدد تفسيراتها، أم تبادر إلى توضيح المقصود ونفي أي فهم يتعلق باستخدام وسائل محرمة؟
إن تحميل المسؤولية في زمن الحرب لا يبدأ فقط عند وقوع الفعل، بل يبدأ أيضاً عند صياغة الخطاب الذي يهيئ المناخ النفسي والسياسي له. فالقادة لا يُحاسبون فقط على الأوامر المكتوبة، وإنما أيضاً على الرسائل التي تصل إلى القوات التابعة لهم، وعلى الحدود التي يرسمونها لما هو مقبول وما هو مرفوض.
ولهذا فإن عبارة “أكبر غدر” لم تعد مجرد جملة عابرة في تسجيل متداول؛ فقد تحولت إلى سؤال سياسي وأخلاقي وقانوني: ما الذي كان يُقصد بها؟ ومن كان يعرف؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك مثل هذه العبارة بلا تفسير واضح؟
في الحروب، قد تنتهي المعارك، لكن الكلمات تبقى. وقد يكون أخطر ما في بعض التصريحات ليس ما تقوله صراحة، بل ما تتركه من ظلال وأسئلة حول ما كان يمكن أن يحدث خلف الأبواب المغلقة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة