كتبت بالأمس عن فوز منتخب الأرجنتين على نظيره المصري من الناحية الرياضية، وذكرت أن السبب الرئيس لهزيمة المصريين هو العقلية، ولا شيء غيرها.
لكنني أعود اليوم إلى الموضوع نفسه بعد أن أجبرتني مواقف وتصريحات البعض على ذلك، وسوف أمزج هذه المرة بين الكرة والسياسة.
فقد أطلق المدرب حسام حسن وبعض اللاعبين والإعلاميين المصريين، بعد اللقاء، تصريحات هوجاء، وقالوا كلاماً انفعالياً ما كان من المفترض أن يصدر عن المدرب واللاعبين، على وجه الخصوص.
ومع استمرار كثيرٍ من السودانيين، وبعضِ إخوتنا العرب، في خطابهم العاطفي ونفاقهم الاجتماعي، وجدت نفسي مدفوعاً إلى المزج بين الكرة والسياسة في هذا المقال.
فحديث المدرب حسام حسن عن أن هناك أهدافاً تسويقية تدفع الفيفا إلى إهداء كأس البطولة لميسي ومنتخبه، الذي ظفر بهذه الكأس في نسختها الأخيرة بعرق الجبين، حديث عاطفي وغير مسؤول، ومن المشين جداً أن يصدر من مدرب منتخب قدم أداءً جيداً خلال هذه البطولة، ووضع بصمة رياضية ملموسة، ثم يضيعها حسام حسن بمثل هذا الهراء. ولا أدري على ماذا كان ينافس حسام حسن، طالما أن لديه قناعة بأن الفيفا يخطط لمثل ما قاله.
والغريب في الأمر أن حسام نفسه، قبل المباراة، ظل يستجدي عواطف العرب والمسلمين بمحاولة صنع بطولة زائفة، عبر حمل علم فلسطين والحديث عن معاناة هذا الشعب المسلم المجاهد. وهنا لا بد أن نسأل حسام حسن: هل بدأت معاناة الفلسطينيين قبل يومين فقط من خوضكم مباراة دور الـ16؟ وأين كانت مثل هذه الآراء قبل ذلك؟ كما أنكم تقدمتم، في المنتخب، بالشكر للرئيس السيسي على وقفته مع المنتخب، فهل يا ترى سبق لكم أن ذكرتم فخامته، ولو تلميحاً بمعاناة إخوتنا الفلسطينيين وحاجتهم الشديدة إلى فتح المعابر وتقديم العون في أيام مضت حتى تحدثوننا الآن عن تشريف العرب والأفارقة؟
لهذا قلت إننا، كشعوب عربية، نمارس النفاق ونضحك على عقول بعضنا بصورة مستمرة، ونتعامل مع مباراة كرة قدم وكأنها حرب، مع أننا نهرب من الحروب الفعلية. يتحدث كثيرون منذ ليلة الأمس عن أن منتخب مصر شرّف العرب وصار مصدر فخرهم، ولا أدري منذ متى صارت ملاعب الكرة أماكن للشرف والفخر والاعتزاز.
ولا أنفي، من الناحية الرياضية، أن المنتخب المصري لعب بصورة جيدة، وحقق في هذه النسخة من البطولة ما لم يحققه من قبل. لكنها تظل مباراة كرة قدم كان من الممكن أن يحافظ فيها على تقدمه، لولا العقلية الكروية المتخلفة. وقد لاحظنا تقدم المدافع هاني في لقطة سبقت الهدف الثالث للأرجنتين بثوانٍ معدودة. ولحفظ الحقوق، لا بد أن أشير إلى أن المحلل أيمن يماني أورد تلك اللقطة وعلّق عليها بكلمات موجزة وواضحة، حيث أشار لنقص عدد المدافعين لحظة ارتداد الكرة بعد قطعها من محمد صلاح. والمفارقة العجيبة أن تقدم هاني، الذي أزعج صلاح قبل أن تُقطع منه الكرة، وجد الاستحسان من مدربه، الذي كان يشير إليه بالتقدم أكثر. ومع ذلك، يأتيك من يقول: ظلمونا لأن الحكم لم يحتسب ضربة جزاء لصلاح!
ولمعلومية البعض فإن احتكاك قدم مدافع الأرجنتين مع قدم صلاح حدث بعد أن فقد النجم المصري سيطرته على الكرة. وحتى لو سلمنا بأن الاحتكاك استوجب احتساب مخالفة، فهو قد يكون مجرد خطأ تحكيمي، لا يختلف عن أخطاء كثيرة وقع فيها الحكام قبل وبعد تطبيق تقنية الفار.
وقد ذكرني حديث حسام وزيكو والإعلامي شوبير وغيرهم عن الظلم التحكيمي المزعوم بذلك الظلم الذي وقع على هلال السودان في نهائي أبطال أفريقيا عام 1987. ففي تلك المباراة تعمد الحكم المغربي الراحل لاراش إقصاء الهلال لمصلحة الأهلي المصري، ولم نفعل أكثر من الغضب لحظتها، ثم انتهى كل شيء.
ولو كان مدرب منتخب مصر موضوعياً لتناول الأمر من زاوية مختلفة، ولحاسب نفسه وفريقه على ضعف العقلية وقلة التركيز في اللحظات الحرجة، التي غالباً ما يحسم فيها المحترفون الحقيقيون المباريات.
وهنا لا بد من المقارنة مع عقلية مدرب منتخب المغرب محمد وهبي، الذي تعلم التدريب في أوروبا، ولاعبيه الذين تكونوا هناك. فلو أن مدافعاً مغربياً ركض إلى الأمام في تلك اللحظات الحرجة، لطلب منه وهبي التراجع سريعاً بدلًا من دفعه إلى الأمام. والمتأمل لأداء هاني في البطولة سيجد أنه أدى بشكل جيد، لكنه ارتكب ثلاثة أخطاء قاتلة، منها هدفان عكسيان، وهذه اللقطة التي كلفت المصريين الخروج من البطولة. والمدرب الجيد، يا حسام، لا بد أن ينتبه إلى مثل هذا.
وقذ ذكرتني لقطة اندفاع هاني بما كان يفعله بعض مدافعي منتخبنا في نهائيات كأس أمم أفريقيا بغانا عام ٢٠٠٨. فحينها، وبعد التأخر أمام المنافسين، كنا نرى ريتشارد وبعض زملائه المدافعين في موقع رأس الحربة، دون أن يطلب منهم مازدا التراجع، ولهذا خسرنا في كل مباراة بثلاثة أهداف.
والموضوعية والاحترافية تقتضيان أن يراجع الجهاز الفني لمنتخب مصر أداءه داخل الملعب جيداَ، من أجل تصحيح الأخطاء والتقدم إلى الأمام، بدلاً من إهدار الوقت والطاقة في حملات إعلامية لن تجدي نفعاً مهما حاولوا.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة