كان وزير الأكياس رجلاً يؤمن بأن الحقيقة ليست شيئًا يُكتشف، بل شيئًا يُصاغ في مؤتمر صحفي، ثم يُعاد بثّه حتى يملّ الناس من تكذيبه. وكانت وزارته قد حققت إنجازات عظيمة لا يعرف أحد كيف يقيسها؛ فقد قلّت الأكياس في التقارير، وزادت في الشوارع، وانخفضت الغازات في البيانات، وازدادت في صدور المواطنين. وكان الوزير يقول دائمًا: — «الأرقام لا تكذب، لكنها أحيانًا تحتاج إلى وزير يعرف كيف يفسّرها.» وذات صباح، دخل عليه سكرتيره مذعورًا. — معالي الوزير، هناك لجنة تحقيق تسأل عن غاز الكلور. رفع وزير الاكياس رأسه ببطء. — لجنة تحقيق؟ — نعم. — وهل معها أوراق؟ — كثيرة. — وهل قرأوها؟ — يبدو ذلك. فأطرق وزير الاكياس لحظة، ثم نهض كمن اكتشف فجأة أن الوطن في خطر. — اتصل بمدير قناة «خيبة». — لماذا؟ — أريد الكاميرا. — وما علاقتها بالكلور؟ ابتسم وزير الاكياس ابتسامة رجل يعرف أن السياسة لا تحتاج إلى علاقة منطقية بين الأشياء. — هذه معركتي البيعية. وبعد دقائق، كان واقفًا أمام الكاميرا في الشارع. رفع إصبعه إلى السماء وقال: — لا يوجد كلور! ثم رفع إصبعًا آخر: — ولا توجد غازات! ثم نظر حوله، وتنفس نفسًا عميقًا، وقال: — ولا يوجد هواء! ساد الصمت. سأله رجل من الواقفين: — إذا لم يوجد هواء، فكيف نتنفس؟ قال وزير الاكياس: — إشاعة. قال الرجل: — لكنني أتنفس الآن. — هذا لأنك لم تقرأ البيان الرسمي. قال رجل آخر: — ولكننا نشم رائحة الكلور! فابتسم وزير الاكياس بثقة: — أنتم لا تشمون الكلور. أنتم تشمون الشائعات. قال ثالث: — وماذا عن لجنة التحقيق؟ قال وزير الاكياس: — تبالغ. — وإذا أثبتت وجود الكلور؟ — نشكل لجنة أخرى للتحقيق في اللجنة الأولى. — وإذا أثبتت اللجنة الثانية وجوده؟ — نشكل لجنة ثالثة. — وإذا أثبتت الثالثة وجوده أيضًا؟ صمت وزير الاكياس قليلًا. ثم قال: — نحقق في استقلالية اللجان. هنا سأل رجل عجوز: — ومعنى هذا أن الكلور موجود؟ التفت إليه وزير الاكياس وقال: — يا سيدي، أنت تفكر بطريقة خطيرة. وبينما كانت الكاميرا تتابع المشهد، مرّ كيس بلاستيكي في الهواء، حملته ريح خفيفة. أشار إليه وزير الاكياس مذعورًا: — أوقفوا التصوير! ثم عاد إلى الكاميرا: — أيها المواطنون، لا تصدقوا أعينكم! قال مدير القناة: — لكنه كيس يا معالي "الوزير". — هذا ما تريدك أن تظنه. — لكنه أمامنا. — وهل كل ما هو أمامنا موجود؟ فكر مدير القناة قليلًا. — هذه أول مرة أرى فيها فلسفة تُستخدم للدفاع عن كيس. قال وزير الاكياس: — لهذا السبب أنت مدير قناة، وأنا" وزير". ثم أشار إلى الكيس. — نحتاج إلى لجنة للتحقق من هويته. سأل الصحفي: — وماذا لو ثبت أنه كيس؟ قال وزير الاكياس: — نتحقق من مصدره. — وإذا ثبت أنه من البلاستيك؟ — نتحقق من نيته. — وإذا ثبت أنه بلا نية؟ قال وزير الاكياس: — عندها نبحث في نوايا من وجده. ساد الصمت. ثم اقترب منه رجل وقال: — معالي الوزير، المشكلة ليست في الكيس وحده. الناس تختنق. رد الوزير: — الاختناق مسألة إحصائية. — كيف؟ — إذا اختنق شخص واحد، فهذه حالة فردية. وإذا اختنق عشرة، فهذه مصادفة. وإذا اختنق ألف، فهذه حملة تشويه. قال الرجل: — ومتى تصبح كارثة؟ فأجاب الوزير من غير تردد: — عندما تنتهي صلاحية الحكومة. ضحك مدير القناة. فنظر إليه وزير الاكياس غاضبًا: — ما المضحك؟ قال المدير: — كنت أظن أن الكوميديا تحتاج إلى كاتب. قال وزير الاكياس: — لا يا عزيزي. يكفيها مسؤول صادق جدًا في إنكار الواقع. ثم أُغلقت الكاميرا. لكن صوت وزير الاكياس ظل يتردد في الشارع: — لا كلور! لا غازات! لا هواء! لا أكياس! وبعد قليل، قال أحد المشاهدين: — إذا لم يكن هناك كلور، ولا غازات، ولا هواء، ولا أكياس... فماذا بقي؟ نظر إليه صديقه وقال: — بقي "الوزير". — ولماذا لم يتبخر هو أيضًا؟ ابتسم صديقه: — لأن بعض الأشياء لا تتبخر مع العهد... بل تنتظر عهدًاشموليا جديدًا لتصبح فيه أكثر خبرة فى الاحتكار والانكار. ومنذ ذلك اليوم، أدرك أهل المدينة أن أخطر غاز ليس ما يخرج من المصانع، ولا ما يملأ الهواء... بل ذلك الغاز الخفي الذي يخرج من فم السلطة حين تقف أمام الحقيقة وتقول لك: «أنت لا تختنق... أنت تتوهم أنك تتنفس.»
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة