في أدبيات النزاعات الطويلة، غالباً ما تُصاغ التحولات الكبرى بهدوءٍ يسبق العاصفة، أو في غرفٍ مغلقة تواري خلف أبوابها ما لا تستطيع المنصات الرسمية إعلانه المشهد السوداني اليوم، المثقل بتعقيدات الميدان وانسداد أفق الحلول العلنية، يبدو أنه دخل مرحلة إعادة التموضع الدبلوماسي؛ حيث تتداخل التسريبات الإعلامية مع التحركات الإقليمية الهادئة لتشير إلى محاولة جادة لإعادة فتح مسار تفاوضي بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، بوساطة عُمانية تعمل بدقة بعيداً عن الأضواء
إن القراءة المتأنية لزيارة البرهان إلى مسقط تتجاوز حدود البروتوكول الرسمي، إذ تكتسب معناها الحقيقي عند وضعها في سياق محاولة إعادة وصل ما انقطع من خيوط الدبلوماسية الإقليمية، لا سيما مع الأطراف الفاعلة كدولة الإمارات العربية المتحدة هذا النمط من التحرك يندرج ضمن ما يُصطلح عليه بالدبلوماسية الصامتة، التي تعتمد على قنوات اتصال غير معلنة وخطوات صغيرة محسوبة تهدف إلى اختبار النوايا قبل إعلان المواقف وفي الأزمات المعقدة كالأزمة السودانية، غالباً ما تكون هذه المقاربة أكثر فاعلية من المؤتمرات الصاخبة التي تستهلكها المزايدات السياسية
المعطيات المتداولة حالياً ترسم أجندة واقعية تبتعد عن المثالية؛ فهي لا تسعى لإنهاء الحرب بضربة حظ، بل تهدف إلى "تنظيمها" تمهيداً لاحتوائها. يتجلى ذلك في الحديث عن هدنة إنسانية ممتدة تضمن فتح ممرات إغاثة آمنة عبر نقاط سيادية وحساسة، وتهدئة ميدانية مرحلية في بؤر الاشتعال الكبرى إنها استراتيجية إدارة الأزمة حين تعجز الأطراف عن الحسم العسكري، حيث يصبح الهدف هو تبريد الجبهات ومنح المساعدات الإنسانية فرصة العبور فوق صوت الرصاص
تبرز سلطنة عُمان في هذا السياق كلاعب استراتيجي يمتلك "رأسمال الثقة" المفقود في الإقليم. فالسلطنة التي لا تميل للضجيج السياسي، تمتلك سجلاً حافلاً في الوساطات الهادئة وقدرة فريدة على العمل خارج الاستقطابات الحادة في بيئة إقليمية مشحونة بالتوجس، يصبح الوسيط "غير المستفز" قيمة نادرة، وعُمان تجيد هذا الدور ببراعة تتيح للأطراف المنهكة من الحرب مخرجاً لا يمس سيادتها أو كرامتها السياسية
من الضروري أيضاً قراءة هذه التسريبات بحذر كأداة لسياسة "اختبار الأرض"؛ ففي زمن الحروب لا تُسرب المعلومات عفوياً، بل تُستخدم غالباً لقياس ردود الفعل وتهيئة الرأي العام لإمكانية اللقاء قبل وقوعه إن الهدف هنا قد لا يكون إعلان اللقاء في حد ذاته، بل جعل فكرة الجلوس على طاولة واحدة أمراً "ممكناً" ومقبولاً سياسياً بعد شهور من القطيعة
يعيش السودان اليوم مفارقة المسارين المتوازيين؛ حرب تُدار في العلن وتفاوض يُختبر في الظل. وفي هذا التوازي تكمن أزمة الدولة التي لم تعد فاعلاً واحداً متماسكاً، بل ساحة تتقاطع فيها إرادات محلية وإقليمية ودولية لا أحد يملك يقيناً بأن هذا المسار سينتج اختراقاً نهائياً، لكن المؤكد أن الدبلوماسية الصامتة عادت لتكون الملاذ الأخير ففي الحروب المعقدة، كثيراً ما تُصنع التحولات الكبرى بعيداً عن المنصات، وقد لا يأتي السلام للسودان من اتفاق معلن ومفاجئ، بل من تفاهمٍ يتشكل ببطء وصبر تحت جنح الظل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة