لم يكن التعليم في السودان يومًا مجرد وظيفة، بل كان دائمًا ملاذًا أخيرًا للعقل حين تضطرب السياسة، ونافذةً للأمل حين تضيق الحياة. في ولاية الجزيرة، حيث ارتبط اسمها تاريخيًا بالمدارس والمعلمين والحراك المدني الواعي، خرج خطاب من المسؤول الأول عن التعليم بدا وكأنه ينتمي إلى ساحة صراع لا إلى مؤسسة تربوية.
مدير عام التعليم يهدد المعلمين بأنه يمكن استبدالهم، إن طالبوا بحقوقهم، بعناصر من مليشيات «البراء» و«كيكل»، لم يكن التصريح مجرد انفعال عابر، بل كشف عن تصور عميق وخطير لطبيعة العلاقة بين إدارة التعليم والمعلم، وبين السلطة والحق المشروع في المطالبة.
في تلك اللحظة، لم يعد المعلم في نظر المسؤول شريكًا في صناعة الأجيال، بل أصبح عنصرًا يمكن إخضاعه بالتهديد، أو استبداله بالقوة.
وكأن العملية التعليمية يمكن أن تُدار بذات المنطق الذي تُدار به ساحات المواجهة، لا بذات القيم التي تُبنى بها العقول.
هذا الخطاب لا يسيء إلى المعلمين فحسب، بل يضع التعليم نفسه في موضع الاتهام. فحين يُستدعى اسم المليشيا إلى قاعة الدرس، فإن المدرسة تفقد رمزيتها المدنية، ويتحول الفضاء التربوي إلى انعكاس مباشر لواقع العنف في المجتمع. هنا لا تكون المشكلة في تدني المرتبات فقط، بل في تدني قيمة التعليم في وعي من يتولى إدارته.
ليس مستغربًا أن تتسرب لغة الصراع إلى مؤسسات الدولة في بلد يرزح تحت ضغط الحرب والانقسام، لكن الخطير أن تصبح هذه اللغة أداة إدارية تُخاطِب بها مؤسسة يفترض أنها حامية للقيم المدنية. فالمعلم الذي يُهدَّد اليوم لأنه طالب بحقه، هو ذاته الذي يُطلب منه غدًا أن يربي جيلاً يؤمن بالقانون والسلام والمدنية. وهذا تناقض لا يمكن أن يستقيم.
التعليم لا يُدار بعقلية الثكنة، ولا يُحمى بلغة الردع. إنه يقوم على الثقة، وعلى إدراك عميق بأن المعلم ليس موظفًا يمكن استبداله، بل حامل رسالة لا يمكن تعويضها بعناصر مسلحة أو خطاب تخويف.
في السياق الراهن، حيث تتآكل مؤسسات الدولة تباعًا، يظل التعليم آخر الأعمدة القادرة على إعادة بناء المجتمع. وأي خطاب يُهين المعلم أو يُهدده لا يعبّر عن أزمة فرد، بل عن أزمة تصور كامل لمعنى الدولة ووظيفتها. القضية هنا ليست شخصية، ولا تتعلق بخلاف عابر، بل بنمط تفكير يجب أن يُراجع بجدية. فحين يُطرح استبدال المعلمين بالمسلحين كخيار مطروح، نكون أمام انزلاق خطير من منطق المؤسسة إلى منطق المليشيا، ومن منطق التربية إلى منطق الترهيب.
إن احترام المعلم ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة استراتيجية لبقاء المجتمع. وأول مظاهر هذا الاحترام أن يُخاطَب بلغة الحقوق لا بلغة التهديد، وبعقلية الشراكة لا بعقلية الاستبدال.
حين يصل الخطاب الإداري إلى هذا المستوى، فإن السؤال لم يعد: ماذا قال المدير؟ بل أصبح: كيف وصل التفكير إلى هذه الدرجة التي ترى أن المليشيا يمكن أن تكون بديلاً للمدرسة؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة