في التوقيت الذي تنهش فيه الحرب أحشاء المركز السوداني، لم يعد الشرق مجرد امتداد جغرافي هادئ أو بوابة خلفية للدولة، بل استحال بتسارع دراماتيكي إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية تتصادم عندها طموحات القوى الإقليمية مع هواجس الأمن الدولي نحن اليوم لا نرصد مجرد تأثر إقليم بتداعيات صراع، بل نشهد عملية إعادة تشكيل صامتة قد تعيد تعريف السيادة والهوية السياسية لشرق السودان لعقود قادمة، حيث أدى الانزياح نحو المركز إلى تحول جذري في الوظيفة الاستراتيجية للإقليم فبعد أن صُنّف الشرق لسنوات كمجرد منطقة ذات أهمية كاشفة عبر بوابته المائية على البحر الأحمر، نقلته السيولة المؤسسية الراهنة من الهامش إلى المتن، ليصبح فراغاً سيادياً جاذباً للمصالح المتقاطعة بين أسمرا وأديس أبابا والقاهرة، في ظل استقطاب دولي محموم على الموانئ الحيوية
وتبرز المقاربة الإريترية كأحد أهم محركات هذا المشهد، حيث تُظهر القراءة المتأنية لسلوك أسمرا أنها لا تنظر إلى شرق السودان كجار فحسب، بل كعمق استراتيجي ومجال حيوي لا يقبل القسمة على التهديد. وبحكم حساسيتها العالية تجاه أي تحول بنيوي على حدودها الغربية، عززت إريتريا حضورها عبر تناغم تكتيكي مع السلطة في بورتسودان، ويقظة استخباراتية تجاه بؤر التوتر، وتموضع غير مباشر في الترتيبات الأمنية للبحر الأحمر، مما يثبت قانون الطبيعة الجيوسياسية بأن الفراغ في الداخل يستدعي الأدوار من الخارج بالضرورة
بيد أن هذا الاندفاع الإقليمي يصطدم بمعضلة العسكرة وتصاعد شظايا السلاح، وهي النتيجة الأكثر قتامة في المشهد الراهن، حيث تحول النمو السرطاني للتسلح المحلي والتشكيلات القبلية التي تسوّق نفسها كـ "مصدّات أمنية" إلى خطر يهدد باحتكار الدولة للعنف المشروع إن تداخل الدعم الخارجي مع الطموح المحلي ينذر بتحويل الشرق إلى فسيفساء مسلحة، وهو منزلق تاريخي قاد أقاليم سودانية أخرى نحو دوامات الاستقطاب وتفكك السلطة، مما يجعل السيادة مجرد شعار يفتقر لأدوات التنفيذ، خاصة مع تداخل ملف اللاجئين الإريتريين الذي بدأ يكتسب أبعاداً سياسية وضاغطة تتجاوز سياقه الإنساني المعتاد
وفي ظل هذا التشابك، لا يمكن فصل ما يحدث عن المسرح المفتوح للمصالح الكبرى في البحر الأحمر، حيث تراقب القاهرة توازنات القوى، وتضع العواصم الخليجية أمن الممرات الملاحية كأولوية، بينما تتسابق القوى الكبرى لترسيخ أقدامها على الأرصفة البحرية هذا الواقع يضع السيادة السودانية بين مطرقة التآكل وسندان الترميم، ويفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة تتراوح بين الوصاية المقنّعة عبر وكلاء محليين، أو التمزق الداخلي، أو حتى التدويل القسري لمنطقة الموانئ
إ أن خاتم القول المنطقي لهذا المشهد تؤكد أن ما يعتمل في شرق السودان ليس مجرد مؤامرة خارجية، بل هو نتاج تفاعل هشاشة البنية الداخلية مع أطماع الخارج، فإعادة التشكيل الجارية تُصنع في دهاليز القرار السوداني المتعثر قبل أن تُصاغ في عواصم الجوار ويبقى التساؤل الملحّ قائماً حول قدرة النخبة السودانية على إدراك حقيقة أن الشرق ينزلق نحو واقع جديد، وحول ما إذا كنا سنستفيق يوماً على إقليم لا يشبه في ملامحه السياسية السودان الذي عرفناه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة