لقراءة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ومن خلال حجم الضربات ، وطبيعة الأهداف ، وتوقيت التصعيد تشير إلى أن الصراع يتجاوز منطق الردع العسكري المباشر ليقترب من مستوى إعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط برمتها .
السؤال المركزي الذي يشغل مراكز القرار اليوم هو ما الهدف الحقيقي للحرب ؟ هل تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية فقط ، أم أن الهدف الأعمق هو إعادة تشكيل الإقليم سياسيًا وأمنيًا ؟ الإجابة تتطلب تفكيك ثلاثة مستويات ، وهي الأهداف العسكرية المعلنة . والتوازن الحقيقي للقوة بين الطرفين . والمشروع الجيوسياسي الكامن خلف الحرب .
فمن خلال الأهداف العسكرية المعلنة نجد أن الخطاب الرسمي الأمريكي-الإسرائيلي يركز على ثلاث قضايا رئيسية تشمل تدمير البرنامج النووي الإيراني ، وتحييد القدرات الصاروخية بعيدة المدى ، وتفكيك شبكة النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة . هذه الأهداف تعكس تصورًا استراتيجيًا يعتبر أن إيران أصبحت خلال العقدين الماضيين قوة إقليمية قادرة على تهديد النظام الأمني الذي بنته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة . لكن قراءة طبيعة الضربات تكشف أن العمليات تستهدف بجانب البنية العسكرية ، تشمل أيضًا مراكز القيادة والسيطرة وشبكات الاتصال العسكرية والبنية الصناعية المرتبطة بالتصنيع الدفاعي ، وهو ما يشير إلى أن الحرب تستهدف إضعاف القدرة الاستراتيجية للدولة الإيرانية نفسها .
أما نقاط القوة في المعسكر الأمريكي-الإسرائيلي رغم اتساع مساحة إيران الجغرافية ، تكمن في إمتلاك التحالف المقابل عدة مزايا استراتيجية حاسمة تتمثل في التفوق التكنولوجي ، والعسكري الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تمتلكان تفوقًا جويًا كبيرًا إلي جانب منظومات استخبارات متقدمة وقدرات حرب إلكترونية عالية ، هذا التفوق يسمح بتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف البنية العسكرية العميقة داخل إيران . اضف الي ذلك السيطرة على المجال البحري حيث أن القوة البحرية الأمريكية قادرة على فرض حصار بحري فعلي في الخليج وبحر العرب ، ما يحد من قدرة إيران على المناورة الاستراتيجية . بالإضافة إلي شبكة التحالفات الإقليمية التي تتمثل في القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج حيث تمنح واشنطن عمقًا عملياتيًا كبيرًا يسمح بإدارة الحرب من عدة منصات .
أما نقاط ضعف التحالف الأمريكي-الإسرائيلي رغم التفوق العسكري ، يواجه هذا المعسكر تحديات استراتيجية حقيقية تتمثل في صعوبة الحرب الطويلة وذلك لأن إيران دولة كبيرة جغرافيًا وديموغرافيًا ، وأي حرب طويلة قد تتحول إلى حرب استنزاف مكلفة . أضف إلي ذلك هشاشة البيئة الإقليمية حيث أن أي توسع للحرب قد يهدد استقرار منطقة الخليج وأمن الطاقة العالمي والملاحة الدولية مما يضع ضغوطًا سياسية واقتصادية على واشنطن . كما لا ننسى محدودية القبول الدولي حيث نرى أن بعض القوى الكبرى ، مثل الصين وروسيا ، تنظر إلى الحرب باعتبارها محاولة أمريكية لإعادة فرض الهيمنة على الإقليم .
أما نقاط القوة في الاستراتيجية الإيرانية ، رغم الفارق في القوة العسكرية التقليدية ، بنت إيران نموذجًا مختلفًا في إدارة الصراع حيث اتبعت ايران استراتيجية الحرب غير المتكافئة ، وذلك من خلال النظر إلى العقيدة العسكرية الإيرانية التي تقوم على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ، هذه الأدوات تسمح لإيران بإلحاق تكلفة مستمرة بخصومها دون خوض مواجهة تقليدية مباشرة . أضف إلي ذلك شبكة النفوذ الإقليمي التي تمتلكها إيران تمتلك من حلفاء موزعين في عدة مناطق من الشرق الأوسط . هذه الشبكة تمنحها القدرة على فتح جبهات متعددة تشكل ضغطًا كبيرًا على إسرائيل والقوات الأمريكية خاصة مخزون الصواريخ الإيرانية عند الحوثيين في اليمن . كذلك الجغرافيا الاستراتيجية حيث الموقع الإيراني يمنحها قدرة على التأثير في أهم ممرات الطاقة العالمية ، خصوصًا الخليج ومضيق هرمز .
أما نقاط الضعف الإيرانية فتتمثل في المقابل ، ان إيران تواجه تحديات حقيقية تتمثل في التفوق الجوي للخصم حيث القوة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية قادرة على ضرب أهداف عسكرية داخل إيران دون خسائر كبيرة . والضغوط الاقتصادية منها العقوبات الطويلة أضعفت الاقتصاد الإيراني ، ما يقلل قدرة الدولة على تحمل حرب طويلة . بالإضافة إلى هشاشة البنية التحتية العسكرية رغم تطور البرنامج الصاروخي ، لا تزال بعض المنشآت العسكرية عرضة لضربات دقيقة .
الهدف الحقيقي للحرب إذا جمعنا كل هذه المعطيات ، ويظهر أن التدمير العسكري الكامل لإيران ليس هدفًا واقعيًا ، لأن إيران دولة كبيرة جغرافيًا وديموغرافيًا وقوية مؤسساتيا . فإسقاطها عسكريًا يتطلب حربًا برية واسعة ، وهو سيناريو لا يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة له . لذلك يرجح أن الهدف الحقيقي للحرب هو إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، ويشمل ذلك تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي إعادة بناء نظام ردع جديد في المنطقة وفرض توازن قوى جديد يخدم التحالف الأمريكي-الإسرائيلي ، وبعبارة أخرى، الهدف ليس تدمير إيران بالكامل ، بل إعادة ضبط موقعها في النظام الإقليمي .
مهما كانت نتيجةالحرب فتداعياتها على مستقبل المنطقة تجعل من الشرق الأوسط بعد هذه المواجهة لن يكون كما كان قبلها . السيناريوهات المحتملة تشمل إعادة رسم التحالفات الإقليمية مع تزايد تسارع سباق التسلح في المنطقة وتصاعد دور القوى الدولية الكبرى ، وقد تؤدي الحرب أيضًا إلى تحولات سياسية داخل عدة دول في الشرق الأوسط نتيجة الضغوط الأمنية والاقتصادية .
الحرب الجارية بين إيران وخصومها . إنها مواجهة بين مشروعين إقليميين متنافسين ، مشروع يسعى إلى تثبيت الهيمنة الأمنية الأمريكية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط ، ومشروع إيراني يسعى إلى توسيع نفوذه وبناء نظام إقليمي متعدد القوى . وفي هذا السياق ، تصبح الحرب أداة لإعادة رسم قواعد اللعبة دون تحقيق نصر عسكري مباشر . لذلك قد يكون السؤال الأهم ليس : من سينتصر في الحرب ؟ ولكن كيف سيبدو الشرق الأوسط عندما تنتهي ؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة