مَنْصُورُ خَالِدٍ وَجَعْفَرُ نُمَيْرِي كتبه الأمين مصطفى

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-16-2026, 11:55 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-15-2026, 01:43 PM

الأمين مصطفى
<aالأمين مصطفى
تاريخ التسجيل: 02-20-2020
مجموع المشاركات: 1774

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
مَنْصُورُ خَالِدٍ وَجَعْفَرُ نُمَيْرِي كتبه الأمين مصطفى

    01:43 PM August, 15 2026

    سودانيز اون لاين
    الأمين مصطفى-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    مَنْصُورُ خَالِدٍ وَجَعْفَرُ نُمَيْرِي
    «صَنَمٌ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا ثُمَّ عَبَدْنَاهُ»
    فِي تَارِيخِ السِّيَاسَةِ السُّودَانِيَّةِ، قَلِيلَةٌ هِيَ الْعَلَاقَاتُ الَّتِي تَكْشِفُ عَنْ تَعْقِيدِ عَلاقَةِ المتعلم بِالسُّلْطَةِ مِثْلَ عَلاقَةِ الدُّكْتُورِ مَنْصُورِ خَالِدٍ بالانقلابي جَعْفَرِ مُحَمَّدٍ نُمَيْرِي.
    فَمَنْصُورُ خَالِدٍ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ وَزِيرٍ مَرَّ عَبْرَ حُكُومَةِ مَايُو، وَنُمَيْرِي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ رَئِيسٍ عَمِلَ تَحْتَ رَئَاسَتِهِ وَزِيرٌ مِنَ الْوُزَرَاءِ.
    كَانَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَقَارُبٌ سِيَاسِيٌّ وَفِكْرِيٌّ فِي سَنَوَاتِ مَايُو الْأُولَى، ثُمَّ وَقَعَ الِافْتِرَاقُ، وَتَحَوَّلَ التَّقَارُبُ إِلَى خِلَافٍ، وَتَحَوَّلَ الْخِلَافُ إِلَى نَقْدٍ مُتَبَادَلٍ، حَتَّى أَصْبَحَ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلَيْنِ يَنْظُرُ إِلَى التَّجْرِبَةِ مِنْ مَوْقِعٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا.
    وَرُبَّمَا تَلَخَّصَتْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ فِي الْعِبَارَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الدُّكْتُورِ جَعْفَرِ مُحَمَّدٍ عَلِيٍّ بَخَيْتٍ:

    «هَذَا صَنَمٌ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا، ثُمَّ عَبَدْنَاهُ».


    وَتَرِدُ الْعِبَارَةُ فِي رِوَايَةٍ صَحَفِيَّةٍ لَاحِقَةٍ، فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ دَوْرِ الْمَدَنِيِّينَ الَّذِينَ اِلْتَحَقُوا بِنِظَامِ مَايُو فِي تَعْظِيمِ شَخْصِيَّةِ نُمَيْرِي وَتَرْسِيخِ سُلْطَتِهِ. وَمِنَ الْمُهِمِّ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّنَا لَمْ نَعْثُرْ عَلَى النَّصِّ الْأَصْلِيِّ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الْعِبَارَةُ، لِذَلِكَ فَهِيَ رِوَايَةٌ مَنْقُولَةٌ وَلَيْسَتْ وَثِيقَةً أَصْلِيَّةً.
    أَوَّلًا: مَنْصُورٌ خَالِدٌ فِي دَاخِلِ نِظَامِ مَايُو
    بَعْدَ اِنْقِلَابِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ مَايُو 1969م، دَخَلَ مَنْصُورُ خَالِدٍ فِي تَجْرِبَةِ مَايُو، وَأَصْبَحَ مِنْ أَبْرَزِ الْوُجُوهِ الْمَدَنِيَّةِ فِي النِّظَامِ.
    وَتَوَلَّى عِدَّةَ مَنَاصِبَ وَزَارِيَّةٍ، وَكَانَ أَبْرَزَ حُضُورِهِ فِي وَزَارَةِ الْخَارِجِيَّةِ، حَيْثُ أَدَّى دَوْرًا مُهِمًّا فِي إِعَادَةِ بِنَاءِ عَلاقَاتِ السُّودَانِ الْخَارِجِيَّةِ، وَفِي الْعَلَاقَةِ مَعَ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ.
    وَفِي شَهَادَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ، أَقَرَّ الصَّادِقُ الْمَهْدِيُّ بِأَنَّ مَنْصُورَ خَالِدًا كَانَ لَهُ دَوْرٌ فِي تَرْتِيبِ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ نِظَامِ نُمَيْرِي وَالْأَمْرِيكِيِّينَ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوْرَ كَانَ مَعْرُوفًا.
    وَفِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ، كَانَتْ عَلاقَةُ نُمَيْرِي بِمَنْصُورٍ خَالِدٍ قَرِيبَةً.
    بَلْ إِنَّ وَثِيقَةً دِبْلُومَاسِيَّةً أَمْرِيكِيَّةً مِنْ سَنَةِ 1972م تَنْقُلُ عَنْ نُمَيْرِي أَنَّهُ كَانَ يَثِقُ بِمَنْصُورٍ خَالِدٍ ثِقَةً كَامِلَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَعُدُّهُ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي تُقَدِّمُ خِدْمَةً مُهِمَّةً لِلسُّودَانِ.
    إِذَنْ، لَمْ تَكُنْ بَدَايَةُ الْعَلَاقَةِ عَلاقَةَ عَدَاءٍ، وَلَا عَلاقَةَ وَزِيرٍ يَفْرِضُهُ الْأَمْرُ الْوَاقِعُ عَلَى رَئِيسِهِ؛ بَلْ كَانَتْ عَلاقَةَ ثِقَةٍ وَاعْتِمَادٍ.
    ثَانِيًا: مَتَى بَدَأَ الشَّرْخُ؟
    جَاءَ الشَّرْخُ الْكَبِيرُ فِي عَامِ 1975م.
    فَفِي يَنَايِرَ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، أَجْرَى نُمَيْرِي تَعْدِيلًا وَزَارِيًّا كَبِيرًا، وَنُقِلَ مَنْصُورُ خَالِدٌ مِنْ وَزَارَةِ الْخَارِجِيَّةِ إِلَى وَزَارَةِ التَّرْبِيَةِ.
    وَلَمْ يَكُنِ التَّغْيِيرُ، بِحَسَبِ الْوَثَائِقِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، مُجَرَّدَ تَبْدِيلٍ إِدَارِيٍّ عَادِيٍّ.
    فَقَدْ كَانَ نُمَيْرِي غَاضِبًا مِنْ بَعْضِ وُزَرَائِهِ السَّابِقِينَ، وَقَالَ إِنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلِاتِّحَادِ الِاشْتِرَاكِيِّ، وَإِنَّهُمْ حَاوَلُوا بِنَاءَ «إِمْبِرَاطُورِيَّاتٍ» خَاصَّةٍ بِهِمْ.
    وَفِي هَذَا السِّيَاقِ أَشَارَ نُمَيْرِي، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَنْصُورَ خَالِدٍ بِاسْمِهِ، إِلَى كَثْرَةِ رِحْلَاتِهِ الْخَارِجِيَّةِ وَهُوَ وَزِيرٌ لِلْخَارِجِيَّةِ.
    وَلَمْ يَقِفْ نُمَيْرِي عِنْدَ النَّقْدِ السِّيَاسِيِّ.
    فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي الْوَثِيقَةِ نَفْسِهَا وَصْفُ مَنْصُورٍ بِأَلْفَاظٍ سَاخِرَةٍ، مِنْهَا أَنَّهُ «جَانْكْتِير»؛ أَيْ إِنَّهُ يُحِبُّ الْأَشْيَاءَ الْمَجَّانِيَّةَ، وَأَنَّهُ «كُونْجِينِيتَال»؛ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ، فِي رَأْيِ نُمَيْرِي، صِفَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ فِيهِ.
    وَهَذَا النَّقْدُ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يَعُدْ خِلَافًا فِي السِّيَاسَةِ أَوْ فِي تَوْجِيهِ الْخَارِجِيَّةِ، بَلْ اِنْتَقَلَ إِلَى تَقْيِيمِ شَخْصِيَّةِ مَنْصُورٍ نَفْسِهَا.
    ثَالِثًا: نُمَيْرِي يَتَّهِمُ مَنْصُورًا بِبِنَاءِ «إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ»
    أَخْطَرُ مَا وَرَدَ فِي نَقْدِ نُمَيْرِي لِمَنْصُورٍ لَيْسَ السُّخْرِيَةَ مِنْ رِحْلَاتِهِ، بَلْ الاِتِّهَامُ السِّيَاسِيُّ بِأَنَّ بَعْضَ الْوُزَرَاءِ السَّابِقِينَ حَاوَلُوا بِنَاءَ «إِمْبِرَاطُورِيَّاتٍ» خَاصَّةٍ بِهِمْ.
    وَهُنَا يَظْهَرُ جَوْهَرُ الْخِلَافِ.
    فَنُمَيْرِي، الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ تَبْقَى السُّلْطَةُ الْمَرْكَزِيَّةُ فِي يَدِهِ وَفِي يَدِ الِاتِّحَادِ الِاشْتِرَاكِيِّ، لَمْ يَعُدْ يَرَى فِي الْوَزِيرِ الْقَوِيِّ حَلِيفًا بِالضَّرُورَةِ؛ بَلْ قَدْ يَرَاهُ مُنَافِسًا عَلَى النُّفُوذِ.
    وَمَنْصُورُ خَالِدٌ كَانَ، بِلا شَكٍّ، مِنْ أَقْوَى الشَّخْصِيَّاتِ الْمَدَنِيَّةِ حُضُورًا فِي النِّظَامِ.
    لِذَلِكَ يُمْكِنُ فَهْمُ إِبْعَادِهِ عَنْ وَزَارَةِ الْخَارِجِيَّةِ فِي إِطَارِ صِرَاعٍ أَوْسَعَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الْمَعْرِفَةَ وَالنُّفُوذَ وَالْعَلَاقَاتِ فِي دَاخِلِ دَوْلَةِ مَايُو.
    رَابِعًا: مَنْصُورٌ يَرُدُّ عَلَى نُمَيْرِي بِكِتَابِهِ
    إِذَا كَانَ نُمَيْرِي قَدْ اِنْتَقَدَ مَنْصُورًا خَالِدًا بِصُورَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، فَإِنَّ مَنْصُورًا لَمْ يَتْرُكْ تَجْرِبَةَ مَايُو تَمْرُرُ مِنْ دُونِ تَشْرِيحٍ نَقْدِيٍّ عَمِيقٍ.
    فِي كِتَابِهِ «السُّودَانُ وَالنَّفَقُ الْمُظْلِمُ: قِصَّةُ الْفَسَادِ وَالِاسْتِبْدَادِ»، قَدَّمَ مَنْصُورٌ خَالِدٌ قِرَاءَةً مِنْ دَاخِلِ تَجْرِبَةِ مَايُو، وَكَانَ شَدِيدَ النَّقْدِ لِطَرِيقَةِ نُمَيْرِي فِي إِدَارَةِ السُّلْطَةِ وَعَلاقَتِهِ بِمَنْ حَوْلَهُ.
    وَيَصِفُ مَنْصُورٌ فِي ذَلِكَ السِّيَاقِ ثَلَاثَ دَوَائِرَ أَحَاطَتْ بِنُمَيْرِي: التِّكْنُوقْرَاطَ، وَأَهْلَ التَّعْبِئَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَ«حَاشِيَةَ الْبَلَاطِ».
    وَيَرَى أَنَّ الْمَجْمُوعَةَ الْأَخِيرَةَ كَانَتْ تَسْعَى إِلَى خِدْمَةِ ذَوَاتِهَا وَالتَّقَرُّبِ مِنَ الرَّئِيسِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُوَقِّرُ الْمُؤَسَّسَاتِ.
    وَالأَكْثَرُ دَلَالَةً أَنَّ مَنْصُورًا خَالِدًا نَفْسَهُ أَصْبَحَ يَنْظُرُ إِلَى نُمَيْرِي، فِي مَرْحَلَةٍ لَاحِقَةٍ، بِعَيْنٍ نَقْدِيَّةٍ جِدًّا، حَتَّى إِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَحْدَاثِ 1975م تُظْهِرُ تَصَوُّرًا لِنُمَيْرِي عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ يَتَأَثَّرُ بِمَنْ حَوْلَهُ وَيَتَرَدَّدُ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَزْمَاتِ.
    وَيُشِيرُ النَّصُّ الْمُنْقُولُ مِنْ كِتَابِهِ إِلَى مَا يَعْتَقِدُهُ مَنْصُورٌ مِنْ «جُبْنٍ شَخْصِيٍّ» عِنْدَ نُمَيْرِي وَخَشْيَتِهِ الْمُوَاجَهَةَ.
    وَهُنَا نَرَى أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لَمْ يَعُدْ خِلَافًا بَيْنَ رَئِيسٍ وَوَزِيرٍ، بَلْ أَصْبَحَ خِلَافًا بَيْنَ رُؤْيَتَيْنِ لِلدَّوْلَةِ وَالسُّلْطَةِ.
    خَامِسًا: مُفَارَقَةُ «الرَّجُلِ الرَّشِيدِ وَالْمُحَنَّكِ»
    تُوجَدُ رِوَايَةٌ صَحَفِيَّةٌ مُتَدَاوَلَةٌ تَنْقُلُ عَنْ مَنْصُورٍ خَالِدٍ، فِي بَدَايَاتِ عَهْدِ مَايُو، وَصْفَهُ لِنُمَيْرِي بِأَنَّهُ «رَجُلٌ رَشِيدٌ وَمُحَنَّكٌ».
    وَإِذَا وَضَعْنَا هَذَا الْوَصْفَ إِلَى جَانِبِ نَقْدِ مَنْصُورٍ اللاحِقِ لِنُمَيْرِي، فَإِنَّنَا نَرَى حَجْمَ التَّحَوُّلِ الَّذِي مَرَّتْ بِهِ الْعَلَاقَةُ.
    فِي الْبِدَايَةِ، كَانَ نُمَيْرِي فِي نَظَرِ مَنْصُورٍ قَائِدًا يُمْكِنُ أَنْ يُدِيرَ الدَّوْلَةَ.
    ثُمَّ أَصْبَحَ، فِي نَظَرِهِ، رَئِيسًا تَحِيطُ بِهِ حَاشِيَةٌ، وَتُؤَثِّرُ فِيهِ، وَتُضْعِفُ الْمُؤَسَّسَاتِ مِنْ حَوْلِهِ.
    وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، كَانَ نُمَيْرِي فِي الْبِدَايَةِ يَرَى فِي مَنْصُورٍ رَجُلًا يَثِقُ بِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
    ثُمَّ أَصْبَحَ يَرَاهُ رَجُلًا ذَا طُمُوحٍ كَبِيرٍ، يَبْنِي نُفُوذًا خَاصًّا، وَيَتَحَرَّكُ فِي الْخَارِجِ بِصُورَةٍ لَمْ تَعُدْ تُرْضِي الرَّئِيسَ.
    سَادِسًا: «الصَّنَمُ» وَمَسْؤُولِيَّةُ النُّخْبَةِ
    هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ الْعِبَارَةِ:
    «صَنَمٌ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا، ثُمَّ عَبَدْنَاهُ».
    فَالْعِبَارَةُ ــ إِنْ صَحَّتْ رِوَايَتُهَا ــ لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ نُمَيْرِي وَحْدَهُ، بَلْ عَنْ دَوْرِ النُّخْبَةِ الَّتِي اِلْتَفَّتْ حَوْلَهُ.
    فَالحَاكِمُ لَا يَصْبَحُ «زَعِيمًا مُلْهِمًا» بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَحْدَهَا.
    إِنَّمَا تُسَاهِمُ النُّخْبَةُ فِي صُنْعِ صُورَتِهِ، وَتَمْدَحُ قَرَارَاتِهِ، وَتُهَاجِمُ خُصُومَهُ، وَتُضْفِي عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا يَجْعَلُ مُعَارَضَتَهُ أَشَدَّ صُعُوبَةً.
    وَقَدْ وَجَّهَ خُصُومُ مَنْصُورٍ خَالِدٍ وَمَنْ شَارَكُوا فِي نِظَامِ مَايُو إِلَيْهِ هَذَا النَّقْدَ بِصُورَةٍ صَرِيحَةٍ، فَقَالُوا إِنَّ الْمَدَنِيِّينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النِّظَامَ سَاهَمُوا فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّةِ «الطَّاغِيَةِ» وَإِقْنَاعِ نُمَيْرِي بِأَنَّهُ الْقَائِدُ الْمُلْهِمُ.
    سَابِعًا: وَهُنَا يَبْدَأُ السُّؤَالُ الصَّعْبُ
    إِذَا كَانَ نُمَيْرِي قَدْ اِنْتَقَدَ مَنْصُورًا خَالِدًا وَاتَّهَمَهُ بِبِنَاءِ نُفُوذٍ خَاصٍّ وَبِكَثْرَةِ السَّفَرِ وَالسَّعْيِ إِلَى مَسَاحَةٍ وَاسِعَةٍ مِنَ الْحُضُورِ السِّيَاسِيِّ، فَإِنَّ مَنْصُورًا خَالِدًا مِنْ جَانِبِهِ اِنْتَقَدَ نُمَيْرِي نَقْدًا أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ.
    وَهُنَا لَا يَكْفِي أَنْ نَقُولَ إِنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ صَادِقًا وَالآخَرَ كَاذِبًا.
    فَالتَّارِيخُ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِنْ ذَلِكَ.
    نُمَيْرِي كَانَ فِي بَدَايَةِ مَايُو يَحْتَاجُ إِلَى الْمُثَقَّفِينَ وَالْخُبَرَاءِ لِإِعْطَاءِ تَجْرِبَتِهِ غِطَاءً مَدَنِيًّا وَفِكْرِيًّا.
    وَمَنْصُورُ خَالِدٍ كَانَ يَرَى فِي تِلْكَ التَّجْرِبَةِ فُرْصَةً لِإِعَادَةِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ وَإِصْلَاحِ مَا كَانَ يَرَاهُ خَلَلًا فِي النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ التَّقْلِيدِيِّ.
    لَكِنَّ السُّلْطَةَ، حِينَ تَتَمَرْكَزُ فِي يَدِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، تَبْدَأُ فِي النَّظَرِ إِلَى كُلِّ شَخْصِيَّةٍ قَوِيَّةٍ حَوْلَهَا عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرُ خَطَرٍ مُحْتَمَلٍ.
    وَهُنَا تَحَوَّلَ مَنْصُورٌ مِنْ حَلِيفٍ إِلَى شَخْصٍ يُشْتَبَهُ فِي نُفُوذِهِ.
    ثَامِنًا: مِنْ «الثِّقَةِ الْكَامِلَةِ» إِلَى السُّخْرِيَةِ
    رُبَّمَا كَانَ أَقْوَى مَا فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ كَانَتْ شَاسِعَةً جِدًّا.
    فَنُمَيْرِي الَّذِي كَانَ ــ بِحَسَبِ الْوَثِيقَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ ــ يَقُولُ إِنَّهُ يَثِقُ بِمَنْصُورٍ خَالِدٍ ثِقَةً كَامِلَةً، أَصْبَحَ بَعْدَ سَنَوَاتٍ يَنْتَقِدُهُ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِصِفَاتٍ شَخْصِيَّةٍ سَاخِرَةٍ، وَيَرْبِطُ إِبْعَادَهُ عَنْ الْخَارِجِيَّةِ بِطُمُوحَاتِهِ وَبِتَكْوِينِهِ نُفُوذًا خَاصًّا.
    وَمَنْصُورُ خَالِدٌ الَّذِي كَانَ يَرَى فِي نُمَيْرِي «رَجُلًا رَشِيدًا وَمُحَنَّكًا» فِي بَدَايَةِ التَّجْرِبَةِ، أَصْبَحَ فِي كِتَابَاتِهِ اللاحِقَةِ مِنْ أَشَدِّ نُقَّادِ تَجْرِبَةِ مَايُو وَطَرِيقَةِ نُمَيْرِي فِي الْحُكْمِ.
    إِنَّهَا دَائِرَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مُؤْلِمَةٌ:
    الرَّئِيسُ الَّذِي صَنَعَهُ الْمَدَنِيُّونَ أَصْبَحَ يَشْكُّ فِي الْمَدَنِيِّينَ الَّذِينَ سَاهَمُوا فِي صُنْعِ شَرْعِيَّتِهِ.
    وَالْمَدَنِيُّ الَّذِي دَخَلَ النِّظَامَ لِيُسَاهِمَ فِي إِصْلَاحِهِ، اِنْتَهَى بِهِ الْأَمْرُ إِلَى كِتَابَةِ نَقْدٍ قَاسٍ لِلنِّظَامِ الَّذِي كَانَ جُزْءًا مِنْهُ.
    . علاقته بنميري ودوره في نظام مايو
    في الصفحة 145 يصف الشريف منصور خالد بأنه كان من الشخصيات المؤثرة في بدايات عهد مايو، ويذكر علاقته بنميري، وينقل عن بشير عبادي أن نميري كان يتعامل معه بخفة ظل، خصوصًا بسبب مظهر منصور خالد وملابسه وطريقته في الحديث عن واقع السودان.
    لكن الشريف يذهب أبعد من ذلك بكثير لاحقًا، ففي الصفحة 161 يقول بوضوح إن «للدكتور منصور خالد الدور الرئيسي والأكبر» في التأثير على نميري والتأثر به وفي مسار نظام مايو برمته. وهذا من أقوى الأحكام التي أطلقها الشريف بشأن منصور.
    2. منصور خالد وفاروق حمد الله —
    في الصفحة 162 يقول يوسف الشريف:

    «د. منصور كان يتبع الرائد حمد الله كظله»

    ثم يشرح أن هذه العلاقة كانت، في نظره، صداقة طارئة وغير متكافئة ومتناقضة فكريًا وسياسيًا. ويطرح تفسيره بأن منصور كان مهتمًا بما لدى حمد الله من معلومات بحكم منصبه وزيرًا للداخلية ومسؤوليته عن أمن النظام.
    والأهم أن الشريف لا يكتفي بوصف العلاقة بالصداقة؛ بل يربطها بخلافات حمد الله مع نميري، وبالظروف التي سبقت انقلاب يوليو 1971، ويتساءل صراحة:

    هل كان د. منصور على علم بما كان يدبره الانقلابيون في الخفاء؟

    ثم يربط ذلك بمغادرة منصور السودان وتوليه وظيفة في الأمم المتحدة.
    3. مكالمة منصور خالد لفاروق حمد الله يوم انقلاب 19 يوليو
    هذه ربما أخطر واقعة يوردها الشريف.
    يقول في الصفحة 162 إن أول تهنئة بقيام الانقلاب الشيوعي في 19 يوليو 1971 كانت، بحسب روايته، مكالمة هاتفية أجراها منصور خالد من باريس إلى فاروق عثمان حمد الله في لندن. ويحدد حتى أن المكالمة تمت من مكتب علي أبو سن الدبلوماسي بالسفارة السودانية في باريس، وبحضور القائم بالأعمال صلاح هاشم.
    ثم في الصفحة 163 ينقل الشريف عن صلاح هاشم أنه سمع المكالمة، وأن منصور ذكّر حمد الله بـ «ضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه» ونصحه بالعودة سريعًا إلى الخرطوم.
    وهنا يصل الشريف إلى السؤال الذي يبدو أنه كان يشغله:
    إذا كان منصور خالد ليبراليًا، وحمد الله يساريًا/شيوعي الاتجاه، فما طبيعة هذا الاتفاق الذي يتحدث عنه منصور؟
    والشريف نفسه يقول إن هذه المفارقة هي التي جعلته يشك في طبيعة العلاقة ودور منصور.
    لَعَلَّ قِصَّةَ مَنْصُورِ خَالِدٍ وَجَعْفَرِ نُمَيْرِي لَا تَنْتَهِي عِنْدَ سُؤَالِ: مَنْ كَانَ مُخْطِئًا؟
    بَلْ تَنْتَهِي عِنْدَ سُؤَالٍ أَكْبَر:
    مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ يَتَحَالَفُ الْمُثَقَّفُ مَعَ السُّلْطَةِ مِنْ أَجْلِ منصب وزارى، ثُمَّ تَكْتَشِفُ السُّلْطَةُ أَنَّهُ أَصْبَحَ أَقْوَى مِمَّا تُرِيدُ من تبعية؟
    هُنَا تَظْهَرُ مَأْسَاةُ مَايُو.
    فَمَنْصُورٌ خَالِدٌ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ضَحِيَّةٍ لِنُمَيْرِي، كَمَا أَنَّ نُمَيْرِي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ صَنَمٍ صَنَعَهُ غَيْرُهُ.
    كَانَتْ هُنَاكَ شَرَاكَةٌ فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ صِرَاعٌ عَلَى السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ، ثُمَّ قَطِيعَةٌ، ثُمَّ إِعَادَةٌ لِقِرَاءَةِ التَّجْرِبَةِ مِنْ مَوْقِعٍ مُعَادٍ.
    وَلِذَلِكَ فَإِنَّ عِبَارَةَ جَعْفَرِ بَخَيْتٍ ــ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّنَا لَا نَمْلِكُ نَصَّهَا الأَصْلِيَّ ــ تَبْقَى مُعَبِّرَةً عَنْ سُؤَالٍ سِيَاسِيٍّ عَمِيقٍ:

    «هَذَا صَنَمٌ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا، ثُمَّ عَبَدْنَاهُ».


    فَالسُّلْطَةُ لَا تَخْطَرُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَجْأَةً؛ إِنَّمَا تَتَكَوَّنُ حَوْلَهُ دَائِرَةٌ مِنَ الْمُثَقَّفِينَ وَالسِّيَاسِيِّينَ وَالْمُؤَيِّدِينَ، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ الدَّائِرَةُ إِلَى جُدْرَانٍ، وَتَتَحَوَّلُ الْجُدْرَانُ إِلَى عَزْلَةٍ، وَتَتَحَوَّلُ الْعُزْلَةُ إِلَى حُكْمٍ فَرْدِيٍّ.
    وَعِنْدَمَا يَكْتَشِفُ مَنْ صَنَعُوا الصَّنَمَ أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا خَارِجَ دَائِرَتِهِ، يَبْدَأُ الصِّرَاعُ.
    وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الأَبْقَى مِنْ عَلاقَةِ مَنْصُورِ خَالِدٍ بِنُمَيْرِي:
    إِنَّ أَخْطَرَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُثَقَّفُ لَيْسَ أَنْ يَنْتَقِدَ السُّلْطَةَ، بَلْ أَنْ يُسَاهِمَ فِي صُنْعِ قُدْسِيَّتِهَا، ثُمَّ يَكْتَشِفَ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ أَنَّهُ أَسْهَمَ فِي صُنْعِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ كَسْرَهُ.
    مَرَاجِعُ الْمَقَالِ
    وَثَائِقُ أَمْرِيكِيَّةٌ عَنْ نُمَيْرِي (7)، وتضم وثيقة بتاريخ 29 يناير 1975م عن التعديل الوزاري وانتقادات نميري للوزراء السابقين، وإشارته إلى منصور خالد وكثرة رحلاته الخارجية واتهام بعض الوزراء بمحاولة إنشاء «إمبراطوريات» خاصة.
    وَثَائِقُ أَمْرِيكِيَّةٌ عَنْ عَزْلِ مَنْصُورِ خَالِدٍ، وتعرض تفاصيل التعديل الوزاري في يناير 1975م وأسباب الخلاف حول عدد من القضايا، ومنها القرض السعودي ودور عدنان خاشقجي.
    مَنْصُورُ خَالِدٌ، «السُّودَانُ وَالنَّفَقُ الْمُظْلِمُ: قِصَّةُ الْفَسَادِ وَالِاسْتِبْدَادِ»، وهو من أهم المصادر التي قدَّم فيها منصور خالد شهادته وتحليله لتجربة مايو من الداخل؛ وقد نُشر تلخيص وتعريب لفصل منه بعنوان «ليلة السكاكين الطويلة».
    شَهَادَةُ الصَّادِقِ الْمَهْدِيِّ حول دور منصور خالد في العلاقات السودانية–الأمريكية في عهد نميري.
    رِوَايَةُ «هَذَا صَنَمٌ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا ثُمَّ عَبَدْنَاهُ»، وهي رواية صحفية لاحقة نُسبت إلى جعفر محمد علي بخيت،
    السودان واهل السودان يوسف الشريف
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de