ثم يشرح أن هذه العلاقة كانت، في نظره، صداقة طارئة وغير متكافئة ومتناقضة فكريًا وسياسيًا. ويطرح تفسيره بأن منصور كان مهتمًا بما لدى حمد الله من معلومات بحكم منصبه وزيرًا للداخلية ومسؤوليته عن أمن النظام. والأهم أن الشريف لا يكتفي بوصف العلاقة بالصداقة؛ بل يربطها بخلافات حمد الله مع نميري، وبالظروف التي سبقت انقلاب يوليو 1971، ويتساءل صراحة:
هل كان د. منصور على علم بما كان يدبره الانقلابيون في الخفاء؟
ثم يربط ذلك بمغادرة منصور السودان وتوليه وظيفة في الأمم المتحدة. 3. مكالمة منصور خالد لفاروق حمد الله يوم انقلاب 19 يوليو هذه ربما أخطر واقعة يوردها الشريف. يقول في الصفحة 162 إن أول تهنئة بقيام الانقلاب الشيوعي في 19 يوليو 1971 كانت، بحسب روايته، مكالمة هاتفية أجراها منصور خالد من باريس إلى فاروق عثمان حمد الله في لندن. ويحدد حتى أن المكالمة تمت من مكتب علي أبو سن الدبلوماسي بالسفارة السودانية في باريس، وبحضور القائم بالأعمال صلاح هاشم. ثم في الصفحة 163 ينقل الشريف عن صلاح هاشم أنه سمع المكالمة، وأن منصور ذكّر حمد الله بـ «ضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه» ونصحه بالعودة سريعًا إلى الخرطوم. وهنا يصل الشريف إلى السؤال الذي يبدو أنه كان يشغله: إذا كان منصور خالد ليبراليًا، وحمد الله يساريًا/شيوعي الاتجاه، فما طبيعة هذا الاتفاق الذي يتحدث عنه منصور؟ والشريف نفسه يقول إن هذه المفارقة هي التي جعلته يشك في طبيعة العلاقة ودور منصور. لَعَلَّ قِصَّةَ مَنْصُورِ خَالِدٍ وَجَعْفَرِ نُمَيْرِي لَا تَنْتَهِي عِنْدَ سُؤَالِ: مَنْ كَانَ مُخْطِئًا؟ بَلْ تَنْتَهِي عِنْدَ سُؤَالٍ أَكْبَر: مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ يَتَحَالَفُ الْمُثَقَّفُ مَعَ السُّلْطَةِ مِنْ أَجْلِ منصب وزارى، ثُمَّ تَكْتَشِفُ السُّلْطَةُ أَنَّهُ أَصْبَحَ أَقْوَى مِمَّا تُرِيدُ من تبعية؟ هُنَا تَظْهَرُ مَأْسَاةُ مَايُو. فَمَنْصُورٌ خَالِدٌ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ضَحِيَّةٍ لِنُمَيْرِي، كَمَا أَنَّ نُمَيْرِي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ صَنَمٍ صَنَعَهُ غَيْرُهُ. كَانَتْ هُنَاكَ شَرَاكَةٌ فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ صِرَاعٌ عَلَى السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ، ثُمَّ قَطِيعَةٌ، ثُمَّ إِعَادَةٌ لِقِرَاءَةِ التَّجْرِبَةِ مِنْ مَوْقِعٍ مُعَادٍ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ عِبَارَةَ جَعْفَرِ بَخَيْتٍ ــ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّنَا لَا نَمْلِكُ نَصَّهَا الأَصْلِيَّ ــ تَبْقَى مُعَبِّرَةً عَنْ سُؤَالٍ سِيَاسِيٍّ عَمِيقٍ:
فَالسُّلْطَةُ لَا تَخْطَرُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَجْأَةً؛ إِنَّمَا تَتَكَوَّنُ حَوْلَهُ دَائِرَةٌ مِنَ الْمُثَقَّفِينَ وَالسِّيَاسِيِّينَ وَالْمُؤَيِّدِينَ، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ الدَّائِرَةُ إِلَى جُدْرَانٍ، وَتَتَحَوَّلُ الْجُدْرَانُ إِلَى عَزْلَةٍ، وَتَتَحَوَّلُ الْعُزْلَةُ إِلَى حُكْمٍ فَرْدِيٍّ. وَعِنْدَمَا يَكْتَشِفُ مَنْ صَنَعُوا الصَّنَمَ أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا خَارِجَ دَائِرَتِهِ، يَبْدَأُ الصِّرَاعُ. وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الأَبْقَى مِنْ عَلاقَةِ مَنْصُورِ خَالِدٍ بِنُمَيْرِي: إِنَّ أَخْطَرَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُثَقَّفُ لَيْسَ أَنْ يَنْتَقِدَ السُّلْطَةَ، بَلْ أَنْ يُسَاهِمَ فِي صُنْعِ قُدْسِيَّتِهَا، ثُمَّ يَكْتَشِفَ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ أَنَّهُ أَسْهَمَ فِي صُنْعِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ كَسْرَهُ. مَرَاجِعُ الْمَقَالِ وَثَائِقُ أَمْرِيكِيَّةٌ عَنْ نُمَيْرِي (7)، وتضم وثيقة بتاريخ 29 يناير 1975م عن التعديل الوزاري وانتقادات نميري للوزراء السابقين، وإشارته إلى منصور خالد وكثرة رحلاته الخارجية واتهام بعض الوزراء بمحاولة إنشاء «إمبراطوريات» خاصة. وَثَائِقُ أَمْرِيكِيَّةٌ عَنْ عَزْلِ مَنْصُورِ خَالِدٍ، وتعرض تفاصيل التعديل الوزاري في يناير 1975م وأسباب الخلاف حول عدد من القضايا، ومنها القرض السعودي ودور عدنان خاشقجي. مَنْصُورُ خَالِدٌ، «السُّودَانُ وَالنَّفَقُ الْمُظْلِمُ: قِصَّةُ الْفَسَادِ وَالِاسْتِبْدَادِ»، وهو من أهم المصادر التي قدَّم فيها منصور خالد شهادته وتحليله لتجربة مايو من الداخل؛ وقد نُشر تلخيص وتعريب لفصل منه بعنوان «ليلة السكاكين الطويلة». شَهَادَةُ الصَّادِقِ الْمَهْدِيِّ حول دور منصور خالد في العلاقات السودانية–الأمريكية في عهد نميري. رِوَايَةُ «هَذَا صَنَمٌ صَنَعْنَاهُ بِأَيْدِينَا ثُمَّ عَبَدْنَاهُ»، وهي رواية صحفية لاحقة نُسبت إلى جعفر محمد علي بخيت، السودان واهل السودان يوسف الشريف
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة