تابعتُ اليوم، 3 مايو 2026، توقيع ما سُمّي بـ"ميثاق توحيد كيانات شعب جبال النوبة والإدارات الأهلية" في أمدرمان، في مشهدٍ لم يكن محايدًا في دلالاته، إذ جاء محاطًا باحتفاء رسمي وبدعم من كيانات تدور في فلك السلطة القائمة. ويقدّم البيان الصادر عن "الحراك المدني لشعب جبال النوبة" هذا الحدث بوصفه لحظة تُدشّن إطارًا جامعًا لتوحيد ما يقارب ثمانية عشر كيانًا، عبر مرجعية تنظيمية وأخلاقية وبرنامجية تسعى—بحسب نصها—إلى تحقيق السلام والعدالة والتنمية! من حيث المبدأ، لا يمكن رفض فكرة توحيد الكيانات الاجتماعية حول قضايا مطلبية؛ فالتاريخ الحديث يؤكد أن بناء أطر مدنية جامعة هو أحد شروط الانتقال من التشتت إلى الفعل السياسي المنظم. غير أن القراءة من داخل مشروع السودان الجديد تفرض واجبًا آخر: اختبار طبيعة هذه الوحدة، لا الاكتفاء بالاحتفاء بها. ذلك أن السودان، بوصفه دولة ما بعد استعمارية مشوّهة، أنتج عبر تاريخه ما يمكن تسميته بـ "الوحدات المُدارة"—كيانات تُصاغ في ظاهرها كأطر مدنية، لكنها تعمل موضوعيًا داخل أفق السلطة المركزية، وتؤدي وظيفتين واضحتين: تفكيك القوى الاجتماعية الحقيقية، وإعادة إنتاج الشرعية الرمزية للنظام. وهذا ما يفسر أن السؤال الحاسم ليس: هل الوحدة جيدة؟ بل: أي وحدة؟ ولأي مشروع تاريخي؟
أولًا: فجوة بنيوية بين الخطاب والواقع يقدّم الميثاق نفسه، عبر عناوينه المعلنة، كأداة لمعالجة قضايا جبال النوبة—الأرض، والهوية، والتنمية، والعدالة. غير أن هذه اللغة، على اتساعها، تظل بلا قوة تفسيرية أو تغييرية ما لم تُربط بالسؤال الجوهري: من الذي صنع هذه الأزمة؟ وبأي بنية تُدار الدولة التي أعادت إنتاجها؟ فالأزمة في السودان ليست نقصًا في المفاهيم، بل خللًا في بنية السلطة ذاتها؛ إذ تقوم على مراكز قوة تاريخية صاغت الدولة على صورتها ومصالحها، وتستمد استمرارها من بقاء التفاوتات التي خلقتها. لذلك، فإن أي خطاب إصلاحي لا يواجه هذه البنية يظل— ان لم يكن خادما لها، يظل في أفضل أحواله—تلطيفًا للأعراض لا معالجةً للسبب! عند هذه النقطة يتكشف التناقض: ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة، لا تظهر الأزمة كحوادث متفرقة، بل كسياسات منتظمة تعكس منطق الحكم نفسه: - هدم المنازل تحت مظلة قانونية تُحوّل العنف إلى إجراء إداري - سياسات إقصاء (مثل "الوجوه الغريبة") تعيد تعريف المواطنة على أسس تمييزية - ملاحقات أمنية واجتماعية تستهدف الهوية قبل الفعل - تضييق ثقافي وديني يهمّش غير المنتمي للهوية الرسمية - تهميش اقتصادي بنيوي يُبقي المجتمعات في دائرة الاعتماد - استبدال التمثيل الحقيقي المؤثر بتمثيل رمزي يُجمّل واجهة السلطة هذه الوقائع ليست متفرقة، بل أجزاء من نظام متماسك تديره نخب لا ترى في التغيير مصلحة، لأن شرعيتها مرتبطة باستمرار هذه البنية. وفي المقابل، في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة القديمة، تستمر الدولة نفسها—بأدوات مختلفة—في إنتاج الأزمة: - حصار اقتصادي يُستخدم كوسيلة إخضاع - تاريخ من الحروب والقصف والتجويع بوصفهما أدوات سياسية - تعطيل أي اعتراف سياسي قادر على تعديل موازين القوة - سعي للهيمنة على الموارد والأرض بوسائل مباشرة وغير مباشرة - تصنيع كيانات موازية لتفكيك المجتمعات من الداخل ضمن سياسة "فرّق تسد" بهذا المعنى، لا يمكن الحديث عن واقعين منفصلين—داخل سيطرة الدولة وخارجها—بل نحن أمام منظومة واحدة تُعيد إنتاج التهميش بأدوات مختلفة. وما يُطرح اليوم من تكوينات تحت لافتة “الوحدة” لا يخرج عن هذا الإطار، بل يأتي كامتداد مباشر لسياسات السودان القديم التي لم تُنشئ الأزمة فحسب، بل ما تزال تستثمر في استمرارها، سواء في المدن أو في جبال النوبة حيث ظلت تُواجه بالمقاومة لعقود. ومن هنا، فإن هذا الكيان لا يمكن قراءته بوصفه مبادرة محايدة، بل بوصفه أداة سياسية تُعيد تدوير نفس البنية التي قامت على الإقصاء—بنية لم يكن هدفها يومًا إنهاء التهميش، بل إدارته والتحكم فيه. لذلك فإن السؤال الحاسم لا يتعلق بنوايا الخطاب، بل بطبيعته: هل يواجه هذا الميثاق جذور الأزمة بوصفها نتاج دولة قائمة على التمييز، أم يختزلها في اختلالات إدارية قابلة للترميم؟ الإجابة، كما تكشفها صياغته وموقعه السياسي، واضحة: إنه يتحرك داخل نفس الأفق الذي أنتج الأزمة، ويقدّم نفسه كبديل شكلي لا يهدد بنية السلطة، بل يمنحها غطاءً جديدًا. وبهذا، لا يصبح هذا الكيان خطوة نحو الحل، بل جزءًا من المشكلة—إذ يُسهم في إطالة عمر البنية التي قامت على التهميش، بدلًا من تفكيكها.
ثانيًا: التهميش البنيوي – جوهر الأزمة من منظور مشروع السودان الجديد، لا يمكن فهم قضية جبال النوبة خارج إطار التهميش البنيوي، الذي يعمل عبر: - سياسيًا: احتكار السلطة وإنتاج تمثيل رمزي للهامش - اقتصاديًا: توزيع غير عادل للثروة وتركيز التنمية في المركز - ثقافيًا: فرض هوية أحادية وتهميش التعدد هذه البنية لم تنتج الفقر فقط، بل أنتجت العنف—من القصف إلى التهجير إلى ما حد ما سُمّي بـ"قرى السلام" ، التي لم تكن سوى أدوات لإعادة هندسة المجتمع قسرًا وفصله عن أرضه وتاريخه! وبالتالي، فإن أي خطاب عن "السلام" أو "العدالة" لا يتضمن تفكيك هذه البنية، يظل خطابًا تصالحيًا مع الأزمة، لا قاطعًا معها.
ثالثًا: ما الذي يغيب عن الميثاق؟ تكشف قراءة متأنية لما نُشر من الوثيقة أن أخطر ما فيها ليس ما تصرّح به، بل ما تتجنّب الإفصاح عنه. فهي تتحدث بلغة عامة عن "الوحدة" و"السلام" و"العدالة"، لكنها تصمت عن القضايا التي تُحدِّد، في جوهرها، شكل الدولة وطبيعة العقد الاجتماعي الذي بقول عن مصلحة الشعوب الاصيلة: - لا موقف واضح من العلمانية بوصفها شرطًا لضمان حياد الدولة تجاه التنوع الديني والثقافي - لا طرح صريح لـ حق تقرير المصير كأحد أدوات معالجة الاختلال التاريخي في علاقة المركز بالأطراف - لا تصور لإعادة بناء الجيش على عقيدة وطنية جديدة تفكك إرثه كأداة للهيمنة الداخلية - لا آليات محددة لتحقيق العدالة التاريخية وجبر الضرر وإعادة توزيع الحقوق وهذه ليست قضايا هامشية يمكن تأجيلها، بل هي مرتكزات تأسيس الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية والحقوق. إن تغييبها لا يعكس نقصًا في الصياغة، بل يشي بحدود الرؤية السياسية التي تتحرك داخلها المجموعات التي انتجت هكذا وثيقة. وعليه، فإن الحديث عن "وحدة الصف" دون تحديد طبيعة الدولة المنشودة لا يظل مجرد نقص في الصياغة، بل يتحول—بلغة التحليل السياسي—إلى إعادة إنتاج لآليات الهيمنة؛ حيث تُستدعى المفاهيم الكبرى كغطاء توافقي يخفي جوهر الصراع بدل أن يضعه في مركز النقاش والحسم. غير أن هذه المسألة لم تعد فراغًا نظريًا يمكن ملؤه لاحقًا، إذ توجد بالفعل مرجعيات وكيانات سياسية حسمت موقفها من هذه القضايا، وفي مقدمتها مشروع السودان الجديد، الذي قدّم أطروحات واضحة حول العلمانية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وإعادة تأسيس الدولة. وبالتالي، فإن تجاوز هذه الأدبيات أو القفز فوقها باسم "الوحدة" لا يعني الحياد، بل يعني العودة إلى نقطة الصفر، وإعادة تدوير الأزمة داخل نفس الإطار الذي أنتجها. فالوحدة التي تتجاهل الأسس التي طُرحت بالفعل لا تفتح أفقًا جديدًا، بل تعيد ترتيب التبعية داخل بنية السودان القديم، وتمنحها شرعية جديدة بدل تفكيكها.
رابعًا: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الشكل؟ إن تدشين هذا الميثاق في أمدرمان، وفي ظل رعاية واحتفاء رسمي من الدولة، ليس حدثًا عابرًا أو تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يعكس تموضعًا سياسيًا واضحًا داخل سياق صراع أعمق حول مستقبل الدولة في السودان. فهو يندرج ضمن منطق معروف في إدارة السلطة للأزمات، حيث لا تُواجَه التحديات الجذرية بالتغيير، بل بمحاولات الالتفاف عليها وإعادة تشكيلها في صيغ أقل تهديدًا. في هذا الإطار، يمكن قراءة هذا التكوين بوصفه جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على: - احتواء المد الثوري، والحركات الثورية الجذرية التي تطرح أسئلة تأسيسية حول بنية الدولة - إنتاج بدائل "مدنية" موازية تُفرغ المطالب من مضمونها التحولي البنيوي والثوري - تشويش الوعي الشعبي عبر خلط الخطاب الإصلاحي بالخطاب التأسيسي - السعي لإضعاف مشروع السودان الجديد، بوصفه مشروعًا يختبر ويهدد بنية السودان القديم وهذا المسار ليس جديدًا، بل له جذور راسخة في تاريخ الدولة المركزية، التي اعتمدت مرارًا على أدوات مشابهة لإعادة إنتاج نفسها، من بينها: - توظيف الإدارات الأهلية وتسييسها - دعم كيانات قبلية تخدم توازنات السلطة - إنشاء منصات حوار شكلية تُحاكي التغيير دون أن تُحدثه وبذلك، فإن هذا الميثاق لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الإرث؛ إذ يمثل امتدادًا لآليات مألوفة تُعيد إنتاج السلطة، ولكن بلغة جديدة وأدوات تبدو مدنية.
خامسًا: المقارنة الحاسمة في مقابل هذا المسار، تقدّم التجارب في مناطق جبال النوبة خارج سيطرة الدولة القديمة نموذجًا مختلفًا: - انهيار العنصرية المؤسسية - حماية التنوع الثقافي - بناء أشكال حكم محلية بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية وفصل بينهم - إنتاج وعي سياسي جديد قائم على المواطنة هذه التجربة—رغم حداثتها مقارنة بدولة ٥٦—تمثل نواة حقيقية لما يسميه مشروع السودان الجديد: دولة لا تُدار من مركز واحد، ولا تُعرّف بهوية واحدة، ولا تُبنى على ذاكرة الإقصاء
سادسًا: ما هو الموقف الاستراتيجي للشعوب الاصيلة ولشعب جبال النوبة؟ من داخل أفق السودان الجديد، فإن أي كيان مدني جاد يجب أن يقوم على: - علمانية دستورية واضحة - مواطنة متساوية بلا شروط - لامركزية حقيقية في السلطة - عدالة تاريخية وجبر الضرر - إعادة توزيع الثروة - إعادة بناء الجيش الجديد بعقيدة وطنية جديدة - الاعتراف بالتعدد الثقافي - حق تقرير المصير السؤال الحاسم: هل يطرح هذا الميثاق هذه القضايا؟ الإجابة: لا.
الخلاصة: الوحدة كأداة—لا كقيمة مطلقة إن وحدة الكيانات ليست فضيلة في ذاتها. القيمة الحقيقية تكمن في مضمون الوحدة واتجاهها التاريخي: - وحدة داخل أفق الدولة القديمة = إعادة إنتاج التهميش - وحدة داخل مشروع تأسيسي جديد = بداية التحرر وعليه، فإن هذا الميثاق—رغم لغته الجذابة—يقع ضمن نمط تاريخي مألوف: كيانات تبدو مدنية، لكنها تعمل داخل حدود السلطة وبامرتها ولمصلحتها. غير أن ما تغيّر اليوم هو الوعي. فشعب جبال النوبة، الذي واجه القصف والتجويع والتهجير، لم يعد يقبل بتمثيل رمزي أو حلول وسطية. لقد أصبح السؤال أوضح من أي وقت مضى: ليس كيف نتوحد، بل على أي أساس نعيد بناء الدولة. وما تحقق من وعي حول العلمانية، والعدالة التاريخية، وإعادة تأسيس السودان، لم يعد قابلًا للمساومة أو التراجع. فالتاريخ، في هذه اللحظة، لا يقبل إعادة إنتاج نفسه—بل يطالب بقطيعة معه.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة