من واقع التهميش إلى هيبة الدولة: قراءة نقدية في أطروحات الأستاذ خالد دناع أستاذ خالد دناع وسؤال الشرعية - هل تُبنى هيبة الدولة دون تفكيك البنية القديمة؟
5/5/2026 خالد كودي، بوسطن
مدخل: سؤال التحوّل أم سؤال التأسيس؟ يطرح مقال الأستاذ خالد دناع المنشور في صحيفة التنوير ٥/٥—وهو الذي عُيّن مؤخرًا وزيرًا للإعلام وناطقًا رسميًا باسم حكومة "تأسيس"—والمعنون "من أنين التهميش إلى هيبة الدولة: لماذا يجب أن يتغير خطاب تحالف (تأسيس) الآن؟"، يطرح المقال سؤالًا يبدو في ظاهره تقنيًا: هل حان الوقت لانتقال خطاب "تأسيس" من استدعاء المظلومية إلى تبنّي خطاب بناء الدولة؟ غير أن هذا السؤال، عند تفكيكه نظريًا، يتجاوز كونه مسألة لغوية أو تقنية، ليكشف عن إشكال أعمق يتعلق بتحديد طبيعة اللحظة التاريخية نفسها: هل نحن بصدد إدارة دولة قائمة تحتاج إلى تحسين خطابها، أم أننا أمام مشروع يعيد تأسيس الدولة من جذورها؟ تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن الإشكال في أطروحات الاستاذ خالد دناع لا يكمن في الدعوة إلى بناء الدولة—وهو هدف مشروع وضروري—بل في منطق التوقيت وآلية الانتقال التي يفترضها. إذ تنطوي هذه الأطروحات على افتراض ضمني بإمكان الانتقال المباشر من نقد التهميش إلى ترسيخ ما يُسمى بـ"هيبة الدولة"، دون استكمال الشرط البنيوي الحاسم، وهو تفكيك المنظومة التي أنتجت التهميش تاريخيًا. والحال أن أي حديث عن بناء دولة ذات شرعية وهيبة يظل نظريًا ومعلّقًا ما لم يُسبق بعملية تفكيك فعلي لجذور الظلم، بما يفضي إلى إزالته لا مجرد تجاوزه خطابيًا، وجماهير السودان الجديد لن تقبل باقل من هذا.
أولًا: المظلومية كشرط تاريخي لا كخطاب عابر يُلمّح الأستاذ دناع إلى أن خطاب "أنين التهميش" قد استُهلك، وأن الاستمرار فيه يُضعف إمكانية التحول نحو دولة ذات هيبة. غير أن هذا الطرح يقوم على اختزال جوهري: المظلومية ليست خطابًا بل بنية تاريخية. ففي السياق السوداني، تشكّل التهميش عبر: - مركزية سياسية احتكارية - توزيع غير عادل للموارد - عنف مادي ورمزي ضد الأطراف/الهامش. ومن ثم، فإن ما يُسمى "أنين التهميش" ليس فائض تعبير، بل مؤشر بنيوي على استمرار الظلم. وعليه، فإن الدعوة إلى تغيير الخطاب دون معالجة الشروط المادية تعني عمليًا: نقل المشكلة من مستوى الواقع إلى مستوى اللغة، أي تجميل البنية بدل تفكيكها، ولا شنو؟ من منظور "السودان الجديد"، ينتهي خطاب المظلومية فقط عندما تنتهي شروط إنتاجه، لا عندما يُطلب من الضحايا تبنّي خطاب جديد.
ثانيًا: هيبة الدولة—المفهوم الملتبس يدعو الأستاذ خالد دناع إلى الانتقال نحو "هيبة الدولة"، وهي عبارة تبدو جذابة، لكنها تحمل إشكالًا نظريًا إذا لم تُحدد بدقة. فالتاريخ السياسي الحديث—من ماكس فيبر إلى دراسات الدولة ما بعد الاستعمار—يُظهر أن "هيبة الدولة" يمكن أن تُفهم بطريقتين: ١/ هيبة قسرية: تقوم على الاحتكار العنيف للسلطة دون مساءلة ٢/ هيبة تعاقدية: تنبع من شرعية مستمدة من العدالة والخدمات العامة الإشكال في طرح أستاذ خالد دناع أنه لا يفصل بوضوح بين هذين النموذجين، مما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج: دولة قوية في أدواتها، ضعيفة في عدالتها وهو تحديدًا ما أنتج أزمة السودان التاريخية. في المقابل، يطرح تحالف "تأسيس" عبر وثائقه المتاحة تصورًا مغايرًا: هيبة الدولة ليست نقطة انطلاق، بل نتيجة لعملية عدالة تأسيسية. أي أن الدولة لا تُهاَب لأنها تفرض نفسها، بل لأنها: - تنصف مواطنيها. - تعيد توزيع السلطة. - تعترف بالمواطنة والتعدد. - وتفكك علاقات الهيمنة القديمة.
ثالثًا: إشكالية التوقيت—بين الاستعجال التاريخي والتراكم البنيوي أحد المحاور المركزية في مقال الأستاذ خالد دناع هو الدعوة إلى التغيير "الآن". غير أن هذا "الآن" يطرح سؤالًا فلسفيًا–سياسيًا حول الزمن التاريخي: - هل يمكن تسريع التحولات البنيوية بقرار خطابي؟ - أم أن هذه التحولات تتطلب تراكمًا ماديًا–مؤسسيًا؟ تُظهر تجارب التحول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية أن القفز إلى خطاب الدولة قبل استكمال شروطها يؤدي غالبًا إلى: - إعادة إنتاج النخب القديمة - أو احتواء المشروع الثوري داخل الدولة نفسها ومن هنا، فإن استعجال "هيبة الدولة" دون بناء شروطها يُحوّل المشروع من: مشروع تأسيسي ــ إلى مشروع إداري مُعاد إنتاجه!
رابعًا: التمثيل السياسي—بين الضرورة والوهم قد يُفهم من أطروحات الأستاذ خالد دناع أن الانتقال إلى خطاب الدولة يتطلب تجاوز التركيز على الهوية والتهميش. غير أن الإشكال الأعمق يكمن في خلط شائع بين: - التمثيل - والتحول البنيوي لقد أظهرت التجربة السودانية أن إدماج أبناء المناطق المهمشة في السلطة لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهميش. بل في كثير من الحالات، يتحول هذا الإدماج إلى: آلية لإعادة إنتاج المركز بوجوه جديدة ومن هنا، فإن الموقف النقدي من منظور "جماهير السودان الجديد/جماهير تأسيس" يتمثل في التأكيد على أن: التمثيل ليس شيكًا على بياض، بل اختبار مضاعف للمصداقية فالجماهير لا تحاكم السلطة بناءً على: - أصولها الجغرافية بل على: - قدرتها على تغيير الواقع.
خامسًا: الجماهير كفاعل تاريخي لا كمتلقٍ للخطاب يتعامل طرح أستاذ خالد دناع—ضمنيًا—مع الخطاب بوصفه أداة يمكن تعديلها لتوجيه الجماهير نحو مرحلة جديدة. غير أن هذا التصور يتجاهل أحد أهم دروس الفكر السياسي الحديث، من غرامشي إلى فانون الي فكر السودان الجديد: الجماهير ليست موضوعًا للخطاب، بل منتجة له وشرط لشرعيته وعليه، فإن تغيير الخطاب لا يُفرض من أعلى، بل يتشكل من خلال: - التجربة المعيشية - التحولات الاقتصادية - إعادة توزيع القوة ومن هنا، فإن أي محاولة لتعديل خطاب "تأسيس" دون تحقيق تحولات ملموسة ستُقرأ من قبل الجماهير بوصفها فصلًا جديدًا من الوعود غير المنجزة:
سادسًا: من الشكوى إلى الإنجاز—المعيار الحقيقي للتحول إذا كان الأستاذ خالد دناع محقًا في الدعوة إلى تجاوز الشكوى، فإن السؤال الحاسم يصبح: ما هو البديل؟ من منظور السودان الجديد، البديل ليس تغيير اللغة، بل تغيير الواقع عبر: - سياسات تنموية عادلة - إعادة بناء مؤسسات الدولة - تفكيك المركزية - وبناء عقد اجتماعي جديد وبذلك يصبح الانتقال من "أنين التهميش" إلى "هيبة الدولة" انتقالًا: من التشخيص إلى العلاج، لا من خطاب إلى خطاب.
اخيرا: نحو إعادة صياغة السؤال يمكن إعادة صياغة أطروحة الأستاذ خالد دناع بشكل أكثر دقة على النحو التالي: - ليس المطلوب أن يغيّر "تأسيس" خطابه فحسب - بل أن يُنتج واقعًا جديدًا يجعل هذا التغيير ضرورة موضوعية لا توصية نظرية وعليه، فإن الخلاصة المركزية لهذه القراءة هي: إن خطاب المظلومية سيتوقف فقط عندما تنتفي المظالم، لا عندما يُطلب من الضحايا الصمت. وعلى حكومة "تأسيس" أن ترى المظلومين في واقعهم، وأن تثبت بالفعل—لا بالقول—أنها رفعت عنهم الظلم. فتمثيل أبناء المناطق المهمشة في السلطة ليس تفويضًا مطلقًا، بل مسؤولية تاريخية؛ لأن الجماهير لن تتجاوز عن أي سلطة لا تخدمها، ولن تمنح الشرعية إلا لمن يحقق مطالبها على الأرض. بهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي أمام تحالف "تأسيس" ليس تغيير الخطاب، بل: تحويل الثورة من وعد إلى واقع، ومن خطاب إلى دولة جديدة بالفعل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة