من محاكمة الفن إلى تذوقه كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

الأزمة السودانية وأسباب سقوط الأنظمة الديمقراطية! من 1955 إلى حرب أبريل 2023
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-22-2026, 05:11 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-25-2026, 05:30 PM

الوليد ادم مادبو
<aالوليد ادم مادبو
تاريخ التسجيل: 10-26-2013
مجموع المشاركات: 247

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
من محاكمة الفن إلى تذوقه كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

    05:30 PM August, 25 2026

    سودانيز اون لاين
    الوليد ادم مادبو-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    «غاية الفن ليست أن يقلد الطبيعة، بل أن يكشف حقيقتها.»
    — أرسطو (مستوحى من فلسفته في المحاكاة)

    إًذا كان الفصل السابق قد انتهى بسؤال: كيف انتقلنا من حضارة درست الموسيقى بوصفها علمًا إلى ثقافة جعلتها موضع ريبة؟ فإن هذا الفصل يحاول أن يقترب من السؤال من زاوية أخرى؛ إذ ليس كل ما حوكم في التاريخ كان شرًا، كما أن كل ما قُبل لم يكن خيرًا. فكثيرًا ما كانت المحاكمات الثقافية مرآةً لتحولات المجتمع أكثر من كونها أحكامًا نهائية على الأشياء نفسها.

    والفن واحد من أبرز الأمثلة على ذلك. فما من حضارة كبرى إلا وعرفت لحظات احتفت فيها بالجمال، ولحظات أخرى ضاقت به. ولم يكن السبب دائمًا دينيًا، بل كثيرًا ما كان سياسيًا أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا. فالمجتمعات، حين تشعر بالتهديد أو الاضطراب، تميل إلى التشدد، وتبحث عن اليقين في الأحكام الصارمة، بينما تميل في أزمنة الاستقرار إلى الانفتاح على الأسئلة التي يثيرها الفن والفلسفة والأدب.

    ومن هنا يصعب أن نفهم الجدل حول الفنون إذا عزلناه عن ظروفه التاريخية. فالفقه لم ينشأ في فراغ، كما أن الفلسفة لم تولد خارج المجتمع. وكان الفقيه، مثل غيره، ابنًا لزمانه، يتأثر بما يراه من أحوال الناس، وبما يغلب على بيئته من عادات وممارسات. ولهذا فإن بعض التشدد تجاه الغناء أو غيره من الفنون كان مرتبطًا، في أحيان كثيرة، بما اقترن بها من مظاهر اللهو أو الانحلال في بعض البيئات، لا بذات الفن بوصفه تعبيرًا إنسانيًا.

    وهنا تبرز قيمة ابن رشد، لا لأنه قدّم رأيًا فقهيًا مختلفًا فحسب، بل لأنه علّمنا منهجًا في التفكير. فقد أدرك أن النص لا يُفهم بعيدًا عن مقاصده، وأن التعارض الظاهر بين مجالات المعرفة لا يُزال بإقصاء أحدها، بل بحسن الفهم. ولذلك لم يرَ في العقل خصمًا للوحي، بل وسيلة لفهمه، ولم يرَ في الفلسفة خطرًا على الدين، بل جهدًا من جهود الإنسان في طلب الحقيقة.

    وفي الاتجاه نفسه، يقدم ابن حزم درسًا آخر. فـ**«طوق الحمامة»** ليس كتابًا في الحب وحده، بل هو كتاب في معرفة الإنسان. وقد تعامل مع العاطفة بوصفها ظاهرة تستحق الملاحظة والتحليل، لا الاتهام. ولم يرَ أن دراسة الحب تناقض الدين، بل رأى أن فهم النفس الإنسانية جزء من فهم الحياة التي خلقها الله. وهذه الروح هي التي نفتقدها حين نحاكم الفن قبل أن نفهمه.

    ويذهب المفكر سيد حسين نصر إلى أن الأزمة الحديثة لا تكمن في فقدان الفنون، بل في فقدان الرؤية التي تمنحها معناها. فالفن، في الحضارة الإسلامية، لم يكن منفصلًا عن تصور الإنسان للكون، وإنما كان امتدادًا له. وحين انقطعت الصلة بين الجمال والمعنى، بقي الشكل أحيانًا، وغابت الروح.

    ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا اختلف الفقهاء؟ فالاختلاف سنة في كل علم. وإنما السؤال الأهم: لماذا تحول الاختلاف الفقهي، في بعض المراحل، إلى الإطار الوحيد الذي نقرأ من خلاله الفنون، بينما غابت أصوات الفلاسفة والأطباء والأدباء والمؤرخين الذين كانوا جزءًا من الحضارة نفسها؟

    إن الحضارة لا تُبنى بعلم واحد. فالفقه يحرس الضمير الأخلاقي للمجتمع، لكنه لا يغني عن الفلسفة التي توسع أفق الأسئلة، ولا عن العلم الذي يفسر الظواهر، ولا عن الفن الذي يكشف ما تعجز اللغة المجردة عن قوله. وحين يعمل كل واحد من هذه الحقول منفردًا، يختل التوازن الذي قامت عليه الحضارات الكبرى.

    ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا نعيد قراءة تاريخ الفنون اليوم، لا لنصدر أحكامًا جديدة، بل لنتعلم كيف كان أسلافنا، في عصور الازدهار، يسمحون بتجاور العلوم وتكاملها. فقد كانت بغداد وقرطبة لا تعرفان عالمًا واحدًا يحتكر تفسير الإنسان، بل كان الإنسان يقرأ من خلال الفقه والفلسفة والطب والأدب والموسيقى معًا.

    إن الانتقال من محاكمة الفن إلى تذوقه لا يعني التخلي عن المعايير الأخلاقية، كما لا يعني رفع الفن إلى منزلة المقدس. وإنما يعني إعادة كل علم إلى مجاله، وإدراك أن سؤال الجمال لا يجيب عنه الفقه وحده، كما أن سؤال الحكم لا تجيب عنه الفلسفة وحدها. وحين تتكامل هذه الحقول، يصبح الفن أحد وجوه الحكمة، لا موضعًا للريبة.

    ومن هنا تبدأ رحلتنا إلى النموذج الذي تجسد فيه هذا التكامل بأبهى صوره؛ إلى الأرض التي التقى فيها الفقيه بالفيلسوف، والشاعر بالموسيقي، والمهندس بالطبيب، فأنجبت واحدة من أزهى لحظات الحضارة الإنسانية.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de