كتب سلاطين باشا عن الدولة المهدية من موقع رجل شهد صعودها من الداخل، ورأى بوضوح أن الانتصار العسكري والسيطرة على الأرض لا يكفيان وحدهما لبناء دولة مستقرة. فالثورة تستطيع إسقاط نظام قائم، والجيش يستطيع السيطرة على المدن والأقاليم، لكن الدولة تبدأ فعلياً عندما يصبح السؤال: كيف تُحكم الأرض بعد الاستيلاء عليها؟
ومن هذه الزاوية تكتسب تجربة حميدتي أهمية خاصة. فقد نجح خلال السنوات الماضية في بناء قوة عسكرية ضخمة، وتوسيع شبكة من التحالفات القبلية والاقتصادية والسياسية، وإقامة نفوذ واسع في دارفور. لكن النجاح في بناء القوة شيء، وتحويلها إلى دولة مؤسسات شيء آخر تماماً.
وهنا ربما تكمن المفارقة التاريخية: المشكلة التي تواجه حميدتي اليوم ليست كيف ينتصر في الحرب، وإنما كيف يحكم بعد الحرب.
من الثورة إلى الدولة
بدأت المهدية كحركة ثورية دينية استطاعت أن تستقطب قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، ثم تحولت بعد الانتصار إلى سلطة حاكمة وجدت نفسها أمام أسئلة لم تكن الثورة مضطرة إلى الإجابة عنها. الثورة تحتاج إلى الولاء والحشد والقدرة على القتال. أما الدولة فتحتاج إلى مؤسسات وقوانين وإدارة وضرائب وقضاء وجيش وطني وخدمات عامة. وهنا تظهر التناقضات التي تواجه كل حركة مسلحة تنتقل من المعارضة إلى الحكم: • الثورة تحتاج إلى الولاء الشخصي، بينما تحتاج الدولة إلى مؤسسات تتجاوز الأشخاص. • الجيش الثوري يقوم على الولاء للقائد، بينما يفترض الجيش الوطني الولاء للدولة. • التحالفات أثناء الحرب تُبنى على الغنائم والمصالح والعدو المشترك، بينما تحتاج الدولة إلى قواعد مستقرة لتوزيع السلطة والثروة. • القائد يستطيع أثناء الحرب أن يحكم بالأوامر، لكنه بعد الحرب يحتاج إلى إدارة وقانون ومؤسسات. • القوة التي أسقطت النظام القديم يمكن أن تتحول إلى عقبة أمام بناء النظام الجديد.
وهذه ليست مشكلة تاريخية تخص المهدية وحدها؛ إنها واحدة من أكثر المعضلات تكراراً في تاريخ الحركات المسلحة.
حميدتي: قوة عسكرية أم مشروع دولة؟ استطاع حميدتي خلال سنوات أن يجمع عناصر قوة نادرة في تاريخ السودان الحديث: قوة عسكرية منظمة، وشبكات قبلية، ومصادر اقتصادية، ونفوذ سياسي، وعلاقات إقليمية ودولية. لكن هذه العناصر، مهما بلغت قوتها، لا تساوي دولة. فالدولة الحديثة تحتاج إلى جيش وطني، وشرطة، وقضاء مستقل، وإدارة مدنية، ونظام مالي ومصرفي، وتعليم وصحة وبنية تحتية، ونظام ضرائب، واحتكار قانوني للعنف، والأهم من ذلك شرعية سياسية.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يبني حميدتي دولة حول قواته، أم يحاول بناء دولة تستطيع قواته أن تصبح جزءاً منها؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين سلطة أمر واقع ودولة.
إذا كانت قوات الدعم السريع هي العمود الفقري للدولة الجديدة، وإذا ظل القائد العسكري هو مركز القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، فإن المشروع قد ينجح في إقامة سلطة موازية، لكنه سيظل يواجه صعوبة في التحول إلى دولة مؤسسات.
من سلاطين باشا إلى حميدتي تكمن أهمية قراءة سلاطين باشا في أنه يلفت النظر إلى الفرق بين السيطرة والاستقرار. قد تستطيع قوة عسكرية السيطرة على إقليم بأكمله، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تخلق قبولاً سياسياً لدى سكانه. وهذه النقطة بالغة الأهمية في حالة دارفور. فحتى إذا تمكن الدعم السريع من فرض سيطرة عسكرية واسعة على الإقليم، فإن السيطرة العسكرية لا تعني امتلاك دارفور سياسياً. دارفور ليست كتلة اجتماعية أو سياسية واحدة. إنها فضاء شديد التعقيد، يضم قبائل عربية وغير عربية، ومجتمعات رعوية وزراعية، وحركات مسلحة، وقيادات أهلية وتقليدية، ونخباً سياسية، ومصالح اقتصادية متعارضة، ونزاعات تاريخية حول الأرض والحواكير، فضلاً عن علاقات حدودية وإقليمية مع تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. وقد عمّقت الحرب الحالية كثيراً من هذه الانقسامات. ولهذا فإن السيطرة على دارفور بالسلاح لا تعني بالضرورة امتلاك دارفور السياسية.
امتحان ما بعد الحرب أثناء الحرب، يستطيع العدو المشترك أن يوحد أطرافاً مختلفة. فالمال والسلاح والغنيمة والخوف من الخصم يمكن أن تنتج تحالفاً فعالاً. لكن ماذا يحدث عندما تنتهي الحرب؟ عندها تبدأ الأسئلة الحقيقية: من يحصل على السلطة؟ من يسيطر على الأرض؟ من يملك الموارد؟ من يتحكم في الذهب؟ من يصبح والياً؟ من يسيطر على الشرطة؟ من يمثل القبائل؟ من يحتفظ بالسلاح؟ ومن يقرر توزيع الثروة؟
وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات الانتصار العسكري: المعسكر المنتصر قد يبدأ في مواجهة تناقضاته الداخلية بعد اختفاء العدو المشترك. فما يوحد المقاتلين أثناء الحرب قد لا يكون كافياً لتحديد قواعد تقاسم السلطة بعد الحرب. الفاشر: الانتصار العسكري لا يحسم سؤال الشرعية تمثل الفاشر مثالاً بالغ الأهمية. فالسقوط العسكري لمدينة استراتيجية يمكن أن يغير ميزان القوى في دارفور، لكنه لا يحسم تلقائياً مسألة الشرعية السياسية. بل إن السيطرة على مدينة مثل الفاشر تضع القوة المسيطرة أمام اختبار أكثر صعوبة: هل تستطيع الانتقال من السيطرة إلى الحكم؟ فالسيطرة العسكرية تحتاج إلى إدارة مدنية، وأمن، وقضاء، وخدمات، وإعادة إعمار، ومصالحة اجتماعية، وإعادة النازحين واللاجئين، وتسوية النزاعات على الأرض. وهنا تواجه قيادة الدعم السريع معضلة مزدوجة. داخلياً: كيف يمكن إقناع المكونات التي تخشى منها أو عانت من الحرب بأن المشروع الجديد ليس مشروع هيمنة عسكرية أو إثنية؟
وخارجياً: كيف يمكن إقناع المجتمع الإقليمي والدولي بأن السلطة الجديدة ليست مجرد امتداد لقوة شبه عسكرية، وإنما مشروع دولة قابل للحياة؟ وهذا السؤال الأخير سيكون حاسماً في أي محاولة للحصول على اعتراف دولي واسع.
الذهب لا يبني دولة هناك جانب آخر لا يقل أهمية: الاقتصاد. يمكن للذهب أن يمول الحرب. ويمكن أن يوفر المال لشراء السلاح، ودفع الرواتب، وتمويل العمليات، وبناء شبكات الولاء. لكن الذهب وحده لا يبني دولة. الدولة تحتاج إلى اقتصاد منتج ومستدام، وإلى نظام مصرفي، وإيرادات ضريبية، واستثمارات، وطرق وكهرباء ومياه ومدارس ومستشفيات وجامعات وإدارة عامة. اقتصاد الحرب يستطيع أن يمول السلطة، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يمول الدولة. وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر عمقاً: هل يستطيع حميدتى الانتقال من اقتصاد استخراج الموارد وتمويل الحرب إلى اقتصاد إنتاج وبناء؟ إذا لم يحدث هذا التحول، فإن الموارد التي ساعدت على بناء القوة العسكرية قد تصبح نفسها سبباً لاستمرار اقتصاد الحرب.
الخارج: مصدر قوة ومصدر ضعف العامل الخارجي يمثل في الوقت نفسه نقطة قوة ونقطة ضعف.الدعم الإقليمي والدولي يمكن أن يساعد أي طرف على الاستمرار عسكرياً، لكنه قد يتحول إلى عبء سياسي إذا أصبح المشروع معتمداً بصورة كبيرة على الخارج. فالدولة التي تريد أن تقدم نفسها باعتبارها دولة مستقلة تحتاج إلى إثبات أن قرارها السياسي لا يُصنع خارج حدودها. وهنا تظهر مفارقة أخرى: كلما ازداد اعتماد المشروع على الدعم الخارجي للبقاء، أصبح من الصعب إقناع الداخل والخارج بأنه مشروع دولة مستقلة. كما أن الاتهامات المتعلقة بالتدخلات الخارجية وشبكات السلاح والتمويل تزيد من تعقيد مسألة الاعتراف الدولي، خصوصاً عندما تكون الحرب نفسها قد أنتجت سجلاً ثقيلاً من الانتهاكات والاتهامات بارتكاب جرائم ضد المدنيين.
هل يستطيع حميدتي تحقيق أهدافه؟ الإجابة تتوقف أولاً على تعريف أهدافه. إذا كان الهدف هو الاحتفاظ بدارفور باعتبارها منطقة نفوذ عسكري وسياسي، فإن ذلك قد يكون ممكناً، خصوصاً إذا استمرت الحرب أو تحولت إلى خطوط تماس طويلة الأمد. وإذا كان الهدف هو إقامة سلطة أمر واقع مستقرة في أجزاء واسعة من دارفور، فهذا أيضاً احتمال يمكن تصوره بصعوبة. لكن إذا كان الهدف هو إقامة دولة سودانية جديدة يقودها حميدتي وتحظى بشرعية وطنية ودولية، فإن المهمة تصبح أكثر صعوبة بكثير. فالانتقال من سلطة أمر واقع إلى دولة يحتاج إلى ثلاث عمليات متتابعة:
تحويل القوة إلى شرعية. وتحويل الشرعية إلى مؤسسات. وتحويل المؤسسات إلى دولة قابلة للحياة. وهذه العمليات لا يمكن إنجازها بالسلاح وحده.
ما الذي يمنع قيام دولة جديدة في دارفور؟ يمكن تلخيص العقبات الرئيسية في ثمانية تحديات: أولاً: غياب الإجماع الدارفوري. لا توجد هوية سياسية دارفورية واحدة يمكن لأي قائد عسكري أن يتحدث باسمها بسهولة.
ثانياً: تعدد مراكز القوة المسلحة. وجود أكثر من قوة مسلحة يجعل احتكار الدولة للعنف أمراً بالغ الصعوبة.
ثالثاً: قضية الأرض والحواكير. قد تصبح النزاعات على الأرض أكثر خطورة من الصراع السياسي نفسه، لأنها ترتبط بالهوية والوجود والمجال الحيوي للمجتمعات.
رابعاً: الانقسامات القبلية والمجتمعية. أي مشروع دولة يُنظر إليه باعتباره مشروع قبيلة أو مجموعة اجتماعية بعينها سيواجه مقاومة من المكونات الأخرى.
خامساً: الشرعية السياسية. الانتصار العسكري يمكن أن ينتج سلطة، لكنه لا ينتج بالضرورة شرعية.
سادساً: الاقتصاد. دارفور تحتاج إلى اقتصاد منتج، وليس إلى استمرار اقتصاد الحرب واستخراج الموارد.
سابعاً: الاعتراف الدولي. الدولة الحديثة تحتاج إلى علاقات مصرفية وتجارية ودبلوماسية، وليس فقط إلى السيطرة على الأرض.
ثامناً: حميدتي نفسه. وهذه ربما تكون العقبة الأهم.
فالسؤال ليس فقط: هل يستطيع حميدتي الانتصار؟ السؤال هو: هل يستطيع حميدتي أن يتحول من قائد حرب إلى رجل دولة؟ وهذا التحول يتطلب منه قبول مبدأ يتعارض جزئياً مع الطريقة التي بنى بها قواته. و أن تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن يصبح القانون أقوى من السلاح، وأن يصبح الجيش مؤسسة تابعة للدولة لا دولة داخل الدولة.
التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد إنتاج المعضلات لذلك فإن المقارنة بين سلاطين باشا وحميدتي لا ينبغي أن تقوم على القول إن «حميدتي هو المهدي» أو إن التاريخ يعيد نفسه حرفياً فالتاريخ لا يتكرر بهذه البساطة. لكن المعضلات السياسية قد تتكرر. المشكلة المشتركة هي أن الحركة المسلحة عندما تنتصر تواجه امتحاناً مختلفاً تماماً عن امتحان الحرب. في الحرب يكون السؤال: هل تستطيع أن تهزم خصمك؟ أما في الدولة فيصبح السؤال: هل تستطيع أن تحكم الناس الذين لم يكونوا معك؟ والسؤال الثاني أصعب بكثير. الخاتمة: النار والسيف وحدهما لا يبنيان دولة. تكشف تجربة سلاطين باشا مع الدولة المهدية، عند قراءتها من منظور السودان المعاصر، عن درس سياسي يتجاوز المهدية نفسها: السيطرة على الإقليم بالقوة قد تكون بداية السلطة، لكنها ليست بداية الدولة بالضرورة. قد تنجح قوة عسكرية في إسقاط خصمها، والسيطرة على الأرض، وإقامة إدارة موازية، وفرض الأمن بالقوة. لكن الدولة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع السلطة أن تنتقل من منطق الغلبة إلى منطق المؤسسات. وهنا تكمن المعضلة الأساسية أمام مشروع حميدتي.
فقد يستطيع الدعم السريع أن يربح معارك، وأن يحتفظ بمناطق نفوذ، وأن يبني سلطة أمر واقع في دارفور. لكن بناء دولة مستقرة ومتعددة المكونات يحتاج إلى شيء مختلف تماماً: قبول سياسي، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد منتج، وقضاء، وإدارة، واحتكار قانوني للعنف، ومصالحة اجتماعية، واعتراف داخلي وخارجي. ولهذا قد لا يكون الخطر الأكبر على مشروع حميدتي هو الجيش السوداني وحده. قد يكون الخطر الأكبر من داخل المشروع نفسه. فإذا ظل الجيش هو الدولة، والقائد هو المؤسسة، والذهب هو الخزانة، والقبيلة هي شبكة الولاء، والحرب هي مصدر الشرعية، فإن المشروع قد يستطيع البقاء كسلطة أمر واقع، لكنه سيجد صعوبة بالغة في التحول إلى دولة.
وهنا تصبح قراءة سلاطين باشا وكتاب «النار والسيف» أكثر من مجرد قراءة للتاريخ. إنها تذكير بأن النار والسيف يستطيعان فتح الطريق إلى السلطة، لكنهما لا يستطيعان وحدهما بناء دولة. د/ الطاهر الفكى لندن ١٠/٩/٢٠٢٦
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة