تطفو على سطح بعض تجمعات السودانيين في المهجر ظاهرة لافتة ومقلقة في آن واحد: صراع الهوية داخل الهوية نفسها. من باريس إلى دبلن إلى برمنغهام، لا يبدو الخلاف مقتصراً على الاندماج في المجتمعات الجديدة، بل يمتد إلى داخل الجالية السودانية ذاتها، حيث تتشكل تكتلات قبلية ضيقة، ويتكرر سؤال "من هو السوداني الأصيل؟" في صور متعددة ومؤسفة. هذه النزعة لا تقف عند حدود الاعتزاز بالانتماء، بل تتجاوزه إلى نوع من الإقصاء المتبادل. كل مجموعة ترى نفسها الأقرب إلى “الأصل”، وتتعامل مع الأخرى بشيء من الشك أو الاستعلاء. وهكذا تتحول الهوية الوطنية الجامعة إلى ساحة تنازع، بدل أن تكون مظلة توحّد الجميع في بيئة اغتراب يفترض أنها تحتاج إلى التضامن أكثر من أي وقت مضى. المفارقة أن هذا السلوك يظهر في سياقات يفترض أنها حديثة ومتقدمة، حيث يعيش الأفراد في دول تقوم على القانون والمواطنة، لا على الانتماءات الضيقة. ومع ذلك، تُعاد إنتاج أنماط تفكير تقليدية، تعود جذورها إلى تاريخ طويل من الانقسامات الاجتماعية والسياسية. كأن الهجرة نقلت الجغرافيا، لكنها لم تغيّر البنية الذهنية لدى البعض. الحديث هنا لا يتعلق بكل السودانيين، بل بظاهرة موجودة تستحق النقاش. فهناك نماذج مشرقة من التعايش والتعاون داخل الجاليات، لكن وجود هذه الإيجابيات لا ينفي استمرار ممارسات سلبية تضر بالجميع. التكتلات القبلية، حين تتحول إلى معيار للتعامل، تضعف الثقة، وتغلق أبواب الفرص، وتخلق بيئة مشحونة لا تختلف كثيراً عن الأزمات التي يسعى كثيرون للهروب منها. أحد أخطر جوانب هذه الظاهرة هو الاعتقاد الراسخ لدى بعض الأفراد بأنهم يمثلون “الأصل” أو “النقاء”، وهو تصور لا يستند إلى أسس علمية أو تاريخية دقيقة، بل إلى سرديات موروثة يتم تداولها دون تمحيص. هذا النوع من التفكير لا يعكس قوة في الهوية، بل هشاشتها، لأنه يقوم على نفي الآخر بدلاً من التعايش معه. كما أن استمرار هذا النمط يعكس أزمة أعمق تتعلق بضعف الوعي النقدي. فبدلاً من مراجعة الأفكار الموروثة في ضوء التجارب الجديدة، يتم التمسك بها وكأنها حقائق مطلقة. وهنا يتحول الجهل إلى ما يشبه “الجهل المركب”، حيث لا يكتفي صاحبه بعدم المعرفة، بل يرفض حتى احتمال أن يكون مخطئاً. معالجة هذه الإشكالية لا تكون بالإنكار أو التبرير، بل بالاعتراف أولاً بوجودها. ثم يأتي دور الحوار الصريح داخل الجاليات، بعيداً عن الحساسية المفرطة أو الدفاع الأعمى. من المهم إعادة تعريف الهوية السودانية بوصفها هوية متعددة وغنية، لا تختزل في قبيلة أو جهة أو لهجة. التجارب الإنسانية تثبت أن المجتمعات التي تنجح في تجاوز انقساماتها الداخلية هي تلك التي تعترف بتنوعها وتحوّله إلى مصدر قوة. والسودانيون، بتاريخهم وثقافتهم، يملكون كل المقومات لذلك، إذا ما توفرت الإرادة لتجاوز إرث الانقسام. في نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستمر هذه التكتلات في إعادة إنتاج نفسها حتى في الغربة، أم تكون الهجرة فرصة لإعادة التفكير وبناء وعي جديد أكثر اتساعاً؟ الإجابة لا تتعلق بالمكان بقدر ما تتعلق بالعقلية، وهي مسؤولية جماعية لا يمكن الهروب منها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة