|
|
من النظرية إلى المنهج- هل تستطيع «الرسالة الثانية» أن تعيش خارج محمود محمد طه؟
|
11:14 PM September, 11 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
بعد أن انتقلنا في المقالات السابقة من سؤال القراءة إلى سؤال الفهم، ثم إلى إعادة بناء البنية الداخلية لمشروع محمود محمد طه، لا يبدو مفيداً أن نعود إلى شرح مفاهيم «الرسالتين» و«النسخ» و«حكم الوقت» و«تطور المجتمع» مرة أخرى. فالشرح ليس نقداً، والعرض ليس اختباراً السؤال الآن مختلف- ماذا يحدث لنظرية «الرسالة الثانية» عندما نخرج بها من شخص مؤسسها إلى فضاء يستطيع آخرون أن يستخدموها فيه، وأن يراجعوها، وأن يختلفوا معها، بل وأن يطوروها؟ , بعبارة أخرى: هل هي نظرية مرتبطة بمحمود محمد طه إلى الحد الذي يصعب معه فصلها عنه، أم أنها تمتلك من القواعد والمعايير ما يسمح لها بأن تصبح منهجاً معرفياً مستقلاً؟
من الفكرة إلى النظرية، ومن النظرية إلى المنهج
هناك فرق بين الفكرة والنظرية والمنهج - الفكرة أطروحة، والنظرية منظومة مترابطة من الأفكار والمفاهيم، أما المنهج فهو قواعد يستطيع باحث آخر استخدامها وفحص نتائجها حتى لو اختلف مع صاحبها , ومن هنا لا تكفي أهمية محمود محمد طه الفكرية لإثبات أن مشروعه أصبح منهجاً مستقلاً. فالفكر لا يصبح منهجاً لمجرد عمقه، وإنما عندما يستطيع أن يعمل خارج صاحبه , ولهذا يمكن وضع «الرسالة الثانية» أمام اختبار بسيط- هل يستطيع باحث آخر، لا ينتمي إلى التجربة الجمهورية ولا يشارك التجربة الروحية لمحمود محمد طه، أن يستخدم قواعد النظرية ويصل إلى نتائج قابلة للمناقشة؟
إذا كان يستطيع، فنحن أمام خطوة نحو منهج قابل للنقل. وإذا كان ذلك يتطلب دائماً العودة إلى تجربة المؤسس أو إلى مفاتيح تأويلية خاصة به، فإن جزءاً من المشروع يظل مرتبطاً بشخصه , المشكلة في المعيار لا في النتيجة , هنا تظهر المسألة الأساسية
كيف نحدد ما هو «الأصل» وما هو «الفرع»؟ ما المعيار الذي يجعل مرحلة تاريخية مختلفة بما يكفي لتغيير الوظيفة التشريعية؟ وكيف نعرف أن المجتمع قد بلغ مستوى من النضج يتيح هذا الانتقال؟
ثم من يحدد أن هذا النضج قد تحقق؟
هذه ليست أسئلة خارجية على المشروع، وإنما تفرضها بنيته نفسها. فكل نظرية تحتاج إلى معيار يميز بين تطبيقها الصحيح وبين ما يضيفه المؤول إليها , ولهذا يمكن النظر إلى - الرسالة الثانية- عبر خمسة مستويات من المعيار- النص، والتاريخ، والمجتمع، والقيمة الأخلاقية، والتأويل , وكلما أصبح السؤال متعلقاً بالتشريع والدولة والمجتمع، أصبح ضبط هذه المعايير أكثر أهمية , من (حكم الوقت) إلى سلطة تحديد الوقت , ربما هنا تكمن إحدى أكثر نقاط النظرية حساسية
إذا كان الحكم مرتبطاً بالمرحلة التاريخية، وإذا كان تغير المجتمع يسمح بانتقال تشريعي، فمن يحدد أن الوقت قد تغير بما يكفي؟
قد تكون الإجابة أن المجتمع نفسه يحدد ذلك، لكن المجتمع لا يتكلم بصوت واحد , وقد تكون الإجابة أن العلماء أو المفكرين يحددونه، فنكون قد نقلنا السلطة إليهم. وقد يقال إن النص نفسه يوفر مؤشرات الانتقال، وهنا يعود السؤال- كيف نقرأ هذه المؤشرات؟
وهكذا يتحول -حكم الوقت- من مفهوم يتعلق بالزمن إلى سؤال يتعلق بالسلطة , والأمر أكثر تعقيداً لأن التاريخ في (الرسالة الثانية) ليس مجرد خلفية لفهم النص، وإنما عنصر في إنتاج الحكم نفسه. ولهذا يصبح السؤال- من يقرأ التاريخ، ومن يقرر أن التحول التاريخي بلغ الدرجة التي تستوجب إعادة ترتيب الوظيفة التشريعية؟
هنا تلتقي التاريخية مع السلطة التأويلية , هل يمكن اختبار النظرية؟ , ليس المقصود بالاختبار هنا الاختبار التجريبي بمعناه العلمي الصارم، وإنما وجود شروط تسمح لنا بمعرفة متى يكون تطبيق ما منسجماً مع النظرية ومتى يكون متجاوزاً لها , فالنظرية المرنة تستطيع مواجهة أوضاع جديدة، وهذه ميزة. لكن المرونة تصبح مشكلة إذا أمكن تفسير كل نتيجة على أنها «اقتضاها الوقت» , إذا كان كل تغير تاريخي يمكن استيعابه تحت «حكم الوقت»، فإن السؤال يصبح: ما الذي يمكن أن يضع النظرية أمام حدودها؟
ولهذا تحتاج النظرية إلى حد أدنى من قابلية النقد الداخلي؛ أي قواعد تسمح لنا بمعرفة أين وقع الخطأ عندما تختلف القراءات.
التجربة الروحية- مصدر رؤية أم معيار؟
لا يمكن فهم مشروع محمود محمد طه من دون مكوّنه الصوفي. وربما لا تكون مقدماته الصوفية مجرد خلفية للتفكير، بل جزءاً من تصوره للإنسان والترقي الروحي، ومن ثم جزءاً من بنيته النظرية نفسها , لكن هنا يجب التمييز بين أن تكون التجربة الروحية مصدر إلهام، وبين أن تصبح معياراً نهائياً للمعرفة العامة , فالتجربة الشخصية قد تكون عميقة وصادقة بالنسبة إلى صاحبها، لكن انتقال نتائجها إلى المجال العام يحتاج إلى قواعد يستطيع الآخرون مناقشتها دون أن يعيشوا التجربة نفسها , وهذا يضع المشروع أمام سؤال مهم- ما الذي يمكن نقله من المعرفة الروحية الخاصة إلى منهج معرفي عام؟ - من التوثيق إلى الاختبار , في هذا السياق تبرز أهمية أعمال الدكتور عبدالله الفكي البشير، لا بوصفه موضوع المقال، وإنما بوصفه جزءاً من مسار إعادة بناء المعرفة بمحمود محمد طه
فالتوثيق ضرورة، وإعادة بناء نصوص المفكر وتطور أفكاره شرط لأي نقد جاد. لكن التوثيق لا يساوي الاختبار , السؤال التالي إذن هو- بعد أن نعرف ماذا قال محمود محمد طه، كيف نختبر القواعد التي أنتجت ما قاله؟ , وهنا يمكن أن يكون الانتقال من التوثيق إلى الاختبار هو الخطوة الأهم في تطوير الكتابة عن الفكر الجمهوري
كيف نختبر «الرسالة الثانية»؟
يمكن تصور الاختبار في صورة بسيطة: إعادة بناء النصوص، تحديد المقدمات، استخراج قواعد الانتقال من المقدمة إلى النتيجة، ثم اختبار ما إذا كان باحث آخر يستطيع استخدام القواعد نفسها , ولنفترض، مثلاً، أن باحثاً أراد تطبيق النظرية على حكم يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة في التشريع. عليه أن يحدد أولاً موقع النص في منظومة الأصل والفرع، ثم يحدد معنى -حكم الوقت-، ثم يبين معيار النضج الذي يسمح بالانتقال، وأخيراً يوضح القاعدة التي أوصلته إلى النتيجة
إذا جاء باحث آخر بالقواعد نفسها ووصل إلى نتيجة مختلفة، فهذه ليست مشكلة بالضرورة؛ إذ يمكن عندها تحديد موضع الاختلاف
أما إذا لم نستطع معرفة أين اختلف الباحثان لأن القواعد نفسها غير واضحة، فإننا لم نصل بعد إلى منهج مستقل, فالمنهج لا يعني أن الجميع يصلون إلى النتيجة نفسها، وإنما يعني أن الاختلاف نفسه يصبح قابلاً للفحص , هل تستطيع أن تعيش خارج صاحبها؟
ربما لا تكون الإجابة «نعم» أو «لا» بصورة مطلقة_ فقد تكون بعض عناصر المشروع أكثر قابلية للنقل من غيرها، وقد يكون بعضها شديد الارتباط بالسياق الروحي والتاريخي الذي نشأ فيه , ولكن السؤال يظل مشروعاً , فالفكر الذي يبقى حياً لا يُقاس فقط بعدد الكتب التي تشرحه، وإنما بقدرته على أن ينتقل إلى عقول أخرى، وأن يواجه النقد، وأن يتطور، وربما أن ينتج نتائج لم يصل إليها مؤسسه --لهذا فإن السؤال النهائي ليس: هل كان محمود محمد طه على صواب أم على خطأ؟ _ بل- هل يمكن فصل القواعد التي أنتجت «الرسالة الثانية» عن الشخصية التي أنتجتها؟ , إذا أمكن ذلك، بدأ المشروع يتحول من تراث يُشرح إلى منهج يُختبر.
وإذا تعذر، فإن ذلك لا يلغي قيمته الفكرية، لكنه يعني أن جزءاً من قوته يظل مرتبطاً بالمؤسس وتجربته وظرفه التاريخي والروحي
وهنا ربما نصل إلى جوهر هذه السلسلة كلها: لقد بدأنا بالسؤال (هل قرأنا محمود محمد طه فعلاً؟)، ثم انتقلنا إلى -هل فهمنا بنيته الفكرية؟-،ومن ثم إلى 0هل اختبرنا هذه البنية؟0، والآن إلى السؤال الأصعب- هل تستطيع هذه البنية أن تعيش خارج صاحبها؟
فهذا هو الاختبار الحقيقي لأي نظرية تريد أن تتحول من رؤية فردية إلى مشروع معرفي قابل للحياة.
|
|
 
|
|
|
|