منذ فجر التاريخ، لم تُولد الدول الكبرى في قاعات المؤتمرات، ولم تنشأ من المذكرات السياسية أو النداءات الأخلاقية المجردة. لقد خرجت الدول إلى الوجود من رحم الصراع، وتشكّلت عبر الحروب، وتأسست فوق تضحيات هائلة دفعتها شعوب وجيوش وحركات اجتماعية خاضت معارك طويلة حول السلطة والثروة والهوية ومستقبل المجتمع. فالتاريخ الإنساني، مهما حاول البعض تجميله، يكشف أن القوة كانت دائماً القابلة الأساسية التي رافقت ولادة الدول، وأن الدماء التي أُريقت في لحظات التحول الكبرى كانت اهم جزءاً من الثمن الذي دفعته المجتمعات لإعادة بناء أنظمتها السياسية وتوزيع القوة داخلها بإنصاف. ولم تكن فرنسا الحديثة، ولا ألمانيا الموحدة، ولا الولايات المتحدة، ولا عشرات الدول التي نعرفها اليوم، استثناءً من هذه القاعدة؛ فقد سبقت الحروبُ الدساتير، وسبقت التضحياتُ التسويات السياسية، وسبقت الوقائعُ على الأرض الاعترافَ القانوني والمؤسسي بها. ولهذا عرّف ماكس فيبر الدولة بأنها المؤسسة التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم محدد. فالدولة ليست مجرد نصوص دستورية أو شعارات سياسية، بل هي في جوهرها تعبير عن ميزان قوة استقر تاريخياً وأنتج مؤسسات قادرة على فرض النظام العام وإدارته. وفي السودان اليوم، لا يتمثل السؤال الجوهري في كيفية استخدام القوة، بل في كيفية تحوّل القوة القائمة على الأرض، وما نتج عنها من تحولات سياسية واجتماعية وعسكرية عميقة، إلى دولة جديدة ومؤسسات جديدة وشرعية جديدة. وقد كتبنا في مقالات سابقة أن السودان يقف اليوم أمام مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج السودان القديم عبر إصلاحات شكلية وتسويات سياسية لا تمس جوهر الأزمة، ومشروع آخر يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة من جذورها على أسس جديدة تعالج اختلالات السلطة والثروة والهوية التي قادت البلاد إلى الحروب والانهيارات المتكررة. والمفارقة المدهشة أن بعض النخب التي نشأت وترعرعت في كنف السودان القديم، واستفادت لعقود من امتيازاته واحتكاره للسلطة والثروة والتمثيل، ما زالت تتوهم أن بإمكانها العودة مرة أخرى لتقرير مصير البلاد كما فعلت بعد أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وديسمبر 2019. وكأن ملايين الضحايا، وعقود الحروب، والدماء التي سالت في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان وأطراف البلاد الأخرى، لم تغيّر شيئاً في معادلة القوة ولا في طبيعة السودان نفسه. بل إن بعض هذه النخب بلغ بها الصلف السياسي والوهم حد الاعتقاد بأن المجتمع الدولي سيأتي ليمنحها السلطة مرة أخرى على طبق من ذهب، وأن الضغوط الدولية والوساطات الخارجية ستفرض واقعاً سياسياً يعيدها إلى مقاعد القرار لتواصل تمرير مشاريعها الإصلاحية القديمة التي فشلت مراراً في معالجة جذور الأزمة السودانية. وكأن الدول تُبنى بالبيانات الدبلوماسية، أو كأن التحولات التاريخية الكبرى يمكن تجاوزها بقرار يصدر من الخارج، أو بمؤتمر تفاوضي يتجاهل موازين القوة الجديدة التي أنتجتها سنوات الحرب. غير أن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. فالدول لا تُسلَّم كمكافآت سياسية، والسلطة لا تُمنح لمن اعتادوا الحديث باسم الشعوب من السفارات وقاعات المؤتمرات. إن لحظات التأسيس الكبرى تُحسم أولاً بالتضحيات التي تُدفع على الأرض، وبالقدرة على إنتاج وقائع جديدة تعيد تشكيل موازين القوة، ثم تُترجم سياسياً ودستورياً في مرحلة لاحقة. ومن لا يقرأ التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب، وصعود قوى جديدة، وانهيار مراكز الهيمنة القديمة، وانتقال قطاعات واسعة من الهامش من موقع التابع إلى موقع الفاعل، فإنه لا يقرأ السودان كما هو، بل كما يتمنى أن يكون. ومن يتوهم أن مجتمعات الهامش السوداني، بعد عقود من الحروب والتضحيات والنزوح والدماء، ستعود طواعية لتسليم إرادتها ومستقبلها إلى سماسرة السياسة السودانية وبقايا نخب السودان القديم، لم يفهم شيئاً مما جرى في هذا البلد. فالشعوب التي دفعت الثمن الأكبر لا تعود لتقبل الوصاية ممن كانوا جزءاً من الأزمة أو مستفيدين منها. والأهم من ذلك أن مشروع تأسيس اليوم ليس وفداً تفاوضياً يبحث عن اعتراف، ولا حزباً سياسياً ينتظر مقعداً في سلطة انتقالية. إنه تعبير عن موازين قوى جديدة تشكلت بالدماء والتضحيات، ويمارس سلطة فعلية على أجزاء واسعة من البلاد ويخاطب قطاعات واسعة من السودانيين الذين ظلوا لعقود خارج معادلة السلطة. ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يناقش واقع السودان، بل يناقش أوهامه الخاصة. إن الحرب، بكل مآسيها، لم تُغيّر موازين القوى العسكرية فحسب، بل غيّرت السودان نفسه. فقد انهارت مراكز هيمنة كانت تبدو أبدية، وصعدت قوى جديدة من قلب الهامش، وانتقلت جماعات كاملة من موقع التابع الذي يُتحدث باسمه إلى موقع الفاعل الذي يتحدث عن نفسه ويحدد مصيره بنفسه. ولهذا فإن الرهان على استعادة السودان القديم عبر المجتمع الدولي أو عبر إعادة تدوير النخب نفسها ليس مشروعاً سياسياً، بل مجرد حنين إلى زمن انتهى، ومحاولة يائسة لإيقاف حركة التاريخ بعد أن تجاوزتها الوقائع. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي دفعت أثمان التحولات الكبرى لا تعود طوعاً إلى الصيغة القديمة التي أنتجت مأساتها، وأن الذين يصرون على تجاهل هذه الحقيقة لا يقفون في وجه خصومهم السياسيين فحسب، بل يقفون في مواجهة الاتجاه العام للتاريخ نفسه. في كتابه الشهير "الإكراه ورأس المال والدول الأوروبية"، قدم عالم الاجتماع التاريخي تشارلز تيلي واحدة من أكثر الأطروحات تأثيراً في فهم نشأة الدول الحديثة عندما صاغ عبارته الشهيرة: "الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب". فقد رأى تيلي أن أوروبا الحديثة لم تكن نتاج توافقات نخبوية أو حوارات دستورية مجردة، بل ثمرة قرون طويلة من الحروب والصراعات السياسية والعسكرية التي أجبرت الحكام على بناء مؤسسات أكثر قدرة على التنظيم والإدارة والجباية وتعبئة الموارد. ومن خلال هذه العملية التاريخية نشأت البيروقراطيات الحديثة، وتطورت الجيوش الوطنية، وتبلورت مؤسسات الدولة التي نعرفها اليوم. وبعبارة أخرى، فإن الدولة الأوروبية لم تولد جاهزة ثم خاضت الحروب، بل إن الحروب نفسها كانت من أهم العوامل التي ساهمت في تشكيل الدولة وبناء مؤسساتها وتعزيز قدرتها على بسط سلطتها على المجتمع والأقاليم التابعة لها. عندما ننظر إلى تاريخ الدول الكبرى نجد أن معظمها وُلد من رحم القوة المسلحة. ففرنسا الحديثة لم تنشأ عبر توافق اجتماعي مسبق، بل عبر قرون من الحروب الملكية والثورات والحروب النابليونية. وألمانيا لم تتوحد بفضل النقاشات البرلمانية وحدها، بل وفق رؤية أوتو فون بسمارك الذي أعلن بوضوح أن قضايا العصر الكبرى لا تُحسم بالخطب والأغلبية البرلمانية وإنما "بالحديد والدم". أما الولايات المتحدة نفسها، التي تُقدَّم اليوم بوصفها نموذجاً للديمقراطية الليبرالية، فقد تأسست عبر حرب استقلال مسلحة، ثم خاضت حرباً أهلية مدمرة لإعادة تعريف طبيعة الاتحاد والدولة والمواطنة. ولم تكن الصين المعاصرة نتيجة تسوية سياسية بين القوى الاجتماعية المختلفة، بل حصيلة حرب ثورية طويلة انتهت بانتصار الحزب الشيوعي وإعادة بناء الدولة من أعلى. وفي العالم غير الغربي، تكاد التجربة تتكرر بصورة أوضح. فقد تأسست تركيا الحديثة بعد حرب استقلال قادها مصطفى كمال أتاتورك، بينما نشأت فيتنام الجديدة من خلال حرب تحرير طويلة ضد الاستعمار ثم الحرب الأمريكية. كما أن العديد من دول أفريقيا وآسيا خرجت من حركات تحرير مسلحة تحولت لاحقاً إلى سلطات حاكمة، والسودان ليس استثناء! هذه الوقائع دفعت مفكرين مثل نيقولو مكيافيلي إلى الاعتقاد بأن القوة العسكرية تسبق النظام السياسي. ففي كتاب "الأمير" لم يكن مكيافيلي يحتفي بالعنف لذاته، بل كان يحاول فهم الكيفية التي تنتقل بها المجتمعات من الفوضى إلى السلطة المنظمة. فالدولة، في نظره، لا تبدأ من المثال الأخلاقي بل من القدرة على فرض النظام. مهم الإشارة الي أن التاريخ يكشف حقيقة أساسية كثيراً ما تغيب عن الخطابات الثورية والعسكرية: فليس كل انتصار عسكري ينتج دولة. فهزيمة الخصوم في الميدان قد تمنح القوة، لكنها لا تمنح بالضرورة الشرعية أو القدرة على بناء مؤسسات مستقرة. ولهذا يميز علماء السياسة بين السيطرة على السلطة وبناء الدولة؛ فالأولى قد تتحقق بالقوة العسكرية، أما الثانية فتتطلب مشروعاً سياسياً ورؤية تاريخية ومؤسسات قادرة على إدارة المجتمع واستيعاب تنوعه. ومن هنا تبرز أهمية التحدي الذي يواجه مشروع تأسيس اليوم. فخطره الأكبر لا يكمن في خصومه وحدهم، بل في أي تراجع عن مبادئ السودان الجديد التي منحت المشروع معناه وشرعيته منذ البداية. فأي مساومة على المواطنة المتساوية، أو العلمانية، أو العدالة التاريخية، أو إعادة هيكلة الدولة، لن تكون مجرد تنازل سياسي، بل تفريغاً للمشروع من جوهره وتحويلاً له إلى نسخة أخرى من السودان القديم الذي قام أصلاً لتجاوزه. وهذا هو المعنى العميق لما طرحه أنطونيو غرامشي حين أكد أن استقرار السلطة لا يقوم على القوة وحدها، بل على القدرة على إنتاج شرعية أخلاقية وفكرية واجتماعية. كما حذر فرانز فانون من أن حركات التحرر قد تفقد معناها التاريخي إذا اكتفت بالسيطرة على السلطة دون إنجاز التحول الذي خرجت من أجله. ولذلك فإن انتصار تأسيس الحقيقي لن يُقاس بما تحققه في ساحات القتال فقط، بل بقدرتها على البقاء وفية لمشروع السودان الجديد وتحويله إلى مؤسسات وواقع دائم، لا إلى شعارات تنتهي عند حدود المعركة.
إذا انتقلنا إلى السودان، فإن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لا يمكن فهمها بوصفها مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين تتنافسان على السيطرة على الدولة القائمة. فهذه القراءة، رغم شيوعها بين النخب، تعجز عن تفسير عمق التحولات التي فجرتها الحرب في بنية الدولة السودانية نفسها. فما نشهده اليوم هو انكشاف تاريخي لأزمة ظلت تتراكم منذ الاستقلال عام 1956: أزمة هوية، وأزمة مواطنة، وأزمة توزيع للسلطة والثروة، وأزمة علاقة بين المركز والأقاليم، وأزمة دولة فشلت في بناء عقد وطني يستوعب جميع مكوناتها. لقد كشفت الحرب أن الدولة السودانية القديمة لم تعد قادرة على أداء وظائفها الأساسية، وأن المؤسسات التي قامت عليها شرعيتها تعرضت لتآكل عميق. كما كشفت أن كثيراً من الأسئلة التي جرى تأجيلها لعقود عادت لتفرض نفسها بقوة الواقع لا بقوة التنظير السياسي. ولهذا فإن ما يجري اليوم يمكن فهمه، من منظور علم الاجتماع التاريخي، باعتباره صراعاً على إعادة تأسيس الدولة لا مجرد صراع على إدارتها. فالقضية لم تعد تتعلق بمن يحكم الخرطوم، بل بأي سودان سيخرج من هذه الحرب. من هو المواطن؟ وما هي أسس الانتماء الوطني؟ وكيف توزع السلطة والثروة؟ وما موقع الدين في الدولة؟ وما طبيعة الجيش؟ وما شكل العلاقة بين المركز والأقاليم؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تدور حولها المعركة، حتى عندما تبدو في ظاهرها معركة عسكرية. في لحظات التحولات التاريخية الكبرى، يتراجع تأثير النخب المدنية التقليدية التي اعتادت العمل داخل مؤسسات الدولة القائمة، لأن موضوع الصراع لم يعد إصلاح السلطة بل إعادة تأسيسها. ففي مثل هذه المراحل ينتقل مركز الثقل من الخطاب السياسي والعلاقات الخارجية إلى القوى القادرة على تشكيل الوقائع على الأرض وإعادة رسم موازين القوة. وقد تكررت هذه الظاهرة في تجارب عديدة عبر التاريخ. فخلال مراحل التأسيس لم تكن الكلمة الحاسمة لمن يملكون أفضل الخطب أو أوسع العلاقات الدولية، بل لمن امتلكوا القوة والقدرة على فرض واقع سياسي جديد. فالدولة لا تبدأ كمجرد فكرة قانونية أو نص دستوري، وإنما تبدأ كميزان قوة جديد يتحول لاحقاً إلى مؤسسات وقوانين وشرعية سياسية.. ومع ذلك، فإن الاستنتاج بأن المدنيين أو المثقفين أو الأحزاب لا دور لهم سيكون استنتاجاً خاطئاً. فالتاريخ لا يقول إن دورهم ينتهي، بل يقول إن دورهم يتغير. ففي مرحلة الحسم العسكري لا يكونون الفاعل الرئيسي في رسم موازين القوة، حتى وإن حاول بعضهم الاحتماء بالمجتمع الدولي أو التعويض عن ضعفه الداخلي بشبكات العلاقات العامة الخارجية. لكن النخب التي تدرك اتجاه التاريخ وتفهم طبيعة التحولات الجارية تستطيع أن تلعب دوراً هاماً في تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع سياسي مستدام. فالدول لا تُحكم بالبندقية وحدها، كما أنها لا تُبنى بالخطب والبيانات وحدها. إنها تحتاج إلى القوة التي تصنع التحول، وإلى الفكرة التي تمنحه المعنى، وإلى المؤسسات التي تضمن استمراره. ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي أمام مشروع تأسيس والقوى المرتبطة به. فالمسألة ليست مجرد تحقيق انتصار عسكري أو توسيع نطاق السيطرة على الأرض، وإنما الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية التي صنعتها عقود طويلة من المقاومة والحروب والتضحيات. فكل الحركات التي نجحت في تأسيس دول جديدة مرت بتحول عميق من منطق الحركة إلى منطق الدولة، ومن عقلية المقاتل إلى عقلية المؤسس، ومن شرعية البندقية إلى شرعية المؤسسات، ومن إدارة الصراع إلى إدارة المجتمع. إن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل صراع على حق كتابة الفصل التالي من تاريخ البلاد. فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، كما أنها لا تُبنى بالأمنيات والشعارات. إنها تُبنى عندما تنجح القوى التي صنعت التحول التاريخي في تحويل تضحياتها إلى مشروع وطني جديد، وتحويل آلام الماضي إلى أسس تمنع تكراره، وتحويل مطالب العدالة إلى مؤسسات قادرة على حمايتها. لقد اعتادت النخب السودانية، طوال عقود، النظر إلى الهامش باعتباره موضوعاً للسياسة لا صانعاً لها، وساحةً للتفاوض لا شريكاً في تقرير المصير. غير أن الحرب الحالية كشفت أن المجتمعات التي وُضعت على هامش الدولة كانت، في الواقع، تحمل الأسئلة الجوهرية التي عجز المركز عن الإجابة عليها. فقد كانت أسئلة العدالة والمواطنة والهوية وتوزيع السلطة والثروة حاضرة في خطاب الهامش منذ عقود، بينما ظلت النخب المركزية منشغلة بإدارة الأزمات الناتجة عنها أكثر من انشغالها بمعالجة أسبابها. ولهذا لم تعد القضية اليوم قضية من يحكم الخرطوم، بل أي سودان سيخرج من بين أنقاض الحرب. هل سيخرج سودان يعيد إنتاج الدولة القديمة بأزماتها ومراكز هيمنتها وصيغها الفاشلة؟ أم سيخرج سودان جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع، والعدالة التاريخية، والمواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة؟ أما الذين ما زالوا يراهنون على استعادة الماضي عبر الوساطات الدولية أو عبر شبكات العلاقات السياسية والدبلوماسية، فإنهم يفشلون في إدراك حقيقة بسيطة: التاريخ تجاوز تلك المرحلة بالفعل. فالشعوب التي دفعت أثمان التغيير لا تسلم حقها في تقرير المصير بالوكالة لأحد، ولا تعود إلى مواقع التبعية بمجرد صدور بيان دولي أو انعقاد مؤتمر سياسي. ويبقى التحدي الأكبر أمام مشروع تأسيس نفسه. فالقوة التي لا تتحول إلى مؤسسات تضعف، والانتصار الذي لا يتحول إلى عقد اجتماعي جديد يتآكل، والثورة التي لا تبني دولة تنتهي، في كثير من الأحيان، إلى إعادة إنتاج ما ثارت عليه. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في السيطرة على الأرض فحسب، بل في القدرة على بناء دولة تستحق حجم التضحيات التي قُدمت من أجلها. ففي نهاية المطاف، لا يخلد التاريخ أولئك الذين اكتفوا بالمطالبة بالتغيير أو التفاوض حوله، بل أولئك الذين امتلكوا الرؤية والشجاعة والانضباط اللازم لتحويله إلى واقع. والسودان يقف اليوم أمام هذه اللحظة بالذات: لحظة الانتقال من الحرب إلى التأسيس، ومن القوة إلى الدولة، ومن المأساة إلى مشروع تاريخي جديد
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة