في سياقٍ سياسي ظلّ لسنوات طويلة يعيد إنتاج نفسه عبر وثائق متكررة لا تمس جوهر الأزمة، تتجدد اليوم في نيروبي محاولة أخرى لصياغة مخرج للأزمة السودانية. إذ تلتقي مجموعة من القوى السياسية والمدنية—يتصدرها تحالف "صمود" بقيادة د. عبد الله حمدوك، إلى جانب حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور، وبمشاركة طيف واسع من أحزاب، وتنسيقيات والنقابات، ومنسقيات لنازحين ولاجئين، ولجان مقاومة، وهيئة محامي دارفور، ومركز ومجلة قضايا فكرية، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة—تحت لافتة تطوير "إعلان المبادئ" وتوسيع تحالفاته. هذا الحراك، الذي يُقدَّم بوصفه جهداً نحو السلام، يقوم في أساسه على وثيقة "إعلان المبادئ" الموقعة في 16 ديسمبر 2025. ورغم ما تحمله الوثيقة من لغة سياسية تبدو متقدمة، فإنها—في جوهرها—تعكس استمراراً لنمط تفكير ظلّ يتجنب مواجهة جذور الأزمة السودانية، مكتفياً بإعادة إنتاج مقاربات انتقالية تقليدية. ينطلق هذا المقال من فحص هذا المسار: هل ستمثل هذه الاجتماعات تحولاً نوعياً يتجاوز الوثيقة، أم أنها امتداد لها بصيغة موسعة؟ وهل نحن أمام طرح مشروع تغيير حقيقي، أم محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي ضمن نفس الإطار القديم؟ لقد رُوّج لوثيقة "إعلان المبادئ" بوصفها مدخلاً لبناء وطن جديد، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن ما تطرحه لا يرقى إلى مستوى مشروع تحوّل جذري يعالج بنية الدولة، ولا إلى رؤية تغيير ذات معنى للسودانيين بتعددهم، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تشكيل مركز سياسي جديد عبر لغة توافقية تتجنب الأسئلة الحاسمة وتؤجل مواجهتها. تفرض اللحظة التاريخية الراهنة وضوحاً أخلاقياً وسياسياً لا يحتمل الالتباس. وفي هذا السياق، يتحول الغموض الذي يميز وثيقة إعلان المبادئ—حتى وإن جاء في صيغة توافقية—إلى أداة لتفادي السؤال الجوهري الذي أعادت حرب 15 أبريل طرحه بحدة: كيف تُبنى الدولة في السودان؟ ذلك أن الوثيقة، رغم حديثها عن السلام والديمقراطية، لا تقدم رؤية متماسكة لبناء دولة مختلفة، بل تظل أسيرة منطق إدارة الأزمة، مكتفية بترميم القائم بدلاً من معالجة جذوره أو إعادة صياغته على أسس جديدة.
أولاً: أهم ما جاء في الوثيقة يمكن تلخيص الوثيقة في النقاط التالية: ١/ الدعوة إلى وقف الحرب وتحقيق انتقال مدني ديمقراطي ٢/ التأكيد على وحدة السودان ورفض الحل العسكري ٣/ طرح عملية انتقالية مدنية لا تشارك فيها الأطراف المتحاربة ٤/ الدعوة إلى إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة ٥/ استبعاد الحركة الإسلامية وقوى الحرب من العملية السياسية ٦/ الدعوة إلى جيش قومي مهني واحد ٧/ الربط بين المسارات الإنسانية والسياسية والعسكرية ٨/ الاعتماد على المبادرات الدولية والإقليمية
ثانياً: التناقض البنيوي في تعريف "قوى الحرب" كأداة لإعادة ترتيب المجال السياسي تكمن إحدى أكثر الإشكالات دقة في الوثيقة ليس في مضمونها المباشر، بل في بنيتها المفاهيمية وطريقة اشتغال لغتها. إذ تستخدم مصطلحين يبدوان للوهلة الأولى متقاربين، لكنهما يؤديان وظيفتين سياسيتين مختلفتين: "الأطراف المتحاربة" و"قوى الحرب". فالأول يرد بصيغة عامة توحي بالحياد والتوصيف الشامل، بينما يُستخدم الثاني كأداة إقصاء دون تحديد معيار واضح أو تعريف منضبط. هذا التباين لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف لغوي، بل يعكس آلية تصنيف مرنة تُتيح إدراج الفاعلين أو استبعادهم وفق اعتبارات سياسية، لا وفق معايير موضوعية. فحين تُترك عبارة "قوى الحرب" مفتوحة دون تحديد دقيق، فإنها تتحول إلى أداة سياسية بيد مُنتِج الوثيقة، يحدد من خلالها من يُستبعد من المجال السياسي ومن يُسمح له بالمشاركة. وهنا تتجلى المفارقة الجوهرية: من هم "الأطراف المتحاربة" على وجه التحديد؟ ومن هم "قوى الحرب" الذين يُفترض إبعادهم؟ إن غياب الإجابة الواضحة على هذا السؤال ليس عرضياً، بل يعكس قصداً سياسياً. فهذه الصياغة تتيح—ضمنياً—إدخال مشاريع سياسية بعينها ضمن خانة "قوى الحرب"، خاصة تلك التي تطرح إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة، بما في ذلك القوى المرتبطة بمشروع "تأسيس"! وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في رفض الحرب كفعل، بل في إعادة تعريفها سياسياً بما يخدم إعادة ترتيب المجال السياسي. فالوثيقة، في هذا السياق، لا تكتفي بإدانة الحرب، بل تستخدم مفهومها بطريقة انتقائية تستبعد مشروعاً سياسياً محدداً، وتحتفظ لنفسها بحق تحديد من يشارك في المستقبل ومن يُقصى... "نظريا طبعا"... وبهذا المعنى، فإن ما يبدو خطاباً أخلاقياً محايداً يتحول، عند التفكيك، إلى إعادة إنتاج لمنطق الإقصاء المركزي، ولكن هذه المرة بلغة مدنية توفيقية، تُخفي خلف عموميتها آليات دقيقة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل المجال السياسي.
ثالثاً: وثيقة تهرب من سؤال التأسيس الوثيقة تتحرك بالكامل داخل أفق: - وقف الحرب - إدارة الانتقال - تشكيل سلطة مدنية لكنها لا تقترب من الأسئلة الحقيقية: - ما طبيعة الدولة الجديدة؟ - كيف تُعاد صياغة العلاقة بين المركز والهامش؟ - كيف تُعالج مسألة الأرض؟ - ما موقع العدالة التاريخية؟ - ما شكل الجيش الجديد؟ - ما تعريف المواطنة في دولة متعددة؟ هذا الغياب ليس نقصاً، بل هروب واعٍ. لأن الإجابة على هذه الأسئلة تعني: - تفكيك الدولة القديمة - إعادة توزيع السلطة - الاعتراف بالمظالم التاريخية - تبني العلمانية واللامركزية الحقيقية وهي قضايا لا تريد هذه المجموعة الاقتراب منها، لأنها تهدد موقعها داخل المعادلة السياسية، ولا شنو؟
رابعاً: إعادة إنتاج الوصفات المجربة الوثيقة تعيد طرح نفس الأدوات التي فشلت تاريخياً، وبنفس الصيق: - انتقال مدني - توافق سياسي - دعم دولي - جيش موحد - حكومة انتقالية لكن المشكلة ليست في هذه الأدوات، بل في استخدامها دون تغيير الشروط البنيوية. فالسودان لا يفشل في إنشاء حكومات انتقالية، بل يفشل في الوصول إلى دولة جديدة. ولا يفشل في كتابة الدساتير، بل في تغيير علاقات القوة التي تجعل هذه الدساتير بلا أثر. وبالتالي، فإن الوثيقة لا تقدم حلاً، بل تعيد تدوير الأزمة...فهل ستاتونا بجديد؟
خامساً: محاولة الاستئثار بالمشهد دون شرعية تأسيسية أو ثورية تحاول المجموعة التي أصدرت الوثيقة أن تُقدّم نفسها بوصفها حاملةً لمشروع وطني جامع، غير أن تموضعها الفعلي يكشف مفارقة عميقة بين الادعاء والواقع. فهي، في بنيتها وتصوراتها، لا تنطلق من قاعدة اجتماعية واسعة تعكس تعددية السودان وتحولاته، بل تعبّر—إلى حد كبير—عن امتداد لرؤية نخب تقليدية ما تزال أسيرة فهمٍ منقوص لطبيعة الأزمة، ينظر إليها بوصفها أزمة حكم لا أزمة دولة، كما وضحنا في مقال سابق بعنوان " من سؤال السلطة، من يحكم وكيف يحكم إلى سؤال التأسيس: كيف تُبنى الدولة في السودان؟"
كما أن هذه المجموعة لم تُنتج رؤية متماسكة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، بل أعادت تدوير ذات الخطاب الذي درجت عليه الوثائق السياسية منذ عقود. وتكفي قراءة وثيقة "إعلان المبادئ" للكشف عن هذا التكرار: لغة عامة، مقاربات انتقالية، وتجنب منهجي للأسئلة البنيوية المرتبطة بالعدالة التاريخية، وطبيعة الدولة، وعلاقة المركز بالهامش. الأكثر دلالة، أن هذه القوى لم تتفاعل بجدية مع التحولات الفعلية على الأرض، وعلى رأسها صعود تحالف "تأسيس" كفاعل سياسي وعسكري واجتماعي لا يمكن تجاهله- بل كيف يمكن تجاهل حكومة الوحدة والسلام؟ وبدلاً من مواجهة هذا الواقع، اتجهت إلى التحايل عليه عبر خطاب ملتبس يسعى—بصيغ مختلفة—إلى إبعاده من المشهد، سواء من خلال إعادة تعريف "قوى الحرب"، أو عبر طرح صيغ انتقالية تُقصي الفاعلين الحقيقيين بحجة الحياد أو المدنية! غير أن هذا المسار لم يعد ممكناً. فـ"تأسيس" لم يعد مجرد طرح سياسي قابل للتجاهل، بل أصبح حضوراً مادياً على الأرض، يمتد عبر: ١/ قاعدة اجتماعية متنامية في مناطق الهامش ٢/ وجود عسكري مؤثر ضمن معادلة القوة ٣/ خطاب سياسي مدني أحدث تحولاً في مفاهيم مثل العلمانية، العدالة التاريخية، واللامركزية، وضرورة الجيش الجديد. وبالتالي، فإن أي محاولة لتجاوزه أو إقصائه لا تعكس موقفاً مبدئياً بقدر ما تعكس عجزاً عن استيعاب التحول الجاري علي الارض، وخشية من إعادة توزيع حقيقية للسلطة. إلى جانب ذلك، لم تُبدِ هذه المجموعة استعداداً للاعتراف بالتحول الفكري الذي أحدثه مشروع السودان الجديد، والذي نقل النقاش من سؤال السلطة إلى سؤال بنية الدولة. بل ظلت تتعامل معه "بحياء" بوصفه أحد "الأطراف" لا بوصفه إطاراً مفاهيمياً يعيد تعريف المشكلة نفسها. ورغم كل ذلك، تسعى هذه القوى إلى القيام بدور المصفاة السياسية التي تحدد من يشارك في المستقبل ومن يُقصى، وهو ما يكشف نزعة واضحة نحو الاستئثار بالسلطة الرمزية والسياسية، دون امتلاك شرعية ثورية نابعة من الحراك الشعبي، أو شرعية تأسيسية قائمة على مشروع يعالج جذور الأزمة! وبهذا المعنى، فإن ما يُطرح ليس مشروعاً جامعاً، بل محاولة لإعادة إنتاج مركز جديد، يعيد ترتيب مواقع النخبة، دون أن يغيّر قواعد اللعبة التي أوصلت السودان إلى أزمته الراهنة، امر مؤسف حقيقة.
سادساً: تجاهل سودان بعد 15 أبريل الوثيقة تتعامل مع السودان وكأنه ما زال في مرحلة ما قبل الانفجار، بينما الواقع تغيّر جذرياً: - تفكك المركز - تغير موازين القوة - صعود قوى جديدة - تبني مفاهيم مثل العلمانية والعدالة التاريخية واللامركزية من قوي ومجتمعات تشكل ثقل جماهيري لا يمكن تجاهله لكن الوثيقة تعود إلى: - خطاب الانتقال - وصفات التوافق - أدوات ما قبل الانهيار وهذا يكشف أنها منفصلة عن الواقع، أو تحاول تجاوزه.
سابعاً: الخلاصة—وثيقة ضد التأسيس في جوهرها، هذه الوثيقة: - تطرح خطاباً انتقالياً في لحظة تأسيسية - تمارس إقصاءً سياسياً عبر تعريفات ملتبسة - تهرب من الأسئلة الحقيقية لبناء الدولة - تعيد إنتاج أدوات فشلت تاريخياً - تحاول احتكار المشهد دون شرعية تسمح لها بهذا وأخطر من كل ذلك، أنها: تستخدم لغة السلام والديمقراطية لإعادة إنتاج بنية السلطة القديمة.
ختاما: بين تكرار الوثيقة أو مواجهة الاستحقاق تأتي اجتماعات نيروبي، في ظاهرها، استجابةً لحاجة ملحّة: وقف الحرب، وتوسيع القاعدة المدنية، والبحث عن مخرج سياسي للأزمة السودانية. لكنها، في عمقها، تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل تمثل هذه الاجتماعات لحظة مراجعة حقيقية تتجاوز وثيقة "إعلان المبادئ" السابقة، أم أنها مجرد امتداد لها في صيغة موسّعة؟ ذلك أن جوهر الاختبار لا يكمن في عدد المشاركين، ولا في اتساع التحالف، بل في طبيعة الرؤية التي ستخرج بها هذه المجموعة: هل ستعيد إنتاج نفس الخطاب الانتقالي الذي تجنب جذور الأزمة، أم ستتقدم برؤية واضحة تعالج شروط بناء الدولة في السودان كما فرضتها الوقائع، لا كما ترغب النخب؟ إن اللحظة الراهنة لا تحتمل الغموض، ولا تسمح بالهروب من الأسئلة الحاسمة. فبناء الدولة في السودان لم يعد مسألة إجرائية أو تفاوضية، بل مشروع تحوّل عميق يقتضي معالجة قضايا محددة، لا يمكن القفز فوقها أيا كانت القدرة البهلوانية. أولاً، الانتقال من تعريف أحادي للهوية إلى مواطنة متساوية تُنهي الامتيازات التاريخية. ثانياً، تفكيك المركزية التي راكمت السلطة والثروة، وبناء لامركزية قائمة على الحقوق لا التفويض الشكلي. ثالثاً، الخروج من الدولة الدينية أو الأيديولوجية نحو دولة علمانية محايدة تجاه الأديان، وربط هذا بحق تقرير المصير لكل السودانيين. رابعاً، إنهاء احتكار النخب للقرار والموارد، والانتقال إلى عدالة تاريخية وتنمية متوازنة تعيد توزيع الفرص. خامساً، بناء جيش جديد، لا بوصفه مالكاً للدولة، بل مؤسسة خاضعة للدستور، قائمة على مبادئ فوق دستورية تحكم علاقتها بالمجتمع والسياسة. هذه ليست شعارات، بل شروط لا يمكن تجاوزها إذا أُريد للسودان أن يخرج من دورات الانهيار المتكررة. ومن هنا، يصبح السؤال موجهاً بوضوح إلى هذه المجموعة: هل ستخرج من نيروبي بوثيقة تعالج هذه القضايا صراحةً، أم ستعيد إنتاج لغة عمومية تُخفي أكثر مما تُظهر؟ وهل ستحدد موقفها بوضوح من حكومة وتحالف "تأسيس"، بوصفه أحد أبرز تعبيرات التحول الجاري، أم ستواصل سياسة الصمت والمواربة؟ إن الحياد في مثل هذه اللحظات ليس موقفاً، بل انحياز غير مُعلن. وأي مشروع لا يواجه هذه الأسئلة بوضوح، ولا يحدد موقعه من التحولات الفعلية على الأرض، لن يكون مشروع سلام، بل مشروع تأجيل جديد للأزمة. السودان اليوم لا يحتاج إلى إدارة انتقال، ولا إلى إعادة تدوير النخب، ولا إلى بيانات متوازنة في ظاهرها وملتبسة في جوهرها. بل يحتاج إلى إجابة صريحة وصارمة على السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: كيف تُبنى الدولة؟ وما لم تُطرح هذه الإجابة بوضوح، فإن كل ما عداها سيظل يدور في نفس الحلقة التي لم تُنتج سوى الفشل.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة