من إدانة غياب الحياء إلى بناء آلية الإقصاء المؤسسي قراءة نقدية في مقال "لماذا لا يستحي الإسلامويون؟" لخالد أبوأحمد ضمن سلسلة الردود النقدية لميثاق النجاة وبناء الدولة
د. على عبدالله الخليفة طه
يقدّم خالد أبوأحمد، في مقاله المنشور في 30 يوليو 2026، تشخيصاً أخلاقياً حاداً لظاهرة تستحق فعلاً أن توصف بدقة: استمرار الحركة الإسلامية السودانية في السعي إلى موطئ قدم في ترتيبات المرحلة القادمة، رغم سجلها الموثق في الحرب والقمع والإبادة. غير أن قوة المقال في تشخيصه الأخلاقي تكشف في الوقت نفسه حدوده، فهو ينتهي عند عتبة المطالبة الأخلاقية دون أن يعبرها إلى آلية مؤسسية قابلة للتطبيق. وهذه بالضبط هي الفجوة التي عالجها ميثاق النجاة وبناء الدولة بوصفه انتقالاً من التشخيص إلى الآلية.
أولاً: الحياء كمفهوم أخلاقي فردي لا كآلية جماعية
يبني أبوأحمد حجته على مفهوم "الحياء" بوصفه "حاجزاً داخلياً يمنع الإنسان من فعل ما يستحق الخجل حتى لو لم يره أحد"، ويخلص إلى أن غياب هذا الحاجز عند الإسلامويين هو ما يفسر إصرارهم على العودة إلى المشهد السياسي رغم جرائمهم. وهو محق في أن التنظيم "يقيس نجاحه بمقياس مختلف عن مقياس الناس"، وأن إعادة إنتاج الخطاب دون مراجعة الجوهر دليل على أن ما يحكمه ليس قناعة أخلاقية قابلة للمراجعة بل حسابات بقاء متجددة. لكن الاعتماد على "الحياء" بوصفه المعيار الوحيد يحمل مشكلة بنيوية: الحياء فضيلة تفترض وجودها أصلاً عند الطرف المطالَب بها. حين يخلص المقال إلى أن "الحياء الذي غاب عنهم لن يعوضه إلا غيابهم هم عن المشهد بالكامل"، فإنه يضع النتيجة الصحيحة، لكنه يترك السؤال الأهم بلا جواب: من الذي يقرر هذا الغياب، وبأي معيار، وعبر أي مسار قانوني يمنع أن يتحول الإقصاء نفسه إلى انتقام جديد يعيد إنتاج نفس دائرة التفرد بالسلطة؟
ثانياً: من انتظار الخجل إلى الشرعية الوظيفية التصاعدية
هنا يكمن الفارق الجوهري بين المطلب الأخلاقي والآلية المؤسسية. الشرعية الوظيفية التصاعدية، كما يؤسس لها الميثاق، لا تنتظر خجل الجاني أو انسحابه الطوعي من المشهد، بل تبني هرم تمثيل يصعد من القاعدة المحلية عبر الركيزة الرابعة (التمثيل الإقليمي الموزون)، بحيث يُقصى من لا يملك رصيداً وظيفياً حقيقياً في إعادة البناء بصرف النظر عن ندمه من عدمه. الإقصاء هنا ليس عقاباً أخلاقياً ينتظر توبة، بل نتيجة تلقائية لبنية تمثيل لا تمنح الشرعية إلا لمن يشارك فعلياً في العبء المشترك ، وهو ما يعبّر عنه الميثاق بمفهوم الافتقار (iftiqar) كأساس فلسفي: لا شرعية لمن لا يقيم علاقة تبادلية حقيقية مع من تضرر منه. بهذا المعنى، فإن مطلب أبوأحمد "لا مكان للإسلامويين في أي ترتيب قادم" يتحول من نداء أخلاقي إلى نتيجة هيكلية: لا حاجة لانتظار اعترافهم برفضهم، لأن آلية التمثيل نفسها لا تفتح لهم باباً أصلاً.
ثالثاً: العدالة الانتقالية الثلاثية بديلاً عن الإقصاء الجماعي غير المُميَّز
يسرد المقال وقائع موثقة بدقة: فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، مقتلة أمري وكجبار، معسكر العيلفون، شهداء ديم عرب، والحملة الممنهجة ضد المرأة السودانية بعد ثورة ديسمبر. هذه الوقائع تستحق فعلاً مساراً قضائياً لا مجرد إدانة خطابية. غير أن المقال يعامل "الإسلامويين" ككتلة واحدة متجانسة، وهذا تسطيح يخاطر بتكرار خطأ منهجي خطير: معاقبة الانتماء التنظيمي المجرد بنفس ميزان معاقبة الجريمة الموثقة، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات لاحقة بالانتقام الجماعي بدل العدالة. العدالة الانتقالية الثلاثية التي يقترحها الميثاق تعالج هذا التمييز مباشرة: مجالس المصالحة المحلية تتعامل مع درجات الانخراط التنظيمي والمسؤولية الأدنى، لجنة الحقيقة والتعويض توثق الانتهاكات وتحدد المسؤوليات المؤسسية، وغرفة الجرائم الكبرى، بلا عفو، تحاسب من ارتكب جرائم موثقة كالتي عددها أبوأحمد. بهذا التدرج، يتحول "الغياب الكامل عن المشهد" الذي طالب به المقال من شعار جماعي إلى نتيجة قانونية متمايزة بحسب درجة المسؤولية الفعلية، لا بحسب الانتماء وحده.
خاتمة: من السؤال "لماذا لا يستحون؟" إلى السؤال "كيف نبني بنية لا تحتاج إلى حيائهم؟"
يطرح أبوأحمد سؤالاً مشروعاً ومؤلماً: كيف يُطلب من ضحية أن تجلس مع جلادها باسم "الشراكة" أو "الواقعية السياسية"؟ والإجابة التي يقدمها الميثاق ليست مناشدة الجلاد بالخجل، بل بناء بنية دولة لا تحتاج أصلاً إلى موافقته أو انسحابه الطوعي كي تستقر. غياب الحياء عندهم ليس ثغرة أخلاقية عابرة يمكن سدها بالمناشدة أو التذكير بالفضيلة، بل نتاج بنية تمكين ثلاثة عقود لم تُفكَّك بعد مؤسسياً. وحين تُفكَّك هذه البنية عبر الشرعية الوظيفية التصاعدية والعدالة الانتقالية الثلاثية، يصبح السؤال عن حيائهم من عدمه سؤالاً ثانوياً، لأن المشهد السياسي الجديد لن يكون بحاجة أصلاً لانتظار جوابه.
08-01-2026, 02:08 AM
بكرى ابوبكر بكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 02-04-2002
مجموع المشاركات: 18891
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة