انهيار الدولة في السودان ليس وليد اللحظة، بل مسيرة طويلة من الخراب والدمار الممنهج الذي ظل يمارسه الكيزان منذ أن بدأوا مشروعهم الظلامي الذي قام على الجهل واستمر على الأكاذيب. في كل مرة ينهار فيها مشروع سياسي، يبحث الناس عن الأسباب في المظاهر والشكليات والتفاصيل اليومية، بينما تكمن الحقيقة في البنية الفكرية والنفسية العميقة التي تأسس عليها ذلك المشروع. تجربة الإسلام السياسي ( الكيزان) في السودان ليست إستثناء، بل هي النموذج الأكثر وضوحاً الذي إلتقى فيه الجهل بالأكاذيب فتحوّلا إلى منظومة فاسدة ظلت على الدوام تسوّق الجهل على أنه علم، والكذب على أنه صدق! تمّ ممارسة ذلك منذ أن ظهر هذا التنظيم في السودان تحت لافتات ومسميات مختلفة، لكن الهدف واحد، تهيئة الظروف المناسبة للقفز إلى السلطة، ومن ثم نشر خطاب الجهل ونهج الأكاذيب وفرضه على الشعب السوداني. فعلوا ذلك في 1989 حين انقلبوا على النظام الديمقراطي بلا شعور بالذنب أو تأنيب ضمير! الترابي ذهب إلى السجن حبيساً، وعمر البشير ذهب إلى القصر رئيساً. وكرروا ذات المسرحية مرة أخرى بعد ثورة ديسمبر.. الطاغية الضلالي عمر البشير ذهب إلى السجن، ومجرم الحرب البرهان ذهب إلى مقر اعتصام الثوار والثائرات مدّعياً انحيازه للثورة من أجل الوصول إلى القصر الجمهوري. وصول البرهان إلى القصر الجمهوري عبر ما سُمّي بالوثيقة الدستورية لم يكن الهدف منه العمل على تهيئة الظروف الموضوعية للتحول المدني الديمقراطي الذي يساهم في معالجة الخلل البنيوي في بنية الدولة السودانية، بل كان العكس تماماً: أي تعميق الأزمة الوطنية. لذلك عمل البرهان وبقية أعضاء اللجنة الأمنية التي كوّنها الطاغية عمر البشير على إفشال الحكومة الانتقالية، ودسّ المحافير، ونصب الفخاخ، وضرب قوى الثورة عبر مخطط تفكيكها وفق خطة معدّة في الغرف المظلمة. الحركة اللإ إسلامية ظلت تعمل ليل نهار في الدخل وفي الخارج نسّقت مع قوى خارجية لإعاقة مسار التحول المدني الديمقراطي في السودان، لذلك كنا نحذر باستمرار من مغبة الوقوع في الفخ، وقد حدث. مشروع الحركة اللا إسلامية قام على الجهل المركّب الذي يسيطر على الشعوب المتخلفة التي تجهل أنها جاهلة، بل تقاتل من أجل أن تبقى في جهلها اعتقاداً منها أن الوضع هو الصحيح. لذلك نجد أغلب الدول العربية تعيش في ظلام وظلم وجهل وفقر وقهر واستبداد وحروب. والسودان خير مثال. تنظيم الكيزان المتخلف رفع شعار الدين هو الحل، لكن الممارسة أثبتت أن الشعار الذي رفعه خاوي الوفاض، مجرد أوهام وتضليل وأكاذيب، لذلك وقف حمار الشيخ في العقبة. الكيزان رفعوا شعار الدين لخداع البسطاء، بينما عملياً مارسوا أبشع أشكال الفساد. الكيزان فعلوا ما لم يفعله إبليس... خلطوا المقدس بالمدنس، فحوّلوا السلطة غير الشرعية إلى جهاز مارس الاستبداد والفساد والظلم. الكيزان القتلة الأشرار جعلوا من مؤسسات السلطة مقدسات تُلغى معها المساءلة والمحاسبة. الحرب اللعينة التي أشعلوها باسم الجيش المختطف سموها حرب كرامة... لك أن تتخيل: الحرب التي تنتهك كرامة الإنسان وتصادر حريته وحياته سموها حرب كرامة! والتحول المدني الديمقراطي اعتبروه جريمة! هل هناك إنسان سوي يفكر بهذه الطريقة! من أراد أن يفهم حقيقة هذا التنظيم الشرير، عليه فقط أن يذهب إلى اليوتيوب ويسمع ما كان يقوله مجرم الحرب البرهان عن ثورة ديسمبر، وما قاله بعد تنفيذه انقلاب 25 October 2021، وما قاله بعد إشعال الحرب اللعينة. من يسمع ويقارن سيقف على كمّ هائل من الأكاذيب. والأخطر من ذلك كله هو إنكاره لوجود الكيزان، وفاته أنه هو ذاته كوز كبير ومنظّم داخل الجيش المختطف منذ 1989. وبقية أعضاء اللجنة الأمنية أيضاً كيزان منظّمون في خلايا عسكرية تقودهم سناء حمد وآخرون. مجرم الحرب البرهان، منذ اللحظة التي أعلن فيها انحيازه للثورة، كان يكذب على الشعب، وهكذا ظل يفعل وما زال يمارس الأكاذيب. ما قاله ويقوله، وما فعله ويفعله، هو امتداد طبيعي لمدرسة خربة بناها تنظيم الكيزان، قامت واستمرت على الأكاذيب وتزييف الوعي وتضليل الرأي العام. الحقيقة التي لا يستطيع أن يقولها مجرم الحرب البرهان وبقية المجرمين هي أن الحركة الظلامية هي من تسيطر على مفاصل الدولة المختطفة منذ 1989، لذلك لا قيمة لما يقوله. الإنكار الذي يمارسه مجرم الحرب البرهان ليس مجرد موقف سياسي، بل هو إنعكاس لأزمة أخلاقية عميقة، أزمة تجعل الكذب وسيلة للحكم، وتجعل الحقيقة عدواً يجب التخلص منه. من شبّ على شيء شاب عليه. مجرم الحرب البرهان هو خريج مدرسة الأكاذيب بقيادة علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع وعوض الجاز وبقية الساقطين في مهاوي الخسة والدناءة والانحطاط، الذين يجهلون أن في الدول الحديثة لا يُترك موضوع الأخلاق للضمير الفردي وحده، بل يُدرَّس كمقرر علمي مستقل تحت اسم Ethics أو Moral Philosophy، لأن السلطة بلا أخلاق تتحول إلى استبداد، ولأن القرار السياسي بلا قيم يتحول إلى كارثة. في هذا العلم يتعلم الطلاب معنى الصدق في المجال العام، ومسؤولية السلطة، وحدود استخدام القوة، وكيفية اتخاذ موقف أخلاقي في ظروف معقدة. لكن في السودان غاب هذا الوعي الأخلاقي تماماً، فصار الكذب جزءاً من الممارسة اليومية، وصار الخداع أداة سياسية، وصار الإنكار بديلاً عن الحقيقة. وهكذا تتكرر المأساة: مشروع يقوم على الجهل، ويستمر بالأكاذيب، وينتهي بالخراب. إن تجربة الإسلام السياسي في السودان مثال حي على فشل التنظير والممارسة. تجربة الدمار التي سموها كذباً وتضليلاً إنقاذاً أثبتت بالحقائق والوقائع أنه لا يمكن بناء دولة على الجهل، ولا يمكن حماية مجتمع بخطاب يقوم على الأكاذيب، ولا يمكن أن ينهض وطن تُدار شؤونه بعقلية جماعة مريضة بالسلطة والثروة.. جماعة جاهلة تعتقد أنها واعية نتيجة لجهلها المركّب الذي جعلها ترى نفسها فوق القانون وفوق المجتمع وفوق الحقيقة. إن خطاب الإسلام السياسي، بكل ما يحمله من شعارات زائفة وتبريرات مضللة، ليس سوى نفايات فكرية خرّبت العقول، وسمّمت النفوس، وتعمل الآن بكل ما لديها من حقد وأمراض وعقد نفسية على منع قيام دولة مدنية فيدرالية ديمقراطية فيها تداول سلمي للسلطة وتوزيع عادل للثروة بين جميع مكونات السودان بلا تمييز أو تفرقة أو عنصرية.
الطيب الزين / كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة