في الأزمنة التي يعلو فيها الصخب على المعنى، وتنتفخ فيها اللغة حتى تفقد دلالتها، يغدو المثقف كمن يسير في حقلٍ من الضباب: يرى ولا يُرى، يسمع ولا يُصغى إليه، ويكتب كمن يلقي رسائل في بحرٍ لا يعرف الشواطئ. تلك هي محنته في عالمٍ استبدلت فيه الفكرة بالانطباع، والحجة بالهتاف، والمعرفة بـ”الترند” العابر الذي لا يلبث أن يتبدد قبل أن يُفهم.
غير أن هذه المحنة، على قسوتها الكونية، تتخذ في السودان طابعًا أكثر فداحةً وتعقيدًا. فهنا لم يكن التراجع الثقافي محضَ انحدارٍ عفوي، بل كان—إلى حدٍّ بعيد—نتاجَ مشروعٍ منهجيٍّ من التجريف، صاغته سلطة أيديولوجية لم تكتفِ بإضعاف بنية الفكر، بل سعت إلى إعادة تشكيل الوعي ذاته، بحيث يصبح الخوف بديلاً عن التساؤل، والامتثال بديلاً عن النقد، والاصطفاف بديلاً عن التفكير الحر.
في هذا المناخ، لم يعد المواطن العادي محرومًا من أدوات الفهم فحسب، بل أصبح—بفعل التخويف والتضليل—شريكًا لا واعيًا في إعادة إنتاج أزمته. وهنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الواقع: أن الضحية قد تتماهى مع جلادها، لا عن اقتناعٍ واعٍ، بل عن عجزٍ تراكميٍّ عن إدراك مآلات الفعل السياسي والاجتماعي. إنها حالة من “التجريد الحسي”، حيث لا يُرى الألم إلا إذا مسّ الجسد مباشرة، ولا يُفهم الظلم إلا إذا نزل بالذات دون سواها.
لكن، ولئن كان هذا الوصف يفسّر جانبًا من العطب العام، فإنه لا يُعفي المثقف من مساءلة موقعه ودوره. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا يفعل المثقف في زمن الانهيار؟ هل يكتفي بتسجيل اليوميات، منخرطًا في ردود الفعل السريعة التي تفرضها وتيرة الحدث؟ أم ينكفئ إلى أبراج التحليل العميق، حيث تُصاغ الأفكار ببطءٍ وتأمل، بعيدًا عن ضجيج اللحظة؟
في السياقات المستقرة، قد يكون هذا السؤال ترفًا منهجيًا، أما في السياق الأفريقي—والسوداني على وجه الخصوص—فهو سؤال وجودي. إذ لا يملك المثقف رفاهية الاختيار الحاد بين الخانتين، بل يُدفع دفعًا إلى الجمع بينهما، ولو على حساب راحته واتزانه النفسي. فهو مطالب، من جهة، بأن يتعاطى مع الحدث اليومي، لا بوصفه ناقلًا للوقائع، بل بوصفه مؤولًا لها، كاشفًا لبنيتها العميقة، ومفككًا لخطاباتها المضللة. وهو، من جهة أخرى، مطالب بأن ينتج معرفة رصينة، تتسم بالتماسك المنهجي والعمق التحليلي، ولا تنساق وراء الانفعال أو الاستجابة اللحظية.
غير أن هذه المزاوجة ليست يسيرة. فالتعاطي اليومي مع الحدث يمرّ—في كثير من الأحيان—عبر مصفوفات من الرقابة، لا تفرضها السلطة وحدها، بل يشارك فيها المتلقي نفسه، عبر تحيزاته المسبقة و”مرشّحاته” النفسية، التي قد تختزل النص في جملة، أو تُعيد تأويله بما يخدم مزاجًا أو موقفًا جاهزًا. وهنا يفقد النص استقلاله، ويتحول إلى مادةٍ للاستهلاك، لا للفهم.
في المقابل، فإن الكتابة الفكرية العميقة تتطلب مسافةً من الحدث، لا هروبًا منه، بل تحررًا من سطوته العاطفية، بما يسمح بإعادة بنائه في أفقٍ أوسع. هذه المسافة هي التي تمنح الفكر رزانته، وتحميه من الوقوع في فخ التبرير أو الانفعال. غير أن الإقامة الدائمة في هذا الأفق قد تُفضي إلى عزلةٍ عن الواقع، وإلى انقطاعٍ عن نبض المجتمع الذي يُفترض أن يخاطبه المثقف.
ولعل التجربة السودانية تقدم نماذج لافتة في هذا التوازن الدقيق. فقد استطاع محمود محمد طه أن يكتب في الشأن اليومي بلغةٍ لا تفرّط في عمقها، ولا تنحدر إلى الابتذال، جامعًا بين وضوح الفكرة وجمال التعبير. كما أن محمد أبو القاسم حاج حمد، رغم انشغاله بالبناء النظري والاستراتيجي، لم ينفصل عن معطيات الواقع وتقلباته، بل جعل منها مادةً لتحليله، لا عائقًا أمامه.
من هنا، فإن القضية ليست في المفاضلة بين الخانتين، بل في القدرة على العبور بينهما، وفق ما يقتضيه المقام. فقد يفرض الظرف على المثقف أن يكون شاهدًا يوميًا، وقد يدعوه إلى أن يكون مؤرخًا للفكرة في مداها الطويل. وليس في الانحياز إلى إحدى الوظيفتين ما يُعيب، ما دام لا يُفضي إلى التخلي عن مهمة التنوير.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في عجز المثقف، بل في تصدّر الجهلاء للمشهد، أولئك الذين لا يكتفون بالحديث فيما لا يُحسنون، بل ينصّبون أنفسهم أوصياء على المعرفة، وحرّاسًا زائفين للحقيقة. هؤلاء لا يناقشون الفكرة، بل يصادرونها؛ لا يحاورون المثقف، بل يُمْلُون عليه ما يجب أن يقول، وفق أهواءٍ آنية، ومصالح ضيقة، وأحقادٍ متراكمة. وهنا تنقلب المعادلة: يصبح الصوت الأعلى هو الأجدر بالتصديق، لا الحجة الأقوى.
في مواجهة هذا الواقع المختل، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ”العمل المؤسسي للفكر”. فالمثقف، مهما بلغ من القدرة، لا يستطيع أن يقوم—بمفرده—بوظائف البحث، والتحليل، والكتابة، والنشر، والترويج، والنقد. إن هذه المهام، في السياقات المتقدمة، تتوزع على منظومة متكاملة: باحثون ميدانيون، ومساعدون علميون، ومحررون، وناشرون، ونقاد، وتربويون، يشكلون جميعًا بيئةً حاضنة للفكر، ومُعزِّزةً لدوره في المجتمع.
أما في غياب هذه البنية، كما هو الحال في السودان، فإن المثقف يجد نفسه مضطرًا لأن يكون “فردًا-مؤسسة”، يحمل عبء الفكرة من لحظة ولادتها إلى لحظة وصولها—إن وصلت—إلى القارئ. ولعل من أبرز من تجسدت فيهم هذه الحالة محمد محمود، صاحب كتاب “نبوة محمد”، الذي خاض معركة الفكر منفردًا، متحملًا كلفةً باهظة، ماديةً ومعنوية، في بيئةٍ لا ترحم الفردية والاستقلالية الفكرية.
غير أن هذا النموذج، على بطولته، لا يمكن أن يكون قاعدة. فالبناء الحقيقي لا يتم بجهود الأفراد المعزولين، بل بتراكم العمل الجماعي المنظم. وما يقوم به “الفرد-المؤسسة” هو، في جوهره، عملٌ تأسيسي: إزالة للركام، تفكيك للبنى المتصدعة، وتنقية للتربة التي أفسدتها عقودٌ من الاستبداد والتضليل. إنه عملٌ شاق، أقرب إلى الحرث في أرضٍ موحلة، لكنه—مع ذلك—شرطٌ لا غنى عنه لأي نهضةٍ مأمولة.
وهكذا، تظل محنة المثقف قائمة، لا بوصفها قدرًا مأساويًا فحسب، بل بوصفها أيضًا امتحانًا أخلاقيًا ومعرفيًا. فإما أن ينحاز إلى راحته، فيلوذ بالصمت أو بالكتابة الآمنة، وإما أن يختار الطريق الوعر، حيث الكلمة مسؤولية، والفكرة موقف، والكتابة فعل مقاومة. في هذا الاختيار يتحدد معنى أن يكون المرء مثقفًا مسؤولًا، قادرًا على مواجهة السلط بأشكالها كافة، لا مجرد شاهدٍ صامت على خرابٍ يتسع كل يوم، بل كل ساعة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة