هما صفتان: الجهل والانتهازية. فالجهل هنا ليس مجرد نقص في المعرفة، بل هو الجهل المركّب الذي يجعل صاحبه يظن أنه يفهم بينما هو غارق في لُجّة العمى الفكري، عاجز عن إدراك محركات الأزمة التي يعيشها أو طبيعة الصراع السياسي والإجتماعي الذي يحدّد مصير الملايين أما الانتهازية فهي سلوك الذباب، ذلك الذي يقع على كل الموائد، حتى لو كانت قذرة، ما دام سيملأ بطنه. هذا النوع من البشر يعيش بلا قيمة، بلا مبدأ، وبلا أي إحساس بالمسؤولية تجاه وطن أو شعب. هذه الصفات ليست جديدة على التاريخ الإنساني، فقد تكررت في كل العصور، وكان أصحابها دائماً وقوداً للخراب لا صنّاعاً للتاريخ. في روما القديمة، التفّ الانتهازيون حول نيرون، يصفقون له وهو يحرق المدينة، معتقدين أن قربهم من السلطة سيحميهم. لكن التاريخ لم يذكر أسماءهم إلا بوصفهم أدوات، بينما بقيت أسماء من وقفوا ضد الجنون. وفي الثورة الفرنسية، كان الانتهازيون يبدّلون ولاءاتهم كما يبدّلون معاطفهم، يركضون خلف كل سلطة جديدة. انتهى معظمهم في مزبلة التاريخ، بينما بقيت أسماء من ناضلوا من أجل الحرية والكرامة. وفي جنوب إفريقيا، باع كثيرون أنفسهم لنظام الفصل العنصري، يبررون جرائمه ويقتاتون من فتاته. لكنهم اختفوا من الذاكرة، بينما بقي اسم مانديلا رمزاً للثبات على المبدأ. هذه الأمثلة ليست إلا مرآة لما نراه اليوم في السودان. فالأسماء التي تتصدر المشهد العبثي في الوطن المنكوب—عقار، جبريل إبراهيم، مني أركو مناوي، أرودل، التوم هجو، جاكومي، علي عسكوري، خالد الأعيسر، الناقص إدريس، كيكل، بقال، النور القُبّة، الصادق الرزيقي، موسى هلال، ترك، وغيرهم من الأبواق والقونات—كلهم يجتمعون في صفتين: الجهل والانتهازية. همّهم الأول والأخير هو المصلحة، ومن أجلها الواحد منهم مستعد أن يبيع نفسه، ناهيك عن وطنه وشعبه. التاريخ الإنساني يعلّمنا أن الانتهازيين لا يصنعون مستقبلاً، ولا يحمون سلطة، ولا يبنون وطناً. هم مجرد ظلال عابرة، بينما الذين تمسكوا بالمبدأ ودافعوا عن الحرية والعدالة هم الذين يكتبون الصفحة الأخيرة من الصراع. لهذا، فإن مجابهة الواقع المرّ تتطلب موقفاً وطنياً شجاعاً لا يقبل بأنصاف الحلول ولا بالتسويات المسرحية. بيع الضمير والقيم والأخلاق، لا يجلب إلا الخزي والعار، ذلك الخزي الذي يلطخ وجوه داعمي الحرب اللعينة، بينما يظل الشرف لأصحاب المبدأ الذين يقفون مع الشعب وقضاياه العادلة.
الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة