ما بعد الصدمة: في نقد أطروحة رفض التقسيم عند فرانسيس دينق وأحمد كدودة، وإعادة طرح سؤال الوحدة على

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-14-2026, 11:00 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-12-2026, 05:19 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 244

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
ما بعد الصدمة: في نقد أطروحة رفض التقسيم عند فرانسيس دينق وأحمد كدودة، وإعادة طرح سؤال الوحدة على

    05:19 AM April, 12 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    ما بعد الصدمة: في نقد أطروحة رفض التقسيم عند فرانسيس دينق وأحمد كدودة،
    وإعادة طرح سؤال الوحدة على أسس السودان الجديد

    11/4/2026 خالد كودي، بوسطن

    تمهيد: بين هاجس التقسيم وأزمة تعريف الوحدة
    يقدّم طرح د. فرانسيس م. دينق ود. أحمد كدودة رؤية فد تبدو متماسكة ومعقولة، إذ تنطلق من رفض تقسيم السودان استنادًا إلى مآلات انفصال جنوب السودان عام 2011. غير أن هذه الرؤية، حين تُوضع في سياق التاريخ الفعلي للصراع السوداني، تكشف عن مفارقة عميقة: فهي تتعامل مع التقسيم بوصفه "السبب" المحتمل لعدم الاستقرار وللفشل، بينما تتجاهل كونه في كثير من الأحيان "عرضًا" لأزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. بذلك، يتحول التحذير من التقسيم إلى موقف تجريدي لا يخضع لاختبار الشروط التاريخية التي أنتجت الحروب، ولا يفكك ديناميات الهيمنة التي جعلت قطاعات واسعة من السودانيين تفكر أصلًا في الخروج من إطار الدولة.
    إن الإشكال المنهجي هنا لا يكمن في الدفاع عن الوحدة، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريفها: كوحدة مُفترضة سلفًا، لا كوحدة مشروطة سياسيًا وأخلاقيًا. فبدل أن يُطرح السؤال الجوهري—ما الذي يجعل العيش المشترك ممكنًا؟ — يُستبدل بسؤال أقل عمقًا: كيف نتجنب التقسيم؟ وهذا الانزلاق من تحليل الأسباب إلى التحذير من النتائج يعيد إنتاج نمط مألوف في خطاب النخب السودانية، حيث تُقدَّم "الوحدة" كقيمة فوق تاريخية، معزولة عن علاقات السلطة التي شكّلتها.
    وهنا تكمن الخطورة: إذ تتحول الوحدة من مشروع اجتماعي–سياسي مفتوح على التفاوض وإعادة التأسيس، إلى أيديولوجيا محافظة تُستخدم لحجب الأسئلة الجذرية حول المواطنة، وتوزيع السلطة، والعدالة التاريخية. وبدل أن تكون الوحدة نتيجة لعدالة مُتحققة، تصبح غاية في ذاتها، حتى وإن استندت إلى نفس البنى التي ولّدت الحروب والانقسامات.

    أولاً: صدمة جنوب السودان كإطار تفسيري محدود
    لا يمكن فهم موقف د. فرانسيس دينق دون استحضار تجربته التاريخية بوصفه أحد أبناء السودان وجنوب السودان، الذين عاشوا مشروع الاستقلال، ثم شهدوا انهياره في الحرب الأهلية (2013–2018). هذه التجربة، التي كان يُفترض أن تمثل "تحققًا للحق في تقرير المصير"، انتهت إلى دولة هشة، منقسمة، تعتمد على الريع النفطي، وتخضع لصراعات النخب العسكرية.
    لكن تحويل هذه التجربة إلى قاعدة عامة لرفض أي حديث عن تقرير المصير أو إعادة تشكيل الدولة هو تعميم غير علمي. فالتجارب التاريخية تُفهم ضمن سياقاتها، لا بوصفها نماذج مطلقة، واستاذنا د. قرانسيس دينق ابو العارفين بهذا!
    لننظر إلى أمثلة مقارنة:
    - اريتريا (1993): انفصلت عن إثيوبيا بعد حرب طويلة، ورغم طابعها السلطوي، استطاعت بناء دولة ذات سيادة مستقرة نسبيًا.
    - تيمور الشرقية (2002): انفصلت عن إندونيسيا، ونجحت تدريجيًا في بناء مؤسسات ديمقراطية.
    - تشيكوسلوفاكيا (1993): انقسمت سلميًا إلى دولتين ناجحتين (التشيك وسلوفاكيا).
    في المقابل، فشل جنوب السودان لا يُفسَّر فقط بالانفصال، بل بعوامل بنيوية أهمها:
    - غياب مشروع وطني جامع بعد الاستقلال
    - عسكرة السياسة منذ حركة التحرير
    - ضعف المؤسسات المدنية
    - تدخلات إقليمية ودولية متناقضة
    إذن، المشكلة لم تكن في "التقسيم" كفعل، بل في طبيعة القوى التي أدارت الدولة بعده.

    ثانياً: الفرق النظري بين انفصال الجنوب وطرح " الحق في تقرير المصير" اليوم
    يخلط المقال بين تجربتين مختلفتين جذريًا:
    ١/ انفصال جنوب السودان (2011)
جاء كحل تفاوضي ثنائي بين الحركة الشعبية والنظام السوداني، في إطار اتفاقية السلام الشامل (2005)، دون إعادة هيكلة الدولة السودانية نفسها.
    ٢/ طرح قوى السودان الجديد لحق تقرير المصير
وهو ليس مشروع انفصال مباشر، بل آلية ضغط تأسيسية لإعادة تعريف الدولة على أسس:
    - المواطنة المتساوية
    - العلمانية
    - اللامركزية
    - العدالة التاريخية
    - الجيش والقوات الأمنية الجديدة
    - الوحدة الطوعية
    الفرق هنا جوهري:
انفصال الجنوب كان نتيجة فشل إصلاح الدولة،
أما طرح تقرير المصير اليوم فهو أداة لإجبار الدولة على الإصلاح وإعادة التأسيس.
    بعبارة أخرى:
ليس الهدف من تقرير المصير تفكيك السودان، بل تفكيك الدولة القديمة التي جعلت الوحدة مستحيلة!

    ثالثاً: تجاهل السؤال الجوهري: ما شروط الوحدة؟
    أكبر ثغرة في مقال دينق وكدودة هي أنه لا يجيب على السؤال المركزي:
    كيف يمكن الحفاظ على وحدة السودان؟
    فالقول بأن "التقسيم سيئ" لا يكفي.
الوحدة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل علاقة سياسية مشروطة.
    تاريخ السودان منذ الاستقلال (1956) يقدم إجابة واضحة:
    - حرب الجنوب الأولى (1955–1972
    - حرب الجنوب الثانية (1983–2005
    حروب دارفور (2003–
    - حروب جبال النوبة والنيل الأزرق
    كل هذه الحروب كانت نتيجة نموذج واحد للدولة:
    - دولة مركزية
    - قائمة على هيمنة إثنية–ثقافية (عربية–إسلامية)
    - تعتمد على استخراج الموارد من الأطراف
    - تفتقر إلى عقد اجتماعي شامل
    إذن، الوحدة انهارت تاريخيًا ليس بسبب "التقسيم"، بل بسبب غياب شروطها!

    رابعاً: تعقيد السياقات: بين ذاكرة التهميش وأفق الامتياز
    لفهم تباين المنطلقات في قراءة مسألة الوحدة والتقسيم، لا بد من العودة إلى الخلفيات الاجتماعية–السياسية التي تشكّل وعي الكاتبين وتؤطر مقارباتهما. ينتمي د. فرانسيس م. دينق إلى سياق تاريخي مثقل بتجارب التهميش البنيوي، والعنصرية، والحروب الممتدة، والإقصاء المزمن من مركز الدولة السودانية. هذه الخبرة ليست مجرد خلفية بيولوجية أو جغرافية، بل هي تجربة تاريخية كثيفة تُنتج حساسية عالية تجاه مخاطر التفكك والانهيار، وتغذي في الوقت ذاته ما يمكن تسميته بـ"وعي الصدمة"—أي الإدراك الذي يتشكل تحت وطأة تجربة دولة فشلت في تحقيق وعودها بعد الاستقلال.
    في المقابل، يتحرك صديقي د. أحمد كدودة ضمن سياقات أقرب إلى فضاء المركز النيلي، بما يحمله من تراكمات تاريخية للامتياز الطبقي والثقافي، والانخراط—بدرجات متفاوتة—في بنية الدولة التي مارست الهيمنة وأعادت إنتاجها. هذا التوصيف لا يُطرح بوصفه حكمًا قيميًا أو إدانة أخلاقية، بل قراءة سوسيولوجية لموقع الفاعل داخل الحقل الاجتماعي. بل ويمكن النظر إلى هذا التلاقي بين موقعين مختلفين—الهامش والمركز—كإمكانية واعدة للحوار، خاصة إذا أُخذ بعين الاعتبار اختلاف الأجيال والخبرات التي تغني مثل هذا التعاون.
    غير أن هذا التباين في المواقع لا يمكن فصله عن أثره في تشكيل الوعي السياسي. فالدراسات في علم الاجتماع السياسي، كما عند بيير بورديو، تبيّن أن إدراك الأفراد للعالم، بما في ذلك تصوراتهم عن الدولة والوحدة، يتحدد بدرجة كبيرة عبر موقعهم داخل بنية السلطة وما يمتلكونه من "رأس مال رمزي". ومن ثم، يصبح من المفهوم أن يتقاطع الكاتبان في رفض التقسيم، لكن من داخل أفقين مختلفين:
    - د. دينق ينطلق من ذاكرة تجربة انفصال الجنوب لم تُفضِ إلى الاستقرار، فيرى في التقسيم خطرًا يعيد إنتاج المأساة.
    - أما د. كدودة، فيتحرك—بوعي أو بدونه—ضمن أفق الحفاظ على وحدة مركزية لم تُفكك بعد شروط هيمنتها البنيوية.
    هكذا، فإن الاتفاق في النتيجة لا يلغي اختلاف الشروط التي أنتجته، بل يكشف عن تباين عميق في المنطلقات، وهو تباين يظل مفتاحًا ضروريًا لفهم حدود هذا الطرح وإمكاناته!

    خامساً: المواطنة كشرط تأسيسي—من تجربة الانفصال إلى أفق السودان الجديد
    ما يغفله المقال، أو يتجاوزه دون تفكيك كافٍ، هو أن الوحدة لا تُبنى على الجغرافيا ولا تُحمى بالتحذير من التقسيم، بل تُؤسَّس على مبدأ المواطنة بوصفه عقدًا تاريخيًا وأخلاقيًا بين الدولة ومواطنيها. فالمواطنة في السودان لم تكن يومًا مجرد وضع قانوني محايد، بل كانت—ولا تزال—ساحة صراع ضد بنى متجذرة من التمييز العرقي، والهيمنة الثقافية، والإقصاء السياسي، والتفاوت الاقتصادي. وهذه ليست قراءة نظرية مجردة، بل خلاصة تاريخ طويل من الحروب التي اندلعت لأن قطاعات واسعة من السودانيين لم تُعترف بهم كمواطنين كاملين داخل الدولة.
    في هذا السياق، لا يمكن فهم قرار الجنوبيين بالانفصال عام 2011 إلا بوصفه نتيجة منطقية لتراكم تاريخي من انتهاك شروط المواطنة. فمنذ الاستقلال في 1956، فشلت الدولة السودانية في بناء عقد وطني جامع، وأصرت النخب الحاكمة على إعادة إنتاج نموذج أحادي للهوية (عربية–إسلامية)، وعلى احتكار السلطة والثروة، ورفضت مرارًا مشاريع الفيدرالية أو العلمانية أو إعادة توزيع السلطة. وقد جاءت اتفاقية أديس أبابا (1972) كمحاولة مؤقتة للاعتراف بالتنوع، لكنها انهارت مع سياسات الأسلمة وفرض قوانين سبتمبر 1983، التي أعادت إشعال الحرب الأهلية الثانية. ومع توقيع اتفاقية السلام الشامل (2005)، لم يكن الاستفتاء على تقرير المصير سوى تتويج لمسار طويل من انعدام الثقة، حيث صوّت الجنوبيون بنسبة تجاوزت 98% لصالح الانفصال—لا حبًا في الانقسام، بل هروبًا من دولة فشلت في الاعتراف بكرامتهم.
    والمفارقة هنا أن د. فرانسيس م. دينق نفسه كان من أبرز المفكرين الذين شخصوا هذه الأزمة بعمق. ففي أعماله حول الهوية السودانية و"صراع الرؤى"، وفي مساهماته الدولية حول حماية الأقليات ومنع الإبادة الجماعية، ظل يؤكد أن جوهر الأزمة السودانية يكمن في غياب شروط المواطنة المتساوية، وفي تمسك النخب المركزية بامتيازاتها التاريخية على حساب بناء دولة عادلة. لقد بيّن د. دينق، في أكثر من سياق، أن الدولة السودانية لم تفشل بسبب تنوعها، بل بسبب فشلها في إدارة هذا التنوع ضمن إطار عادل.
    غير أن هذا العمق التحليلي الذي ميّز مساهمات د. دينق الفكرية يبدو غائبًا—أو على الأقل مُتجاوزا—في مقاله الحالي، حيث يتم التركيز على رفض التقسيم دون العودة إلى الجذر الذي أنتجه: أي غياب المواطنة. وهنا يكمن التناقض: إذ يتم التحذير من النتيجة، مع إغفال الشروط التي تجعل تجنبها ممكنًا.
    في المقابل، يطرح مشروع السودان الجديد بعد انفصال الجنوب تصورًا مغايرًا، ينطلق من أن الوحدة لا يمكن أن تستمر إلا إذا أعيد تأسيسها على شروط واضحة، هي في جوهرها إعادة تعريف للمواطنة نفسها:
    - العلمانية: لا بوصفها موقفًا ضد الدين، بل كشرط لتحييد الدولة عن الهيمنة الدينية، وضمان مساواة جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم.
    - الديمقراطية: ليس كإجراء انتخابي شكلي، بل كنظام لإدارة التنوع وتداول السلطة وضمان المشاركة الفعلية
    - اللامركزية: كآلية لإعادة توزيع السلطة والموارد، وإنهاء نموذج الدولة المركزية التي تحتكر القرار في الخرطوم
    العدالة التاريخية: عبر الاعتراف بالجرائم البنيوية—من عبودية وإبادة وتهجير—وتفكيك آثارها عبر سياسات جبر الضرر.
    - الوحدة الطوعية: أي أن تبقى الشعوب داخل الدولة لأنها تختار ذلك بحرية، لا لأنها مُكرهة ببنية قسرية
    هذه الشروط ليست ترفًا فكريًا أو شعارات أيديولوجية، بل هي الحد الأدنى لأي وحدة قابلة للحياة. فالوحدة التي لا تُبنى على العدالة تتحول إلى قيد، والدولة التي لا تعترف بمواطنيها تدفعهم، في نهاية المطاف، إلى البحث عن بدائل—سواء كانت حكمًا ذاتيًا، أو فدرالية حقيقية، أو حتى الانفصال، ولا شنو؟
    ومن هنا، فإن السؤال ليس كيف نمنع التقسيم، بل كيف نبني دولة لا تدفع مواطنيها إلى التفكير فيه!

    سادساً: نقد النخبة المركزية وخطاب الالتفاف—في ضوء الفكر الإفريقي والأفرو-أمريكي
    يميل خطاب النخب السودانية، بما في ذلك بعض التيارات الليبرالية، إلى إنتاج ما يمكن تسميته بـ"لغة الطمأنة السياسية"—لغة تُدير الأزمة بدل أن تفككها. ففي هذا الخطاب، يُعاد ترتيب الأولويات على نحو يكشف عن بنية عميقة من الحذر المحافظ: يُقدَّم "الاستقرار" كغاية عليا حتى وإن كان قائماً على اختلالات بنيوية، ويُستدعى شعار "الوحدة" بوصفه قيمة أخلاقية مجردة تُغني عن مساءلة شروطها، بينما تُؤجَّل قضايا مثل العلمانية أو العدالة التاريخية بحجة حساسيتها أو خطورتها على "النسيج الاجتماعي". بهذا المعنى، لا يغيب الوعي بالأزمة، بل يُعاد احتواؤه ضمن أفق إصلاحي محدود لا يهدد البنية القائمة.
    هذا النمط من التفكير لا يختلف كثيرًا عما نقده د. فرانسيس م. دينق نفسه في كتاباته السابقة حول "أزمة الهوية" في السودان، حيث أشار بوضوح إلى أن جوهر الصراع يكمن في فشل النخب في بناء دولة تعترف بتعدد مكوناتها، وفي إصرارها على فرض تصور أحادي للهوية الوطنية. كما يتقاطع هذا النقد مع أطروحات مفكرين أفارقة مثل فرانتز فانون، الذي حذّر من أن نخب ما بعد الاستعمار تميل إلى وراثة جهاز الدولة الاستعماري دون تفكيكه، فتستبدل السيطرة الخارجية بسيطرة داخلية، وتحافظ على نفس أنماط الإقصاء تحت شعارات وطنية.
    وفي السياق الأفرو-أمريكي، نجد صدى مماثلاً في أعمال دبليو. إي. بي. دو بوايس وجيمس بالدوين، اللذين بيّنا أن الحديث عن "الوحدة الوطنية" في الولايات المتحدة كان يُستخدم تاريخيًا لتأجيل مواجهة العنصرية البنيوية، وأن الاستقرار الذي لا يقوم على العدالة ليس سوى شكل من أشكال العنف المؤجل. هذه المقاربات تكشف أن الالتفاف حول المفاهيم ليس خصوصية سودانية، بل نمط متكرر في سياقات ما بعد الاستعمار حيث تخشى النخب من كلفة التغيير الجذري.
    ومن اللافت، في هذا السياق، أن بعض الكيانات المدنية السودانية ذات النزعة المحافظة تسعى—بشكل مباشر أو ضمني—إلى استدعاء ثقل د. فرانسيس م. دينق الرمزي ووضعه في موقع دفاعي أدنى من إسهاماته الفكرية العميقة، عبر توظيف موقفه الرافض للتقسيم دون استحضار الشروط التي ظل يؤكد عليها تاريخيًا لبناء وحدة مستدامة. إذ يجري القفز على الحقيقة المركزية التي تفيد بأن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا على أساس المواطنة المتساوية، وأن هذه المواطنة ليست شعارًا قانونيًا، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا يستند إلى دولة علمانية، ديمقراطية، لامركزية، تُقرّ بالعدالة التاريخية، وتعيد بناء مؤسساتها—بما في ذلك الجيش—على نحو يعكس تعددية المجتمع بحيث يرى فيه كل مواطن نفسه.
    من هذا المنظور، يمكن قراءة مقال د. دينق ود. كدودة بوصفه يقع—جزئيًا—داخل هذا التقليد الذي ينتقده الفكر ذاته الذي أسهم د. دينق في تطويره. فالمقال يرفض التقسيم ويحذّر من الفوضى، لكنه لا يذهب بعيدًا في تفكيك البنية التي تجعل التقسيم احتمالاً تاريخيًا. إنه يعالج العرض (خطر الانقسام) دون أن يستعيد بوضوح ما أكده د. دينق نفسه في أعماله السابقة: أن غياب المواطنة المتساوية، وتمسك النخب بامتيازاتها، هو ما يدفع المجتمعات إلى التفكير في الانفصال.
    النقد هنا ليس موجهاً ضد موقف رفض التقسيم في حد ذاته، بل ضد محدودية الأفق الذي يُطرح فيه هذا الرفض. فحين يُفصل الدفاع عن الوحدة عن شروطها التأسيسية—العلمانية، العدالة، إعادة توزيع السلطة—فإنه يتحول إلى خطاب محافظ، حتى وإن استند إلى نوايا إصلاحية. وهنا تتجلى المفارقة: أن خطابًا يستند إلى خبرة عميقة في نقد الدولة السودانية، كما في أعمال د. فرانسيس دينق، ينزلق في هذه المقالة إلى موقع دفاعي يقترب من نفس منطق النخب التي طالما انتقدها!
    إن الاستفادة الحقيقية من إرث المفكرين الأفارقة والأفرو-أمريكيين لا تكمن في استحضار مخاوفهم من التفكك فقط، بل في تبني شجاعتهم في مواجهة الجذور البنيوية للأزمة. فالوحدة التي لا تُعاد صياغتها على أساس العدالة ليست سوى تأجيل لانفجار قادم، والاستقرار الذي يتجاهل التاريخ ليس سوى شكل آخر من أشكال إنكاره.

    خاتمة: من رفض التقسيم إلى أفق التأسيس—الوحدة بوصفها عقدًا تاريخيًا جديدًا
    إن المعضلة السودانية لا تختزل في احتمال التقسيم، بل في استحالة استمرار الدولة بصيغتها الموروثة دون تفكيك جذري لبنيتها. فالدولة التي أُنشئت على احتكار السلطة، وإقصاء الهامش، وفرض هوية أحادية، لا يمكن إنقاذها بمجرد التمسك بشعار الوحدة. لذلك، فإن رفض التقسيم—حين يُطرح خارج إطار إعادة التأسيس—يظل موقفًا محافظًا، حتى وإن صيغ بلغة إنسانية تحذّر من المآلات.
    السؤال الحاسم إذن لا يتعلق بشكل الخريطة، بل بطبيعة الدولة ذاتها:
أي دولة نريد؟ وعلى أي أسس يمكن أن نبقى معًا؟
    في هذا الأفق، تبرز تجربة تحالف "تأسيس" بوصفها محاولة للانتقال من خطاب إدارة الأزمة إلى مشروع إعادة بناء الدولة. لا باعتباره تحالفًا سياسياً عابرًا، بل كـ"كتلة تاريخية" بالمعنى الغرامشي، تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة على أسس جديدة. فقد تبنّى هذا التحالف، في وثائقه، مشروع السودان الجديد بوصفه إطارًا لإعادة تعريف المواطنة، وربطه بشروط بنيوية واضحة: علمانية الدولة، ديمقراطية حقيقية، لامركزية في السلطة والثروة، وعدالة تاريخية تعترف بجذور المظالم وتسعى إلى معالجتها.
    وفي خطوة تتجاوز التجارب السابقة، لم يكتفِ هذا المشروع بطرح مبادئ عامة، بل سعى إلى ترسيخ ما يمكن تسميته بـ"المبادئ فوق الدستورية"—أي تلك الأسس التأسيسية التي لا يجوز الالتفاف عليها أو إخضاعها للمساومات السياسية قصيرة الأمد. وهي مبادئ تُؤسّس للمواطنة المتساوية بوصفها حجر الزاوية لأي عقد اجتماعي مستدام، وتضمن أن الدولة، في بنيتها ومؤسساتها، بما في ذلك الجيش، تعكس تعددية المجتمع، بحيث يرى فيها كل مواطن نفسه لا بوصفه تابعًا، بل شريكًا كاملًا.
    من هنا، لا يُطرح مشروع السودان الجديد بوصفه دعوة للتقسيم، بل كإعادة تعريف جذرية لمعنى الوحدة نفسها:
وحدة لا تُفرض بالقوة، ولا تُحفظ بالخوف، بل تُبنى على العدالة وتُختبر في حرية الاختيار.
    فإذا كانت الوحدة في الماضي قيدًا سياسيًا يُدار من المركز، فإنها—في أفق التأسيس—تصبح علاقة طوعية، قائمة على اعتراف متبادل بين مكونات متساوية في الكرامة والحقوق.
    وعند هذه النقطة فقط، يغدو السؤال عن التقسيم ثانويًا، لأن الدولة التي تُبنى على أسس عادلة لا تدفع شعوبها إلى مغادرتها، بل تمنحهم سببًا حقيقيًا للبقاء... ولا شنو؟

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de