بعد أكثر من سبعين عاماً على الاستقلال، يقف السودان اليوم أمام سؤال لم يعد ممكناً الهروب منه و لماذا أخفقت الأحزاب السياسية في بناء دولة مستقرة وديمقراطية، رغم تعددها وتنوع مرجعياتها الفكرية والدينية؟ ليس المقصود هنا إصدار أحكام أخلاقية أو تحميل حزب بعينه مسؤولية ما آلت إليه البلاد، فالأزمة السودانية أكبر من حزب وأعمق من حكومة. لكنها في الوقت نفسه تدفعنا إلى مراجعة واحدة من أهم مؤسسات الحياة السياسية الحزب في التجارب الديمقراطية الحديثة، لا يُنظر إلى الحزب باعتباره مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل باعتباره مؤسسة لإنتاج الأفكار، وتأهيل القيادات، وتنظيم المشاركة الشعبية، وصياغة البرامج الاقتصادية والاجتماعية، ومساءلة الحكومات, وكلما كانت الأحزاب قوية ومؤسسية، كانت الدولة أكثر استقراراً وقدرة على إدارة اختلافاتها سلمياً
أما في السودان، فقد سلكت التجربة الحزبية مساراً مختلفاً إلى حد بعيد فمنذ الاستقلال، لم تستطع الأحزاب أن تتحول إلى مؤسسات حديثة قائمة على البرامج والسياسات العامة، بل ظلت، في كثير من الأحيان، أسيرة الولاءات التاريخية، والانقسامات الأيديولوجية، والزعامات الفردية، والتوازنات الطائفية والجهوية. ومع مرور الزمن، أصبحت المنافسة بين الأحزاب تدور حول من يحكم، أكثر مما تدور حول كيفية الحكم.
ولعل أخطر ما كشفت عنه الحرب الحالية أنها لم تدمر المدن والبنية التحتية فحسب، بل كشفت أيضاً هشاشة البنية السياسية نفسها. فقد وجد ملايين السودانيين أنفسهم بلا مؤسسات سياسية قادرة على تمثيلهم، أو الدفاع عن مصالحهم، أو تقديم مشروع وطني جامع يضع حداً للانهيار لقد بدت معظم الأحزاب، على اختلاف مواقعها، عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى التي فرضتها الحرب بعضها انشغل بخلافاته الداخلية، وبعضها انقسم بين المحاور المتصارعة، وبعضها اكتفى بردود الأفعال، بينما كان المجتمع يتغير بوتيرة أسرع من قدرة النخب السياسية على الفهم والاستجابة.
ولا يعني هذا أن الأحزاب السودانية لم تقدم إسهامات وطنية مهمة في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد فقد ارتبطت بها محطات بارزة في مقاومة الاستعمار، وفي الدفاع عن الديمقراطية، وفي انتفاضتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، كما شاركت قوى حزبية عديدة في الحراك الذي سبق ثورة ديسمبر 2018. غير أن الاعتراف بهذه الأدوار لا يمنع من الإقرار بأن البناء الحزبي نفسه دخل منذ سنوات طويلة في أزمة عميقة
ويمكن تلخيص هذه الأزمة في خمسة مظاهر رئيسية أولاً، ضعف الديمقراطية الداخلية، حيث تحولت كثير من الأحزاب إلى تنظيمات تدور حول شخصيات أو عائلات أو مجموعات محدودة، مع تراجع تداول القيادة وتجديد النخب ثانياً، غياب البرامج التنفيذية القابلة للتطبيق، إذ طغت الشعارات العامة على السياسات الاقتصادية والاجتماعية الواقعية، فأصبحت الخطابات الانتخابية أكثر حضوراً من خطط التنمية ثالثاً، اتساع الفجوة بين الأحزاب والمجتمع، خصوصاً بين الشباب والنساء والعاملين في القطاعات الإنتاجية، حتى أصبح كثير من المواطنين ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها جزءاً من الأزمة، لا أداة لحلها رابعاً، هشاشة البناء التنظيمي، حيث ظل نشاط كثير من الأحزاب مرتبطاً بالمواسم السياسية، دون وجود مؤسسات بحثية أو مراكز تدريب أو شبكات عمل مجتمعي مستمرة خامساً، العجز عن إنتاج رؤية وطنية تتجاوز الانقسامات التقليدية، وتستجيب لتحولات السودان الاجتماعية والاقتصادية بعد الحرب
لكن السؤال الأهم ليس و لماذا فشلت الأحزاب؟ بل هو- لماذا تكررت أسباب الفشل في معظمها، رغم اختلاف مرجعياتها الفكرية؟ ربما لأن المشكلة لا تتعلق فقط بالأفكار، بل أيضاً بشكل الحزب نفسه، وبطريقة تنظيمه، وبعلاقته بالمجتمع، وبالثقافة السياسية التي نشأ في ظلها فالحزب الذي يولد ليخدم زعيماً، أو طائفة، أو جماعة مصالح، يصعب عليه أن يتحول لاحقاً إلى مؤسسة وطنية مفتوحة لكل المواطنين
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على إصلاح حزب هنا أو تغيير قيادة هناك، وإنما يجب أن يمتد إلى إعادة التفكير في معنى الحزب السياسي في السودان: ما وظيفته؟ ومن يمثل؟ وكيف يُبنى؟ وكيف يحافظ على استقلاله؟ وكيف يصبح أداة لإنتاج الحلول بدلاً من أن يكون جزءاً من المشكلة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل أصبحت جزءاً من معركة إعادة بناء الدولة السودانية نفسها _ فلا يمكن بناء دولة حديثة بأحزاب تقليدية، كما لا يمكن ترسيخ الديمقراطية من دون مؤسسات سياسية قادرة على تجديد نفسها، وتجديد علاقتها بالمجتمع
في الحلقة القادمة سننتقل من تشخيص الأزمة إلى سؤال أكثر جرأة, هو هل يحتاج السودان إلى حزب جديد، أم إلى فكرة جديدة للحزب؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة